من العقل الاصطفائي إلى العقل التداولي/ د غزلان هاشمي *
بواسطة admin بتاريخ 4 أغسطس, 2019 في 05:39 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 107.

إن كل التوترات الواقعة اليوم نتيجة بحث عن نقاط نفوذ خطابية،يتم من خلالها توجيه العالم حسب اعتبارات شخصية ذات تعبوية واضحة ،فكل ذات تتصرف وفق مركزية واضحة،لذلك تهدف إلى تهديم مرتكزات الغير وضرب بنياته الثقافية والاجتماعية والسياسية..،من أجل إقصائه وإلغائه،من هنا تسهم الانتقائية وجاهزية الأحكام في إنتاج عقليات اصطفائية تحاول ممارسة التمركز المنغلق،في مقابل حوارية منجزة كرد فعل على الانغلاق الأيديولوجي .انطلاقا مما قلناه ماهو العقل الاصطفائي والعقل المرن؟ما الخطابات التي ينتجها كل عقل؟ وكيف يمكننا التغلب على الجاهزية التي ترتكز إلى عنف الخطاب كما يرتكز هو عليها؟.

العقل الاصطفائي/المتحجر:

إن العقل الاصطفائي هو العقل الذي يموضع الذات في إطار من التعالي والفوقية ،ويموضع الآخر في إطار من الانتقاص والتهميش،فهو عقل مستبد مصاب بعقدة تضخم الأنا،التي يرى فيها الأخيرية والأفضلية،ومن ثمة فهو ينظر إلى الآخر بأنه مصدرا للشرور ،وهذا ما يجعله يقع فريسة داء الاصطفاء وفخ الاستثناء على حد تعبير علي حرب،فلا يتقبل هذا العقل الاختلاف ولا يتقن إلا لغة الهجوم والتهكم والسخرية والانتقاص،وهذا ما يجعله غير مبدع لأي لغة تداولية مثمرة حال استغنائه برأيه عن غيره.

والآخرية عند هذا العقل خطر يهدد كينونته الثابتة،لذا لا يتورع عن وسمه بكل صفات الانتقاص تبريرا لمنطقه،من هنا فخطابه خطاب تعالي يلغي كل السمات الإيجابية في خطاب المحاور ويبحث عن العثرات فقط مخالفا منهج القرآن والسنة،لذلك كثيرا ما ينمي هذا النوع بسبب نظرته الضيقة مركزية الذات باعتبارها مصدرا للمعرفة كلها. ولربما علي حرب يلخص في النقاط الموالية اهم ارتكازاته وهي:”(1)المركزية البشرية التي تدمر البيئة والطبيعة،(2)النرجسية الثقافية التي تلغم صيغ العيش بين الجماعات،(3)النظرة الأحادية التي تختزل الواقع بغناه وتعقيداته والتباساته إلى بعد واحد أو وحيد العنصر والقطب أو المرجع والرأي،(4) عبادة الأصول والتمترس وراء النصوص للانقلاب على القضايا والتعلق بالأشياء حتى أضدادها،(5)حراسة المقولات بتحويلها إلى قوالب متحجرة أو إلى أنساق مغلقة تخنق الحيوية الفكرية وتشل الطاقة على التحول الإيجابي والعمل البناء،وكلها عوائق وأعطال تولد الجهل والعجز والإقصاء،بقدر ما تخلف المساوئ والمخاطر والكوارث”[1].

العقل المرن/التداولي:

هو العقل الذي يفسح المجال لرؤية الآخر حتى تطفو على مساحة الذات،فهو يبحث عن الأفضلية بين البدائل المختلفة ولا يمانع أن يستمدها من المغايرة،لذلك يعرض الآراء بطريقة عقلانية ممنهجة،فيبحث أولا عن صيغة اشتراك لينفذ إلى غيرها،وهذه الصيغة هي التي تحتمل ذكر الإيجابيات التي يتحلى بها الآخر ومن ثمة لا يتم إلغاء خيريته وتغييبها،وهنا لا يمانع من معرفة الآخر بل يحاول الاستزادة من هذه المعرفة،إذ كما يقول عبد الله إبراهيم في حديثه عن رحلة بن فضلان كلما زادت معرفة الذات بالآخر تقلصت مسافة الخوف منه وتخفف من إطلاق سمات الانتقاص عليه.

إذن فالعقل التداولي  لا يناصب العداء لأحد ،وإنما يتقبل الآخر كما هومختلف عن الذات،بل ويعتبر الاختلاف ما يرسم للذات حدود تمايزها عن الغيرية،ولولاها لما كان للآخرية وحدود التجاور من معنى،لأن التشابه والتطابق يضفي إلى موت الهوية ،من هنا فهو يحتفظ للذات ما يحفظ هويتها ويعدل إدراكها نحو اعتبار الآخر ضرورة وجودية وإن اختلافه أمر طبيعي….وكما تنظر للآخرين ينظرون إليك فهذه سنة الكون.

