حوار النصوص في رواية “كوكب العذاب ” للروائية الجزائرية شهرزاد زاغز/ د. فريدة إبراهيم*
بواسطة admin بتاريخ 16 أغسطس, 2019 في 08:26 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 151.

تعتبر رواية “كوكب العذاب”، الرواية الثانية للكاتبة شهرزاد زاغز، بعد روايتها الأولى “بيت من جماجم” التي ركّزت فيها على ثيمة القتل والخراب الذي حلّ بالبلاد في فترة العشرية السوداء. وصدرت “كوكب العذاب” في طبعتها الأولى2017، عن دار علي بن زيد للطباعة والنشر،الجزائر. جاءت الرواية في مئة وسبع عشرة صفحة، وتناولت بعض الظواهر الاجتماعية، إذ حاولت الكاتبة أن تسبر أغوار المجتمع وتكشف مشكلاته، خاصة ما تعلق منها بمشاكل المرأة التي ما تزال تعاني في مجتمع يدينها في كل حالاتها، ويستغل ضعفها؛ فنساء بلدة “عطفان” “منبوذات” فقط لأنهن مطلقات، لذلك انعزلن في مملكة خاصة بهن وشرّعن القوانين التي تسيّر حياتهن بعيدا عن عالم الرجال، كما يًمتهن جسد المرأة الفقيرة وتستغل من أجل أن يوفر لها صاحب الفندق الأكل والمأوى…وغير ذلك من النماذج الواردة في الرواية، والتي تفضح زيف هذا المجتمع الذي ما زال يعامل المرأة بطريقة غير عادلة. تطرقت الرواية أيضا إلى ثيمة الحرية، كما حدث مع بطل الرواية “بورحلة بن الصادق” الذي خيّر بين السجن في المملكة مع توفير جميع متع الحياة، وبين حريته.
تنقسم رواية “كوكب العذاب” إلى عدّة فصول معنونة بعناوين تكشف متن كل قصة. يقدم السارد في كل فصل قصّة جديدة، تختلف بعض هذه القصص زمانيا ومكانيا عن القصة التي تسبقها، لذلك يمكن القول، إن النص الروائي في مجمله هو أقرب إلى المتوالية القصصية منه للرواية، يجمع بين هذه القصص البطل والسارد في الوقت نفسه، وهو الممسك بزمام السرد، يحكي قصّته الخاصة مع حبيبته “رملية” التي تركته، وفي رحلة البحث عنها تقابله العديد من القصص التي تبدو في البداية جانبية، لكنها سرعان ما تصبح هي جوهر النص الروائي

.
حوار النصوص وتفاعلها
حاولت كاتبة “كوكب العذاب” أن تنقلنا عبر فضائها السردي، إلى عوالم “ألف ليلة وليلة”من خلال حوار النصوص وتفاعلها، عبر ما يسمى”بالتعلّق النصي” الذي يتم بين نص سابق ونص لاحق، عن طريق المشابهة والاختلاف والتحريف على مستوى بنية النص وعلى مستوى حضور بعض الشخصيات. فمن خلال استلهام البنيات الفنية للحكايات باعتبارها مرجعية نموذجية، حاولت الكاتبة الاعتماد على ما يسمى بالحكاية الإطارية التي تتوالد عنها حكايات كثيرة، وتتضمن الحكاية الإطارية قصة البحث عن “رملية” حبيبة السارد، حيث تشكل هذه القصة جوهر السرد، منها انطلق السرد لكنه لم ينته عندها؛ إذ تخلى السارد فجأة، عن حبيبته وعن فكرة البحث عنها دون مبرر مقنع، ما أدى إلى حدوث بتر في الترابط الدرامي للأحداث وتواليها، ونموها باتجاه إيجاد حل ملائم لما بدا في مستهل الرواية ووسطها أنه العقدة(نقصد فكرة البحث عن الحبيبة المختفية)، وهو ما أثر على البناء الفني للرواية. وبتخلي السارد عن حبيبته، يدخل عوالم أخرى، منها عالم النساء المطلقات في مملكة الفراش، حيث استقبلنه ووفرن له حياة كريمة، يستمتع فيها بما لذّ وطاب.
أما على مستوى حضور بعض شخصيات “ألف ليلة وليلة”، نرصد محاولة استلهام ملامح شخصية “شهريار” في قول البطل “بورحلة”:”حسبت نفسي الملك الفارسي شهريار”، غير أن وظيفة شهريار في الرواية، تختلف عن وظيفته في “ألف ليلة وليلة”؛ إذ يأخذ زمام السرد باعتباره ساردا للقصص عوضا عن شهرزاد، وذلك تلبية لرغبة”الشامخة” زعيمة مملكة الفراش،”تعال يا بورحلة قاسمنا الجلسة، واحك لنا ما تعرف من حكايات”، وكأننا أمام عملية تحريف للتاريخ السردي المألوف؛ حيث تكون المرأة هي التي تسلّي الرجل بحكاياتها التي لا تنتهي، بينما هنا، تأتي المرأة لتشغل وظيفة المروي لها والرجل هو الراوي،”أنت عليك بالحكاية ونحن علينا بالانصات، سوف نستمع إلى حكاياتك حتى الصباح، فلا شيء وراءنا”. كما نرصد التفاعل النصي بين النص اللاحق والنص السابق، على مستوى مضمون القصص، وبصورة محرّفة أيضا، حيث تقرر حاكمة مملكة الفراش قتل “بورحلة” بطل الرواية وساردها الذي دست له السم في الأكل مثل كل الرّجال الذين تعاقبوا على المملكة، وكأنّها تريد الانتقام لكل النساء اللواتي قتلهن شهريار انتقاما منهن على خيانة زوجته، أو ربما تحاول الثأر من المجتمع، بسبب نبذه للمطلقة وإساءة معاملتها
بالإضافة إلى ما سبق، حاور النص الروائي العديد من النصوص التاريخية والفلسفية والدينية والأدبية… التي استحضرتها الكاتبة، واستغلت طاقاتها الإبداعية التي تحقق للنص الروائي دلالاته وشكله الجمالي. تجدر الإشارة هنا، إلى أن الكاتبة اعتمدت في سردها على لغة مكثفة، محمّلة بالمعاني والصور المجازية، وهي التي منحت للسرد تميزه.
أخيرا، يمكن القول، إن رواية “كوكب العذاب”، محاولة للانتصار لقضايا المرأة المعذبة، وإدانة غير مباشرة للقهر الاجتماعي ضد المرأة.

/

* ناقدة وروائية من الجزائر 

 

اترك تعليقا