رسالة فولتــــــــــــــير في التسامح / بـــــــــــن علي لونيس *
بواسطة admin بتاريخ 22 يوليو, 2019 في 09:55 صباح | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 94.

هل العلمانية هي عزل نهائي للدين أم هي بناء مشروع مجتمع مت سامح دينيا؟ كان هذا السؤال موضوع نقاش أثاره مثقفو أوروبا في القرن الثامن عشر، ضمن مشاريع علمنة المجتمعات الأوروبية، ومازال السؤال يفرض حضوره الواضح في نقاشات النخب في عصرنا الحالي. هذا العصر الذي شهد عودة الدين بقوة إلى الحياة الاجتماعية والسياسية، سواء في المجتمعات العربية الإسلامية أو في المجتمعات الغربية بوصفه تهديدا لعلمانيتها الموروثة عن القرن الثامن عشر، خاصة مع ازدياد أعداد المهاجرين المسلمين في أوروبا، وتزايد وتيرة الهجمات الإرهابية في العواصم الأوروبية. 
 لقد كان كتاب (رسالة في التسامح) لفولتير، والذي ألفه في نهاية القرن الثامن عشر، بيانا تاريخيا أسّس أولا لميلاد المثقف الحديث؛ هذا الأخير قرّر أن ينزل من أبراجه العالية، ليكون قريبا من هموم المجتمع، لاسيما هموم هؤلاء الذين سحقتهم وتسحقهم آلة الدولة كل يوم. 
 فوظيفة المثقف باتت معنية بالانخراط في الحراك الاجتماعي، ليمثل صوت من لا صوت له. وهذه الوظيفة التاريخية، اقترنت بمرافعة فولتير الشهيرة في وجه العدالة الفرنسية التي أصدرت حكما ظالما في حق عجوز اتهمته بقتل ابنه لأسباب دينية.
وثانيا، يمكن اعتبار الكتاب صياغة لمنظور فولتير لما يجب أن يكون عليه المجتمع العلماني، و هو دعوة إلى ضرورة تحرير المجتمع من سلطة الأكليروس، الذين حوّلوا الدين إلى وسيلة لممارسة السلطة المطلقة.
 إنّ السبب الأساسي الذي دفع فولتير إلى كتابة هذا الكتاب هو حادثة إعدام العجوز جان كالاس، وهو تاجر بروتستانتي من منطقة تولوز الفرنسية، والذي اتهمته العدالة الفرنسية بقتل ابنه جان أنطوان.
وتروي الحادثة بأنّ جان أنطوان قد ارتد عن البروتستانتية إلى الكاثوليكية، وبعد أيام اُكتشف ميتا في غرفته. وعلى الرغم من غياب أدلّة حقيقية عن حيثيات الواقعة، فإنّ انصياع الغوغاء – كما سماهم فولتير – لنوازعهم الدينية جعلت القضاء يحرّف حقيقة انتحار الابن. 
 إنّ المشاعر والانفعالات الدينية أصابت العدالة بالعماء، وجعلتها تستسلم لأصوات المتعصّبين الذين نادوا بإعدام العجوز، لأنه قتل ابنه، كراهية بالدين الكاثوليكي. ويذكّرنا فولتير بأنّ ما زاد المتعصبين قناعة بجرم العجوز كالاس هو أنّ من تعاليم البروتستانتية حضّ الآباء على قتل أبنائهم إذا خرجوا عن دينهم. 
 لقد فجّرت هذه الحادثة حماسا كبيرا في الكاثوليكيين الذين أقاموا جنازة مهيبة للشاب المقتول، واعتبروه شهيدا.
اتخذ فولتير من هذه الواقعة الشهيرة إطارا تاريخيا لعرض طبيعة المجتمع الذي تتنازعه داخليا قوى دينية متناحرة، فبدل أن تفشي روح التسامح بين الناس، فهي تنشر الكراهية وتحرّض على العنف، وإقامة العدالة باسم الإله. أراد من خلال هذه الرسائل إعادة النّظر في مبدأ العدالة: هل يمكن بناء مجتمع متسامح دينيا دون إرساء العدالة؟ وهل يمكن إقامة عدالة مع وجود هيجان عقائدي عارم؟
 إنّ العار الوحيد، كما كتب، هو عار الظلم واللاّعدل. وهو يرى كيف تحولت أوروبا إلى مجموعة من الأخويات الدينية المتناحرة، والتي وضعت أتباعها فوق البشر. إنّ ثمن الصراع الديني كان دائما باهظا جدا.
 لقد كانت المشكلة في رجالات الدين، وليست في الدين. إنه يحمّل رجالات الدين مسؤولية العنف المسعور، فقد كان العقل اللاهوتي أكبر من تسبب في إهراق الكثير من الدماء في ألمانيا، وفي هولندا وفي فرنسا.
ليس أمام أوروبا إذن إلا النزوع نحو التسامح، واحترام عقائد الآخرين. ومن خصوصيات هذا العقل المتسامح، أنه ” عقل وديع، إنساني، يحث على الحلم، يخنق الفتنة في المهد، يشد من إزر الفضيلة، يحبب الانصياع للقوانين ويعززها أكثر مما تفعله القوة”. 
 لقد ميّز فولتير بين القانون الطبيعي والقانون الإنساني؛ فالأول هو ذلك الذي ترسمه الطبيعة للبشر كافة. أما القانون الإنساني فيقوم على هذا الجوهر الطبيعي، والذي يتمثل في المبدأ التالي: ” لا تفعل ما لا ترغب في أن يُفعل بك “. 
 إنّ الحق في التعصب، يقول فولتير، هو حق عبثي وهمجي. فقد أدان المسيحيين الذين قتلوا وأحرقوا المدن رافعين الكتاب المقدس في يد والسيف في يد أخرى. ” لو استعرضنا جميع الشرور التي تسببت فيها الحمية الدينية الكاذبة، لأدركنا أنّ البشر عاشوا طويلا جحيمهم في هذه الدنيا” ( ص83).
 يمكن أن نستخلص من هذا الكتاب سيمات المجتمع العلماني، فهو مجتمع متسامح مع كل الأطياف الدينية، يقرّ بالعدالة على أساس مدني وليس تحت إملاءات أية عقيدة مهما كان شأنها. العلمانية هي مقاومة للتعصب الديني الذي يحول المجتمعات إلى ميادين للاقتتال. فالحروب التي تحركها العقيدة الدينية تخلف آثارا كارثية على الإنسان والمجتمع.
 تبدأ الحياة المدنية، إذن، من اللحظة التي يتحرر فيها الناس من التعصب لعقائدهم الدينية. من هذه اللحظة يمكن إقامة مبدأ التسامح. فمن غير العقلانية أن يدعي أحدهم الحق في أن يجر غيره من الناس إلى الاعتقاد بأفكاره، فيقيم الحدود في وجه الذين يختلفون عنه في الأفكار والعقائد

 

/

 

 

* ناقد وأكاديمي من الجزائر 

اترك تعليقا