الخطابات المنتجة:

الخطاب الاقصائي/الانتقائي:

يعتمد خطاب العقل الإقصائي على الانتقاء،لذلك يفصل المحددات الشخصية عن المدركات العامة وينتقي ما يوافق هواه،ويبرر وجهة نظره الانتقاصية،إذن فالخطاب هنا إقصائي عنصري تبريري لا يقدم حلا ولا بديلا واضحا،كما أنه غير مبدع لأنه يرتكز على نظرة أحادية فلا يحاول تجديد ذاته بمراقبة سلبياتها وترميمها،وإنما ينشغل بمراقبة نقائص الآخر،حيث لا ينتج جديدا ولا يعرض بديلا،وكل تركيزه في إنتاج لغة العداء لا غير والصور النمطية المستهلكة والتعصب للرأي الذي”يجمد المرء على فكرة وصلت إليه بطريقة ما فلا يقبل لها مناقشة،ويرفض أن ينظر في رأي آخر يعرض عليه،بل إنه قد يعجز عن استبانة الرأي الآخر وما قد يكون فيه من صواب أو خطأ.لأن عقله استغلق.فلا يتحمل جديدا ولا مزيدا”[2]

الخطاب الحواري:

هذا الخطاب يضع الذات موضع الآخر،ويعتبر أن لكل كينونة إنسانية مستقلة إيجابياتها وسلبياتها،لذلك فهو لا يكتفي بالبحث عن مسافة التقاء بل يخلقها كإمكان متحقق في حالة الغياب،ومن هنا يكون التداول سمة رئيسية تنبثق منها محددات التجاور والاشتراك،حيث تتقلص مساحات التحيز والاستعلاء ليكون الخطاب مبدعا في ارتكازه على الاحتمالية والتعدد. “والمحاور الجاد هو الذي يهتم بصاحبه،ويصغي لكلامه،ويحسن الإنصات له،حتى لا يكون في عالم منعزل عنه،وهذا ـ عادة ـ يعين على هدوء الطرفين المتحاورين ، ويتيح لهما حسن الفهم،ووضوح الرؤية،والقدرة على استكمال عرض الحجج وتركيزها،ومن ثم إتمام الحوار إلى نهايته”[3].

ورد في محاورة سقراط لأقريطون،حيث يقول:”فلا يجب،إذن،رد الظلم بالظلم،ولا فعل السوء في حق أي شخص من الناس،مهما يكن ما نعانيه على أيديهم.وانتبه،يا أقريطون،وأنت توافقني على هذا،أنك لن تخالف فكرك الحقيقي،لأنني أعلم أنهم قلة هؤلاء الذين يعتقدون في هذا والذين سيعتقدون فيه.وبين هؤلاء الذين يعتقدون فيه وأولئك الذين لا يعتقدون ليس هناك من تفاهم متبادل،وليس لهم إلا أن يتبادلوا الاحتقار نظرا إلى المواقف المختلفة التي ينتهون إليها:فانظر إذن،وبعناية كبيرة،إن كنت أيضا تشاركني فيما أذهب إليه وإن كنت معي فيما أفكر.ولنبدأ في تشاورنا من هذا:إنه ليس من الصواب على أي شكل لارتكاب الظلم ولا رد الظلم بالظلم ولا،عندما نعاني الظلم،أن نثأر بالرد بالشر”[4]. دافع الدكتور حسن الباش على الحوار بصيغته الإسلامية أو ما ينتجه العقل التداولي حينما قال:”على أية حال فنحن ـ العرب والمسلمون ـ نؤمن بالحوار مع أبناء الإنسانية كلهم من منطلق تعلمناه من قيمنا العقدية أولا،والحضارية ثانيا،ولم نكن يوما منغلقين بل إننا قد نبالغ في الدفاع عن الحوار استنادا إلى منظور قرآني إنساني يقول تعالى فيه:”يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا” ولعل معنى التعارف هنا لا يحتمل العداء والفوقية،ولا يستغل الضعيف ويشد أزر القوي والظالم”[5].

أهمية الحوار:

يتشكل العالم من عدة أطراف تتنازع من أجل البقاء ومن أجل السلطة والنفوذ،وحتى يكون هذا العالم أكثر أمنا وسلاما وجد الحوار الذي اعتبر وسيلة هامة لتقريب وجهات النظر والتخفيف من الصراعات.وليس الحوار وليد الساعة وإنما عرفته الحضارات والديانات السابقة،لذا مع ظهور الإسلام قرب الرسول صلى الله عليه وسلم بين الآراء،وذلك في حواراته المختلفة مع المشركين واليهود والنصارى،وحتى مع أصحابه في محاولة تعليمهم وتأديبهم.وقد حوى القرآن الكريم والسنة النبوية على نماذج مختلفة من حواراته صلى الله عليه وسلم،إضافة إلى حوار الله عز وجل مع الرسل والأنبياء،وحوار الأنبياء مع الكفار…،ومن هنا اتضح أن القرآن لم يلغ الحوار مع الآخر،وإنما دعا إلى إقناعه بالحجة والدليل،مع الإنصات إليه في احترام ثم الرد عليه بشكل موضوعي.

إذن اكتسب الحوار أهمية بالغة من خلال حفاظه على الوجود الإنساني،وتشجيعه على التفاهم والتواصل والعيش في سلام،وأيضا من خلال تعديل النظرة التي كانت تجد في الآخر رمزا للخطر.

يقول فريديرك نيتشه في كتابه”أفول الأصنام”:”قل كلمتك وتحطم،فالطريق وعر،ولكن لا مفر من تجاوزه والعلو عليه،والانتصار على المصير”[6]،حتى تتحرر الذات من عقدة الاستثناء لابد من خلق حوار فاعل بينهما قائم على احترام الاختلاف الموضعي في المجتمع ،وهذا يضفي إلى احتفاظ كل طرف بدوره دونما مغالاة في الإقصاء والتهميش ،إضافة إلى اعتماد المراجعة التي مؤداها”أن لا نثق كثيرا بما نطرحه أو ندعيه ،وأن نغير رؤيتنا إلى الأدوات المفهومية والقوالب العقلية،بحيث لا يجري التعامل معها كأقانيم مقدسة أو جواهر محضة أو حقائق متعالية على الأحداث والتجارب واللغات والمؤسسات والأهواء والمصالح”[7]،إن المراجعة الآنية وخاصة مع هذه التوترات الحاصلة تضفي إلى نوع من التدارك حيث ينظر إلى جميع المنتجات اللغوية على أنها سلطة رمزية تمارس التمويه والتضليل ،لذا لابد من التحرر منها من أجل خلق وعي جديد بالحرية ومن أجل الحرية وحدها،هذه الحرية هي ما تتأسس على الحوار وتكون بالتخلص من كل سلطة مقيدة بنقد كل الخطابات بما فيها خطاب الحرية بحد ذاته ،أي ما يسميه علي حرب”النقد المفهومي” ،وهذا الأمر”لا يقوم به من يفكر أو يعمل بعقل ديني أو قومي،اصطفائي أو فاشي،ولا بعقل إيديولوجي نخبوي أو مركزي،ومن باب أولى أن لا يقوم به من يفكر أو يعمل بمنطق الاحتكار والمصادرة أو الاستئثار للهيمنة،سواء تعلق الأمر بالثورة أو المعرفة أو السلطة”[8]،و ينجح في القيام به من يسميه علي حرب النموذج الفاعل أو العقل النقدي كما يحدده مفكرو مدرسة فرانكفورت ،والذي هو”قادر على تجاوز الذات الضيقة والإجراءات والتفاصيل المباشرة والحاضر والأمر الواقع،ولذا يمكن تسمية العقل النقدي بـ العقل المتجاوز.ولذا فهو لا يذعن لما هو قائم ويتقبله،وإنما يمكنه القيام بجهد نقدي تجاه الأفكار والممارسات والعلاقات السائدة والبحث في جذور الأشياء وأصولها وفي المصالح الكامنة وراءها والمعارف المرتبطة بهذه المصالح”[9]،ومن هنا تصبح الحرية إمكانا متحققا حيث تظهر تجلياتها المختلفة إن على مستوى الفكر أوعلى مستوى الواقع أو على مستوى العلاقة بالمختلف ،أو حتى على مستوى الذات في حد ذاتها

إحالات

علي حرب:تواطؤ الأضداد.منشورات الاختلاف/الدار العربية للعلوم ناشرون.الجزائر/بيروت،ط1،2008.ص14.[1]

.محمد الغزالي:الحق المر،دار الشهاب،الجزائر.ص108.[2]

.أحمد بن عبد الرحمن الصويان:الحوار أصوله المنهجية وآدابه السلوكية، دار الوطن،الرياض،ط1،1413هـ.ص108.[3]

.أفلاطون:محاكمة سقراط،ترجمة:عزت قرني،دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع القاهرة، ط2 2001 .ص159.[4]

. حسن الباش:صدام الحضارات،دار قتيبة للطباعة والنشر والتوزيع،دمشق/بيروت ،ط1 ،2002.ص23. [5]

.انظر:صفاء عبد السلام علي جعفر:محاولة جديدة لقراءة فريديريش نيتشه.دار المعرفة الجامعية،دت ،2001.ص280.[6]

.علي حرب:تواطؤ الأضداد.ص59.[7]

.علي حرب:تواطؤ الأضداد.ص144.[8]

.عبد الوهاب المسيري:الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان.دار الفكر المعاصر/دار الفكر،بيروت/دمشق،ط1،2002.ص94


. * ناقدة وأكاديمية ورئيسة تحرير مجلة جيل للدراسات الأدبية والفكرية 

اترك تعليقا