الشعر بين حدود الإفصاح وتمثل المرجعيات / د غزلان هاشمي *
بواسطة admin بتاريخ 12 أكتوبر, 2019 في 04:33 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 172.

تتحدد رسالة الشعر بالنظر إلى سياقاته المفروضة،فمنذ القديم كان النص الشعري تعبيرا عن هاجس ذاتي،مهما اختلفت وتعددت محفزاته،ومن هنا يطرح سؤال المرجعيات بوصفه

محدد لهوية الشعر ومحرك فاعل في بلورة اتجاهاته ووظائفه استطاع الشعر قديما أن يتجاوز حدود الذاتية،وإن بقت متوارية خلف انتماءات متعددة،لتعبر تشكيلاته اللغوية وعوالمه المختلقة عن انتماء خارجي يمتثل لظروفه وللحظاته الراهنة،فالشاعر هو صوت القبيلة ولسانها والمعبر عن حالها،لذا تتحدد أهميته بمدى تمثله لوجوده الاجتماعي،وفي هذا تعبير عن وعي داخلي بمدى فاعلية الشعر ودوره في عملية التأثير،إذ هو يمتثل للمرجعيات ويعيد صياغتها من جديد،ليقدم رؤية وتصورا للوجود،وحتى وإن كنا نجد نماذج حاولت الخروج عن النمطية المفروضة والنمذجة المسبقة ،لتقدم تصورا مغايرا أو مفهوما مناقضا لسلطة القبيلة،فهذا لا يعني أن الشعر هنا أسس حضوره بإحداث قطيعة مع منطق الرسالة،حيث تأخذ الأخيرة بعدا آخر ومفهوما مختلفا،فيغدو الشاعر معبرا عن رسالته الشخصية التي تعكس رؤية ثورية رافضة للواقع المعاش ومنتهكة لكل القيم السائدة،في محاولة لخرق القيمية المتوارثة واستبدالها بقيمية جديدة تحتفي بالحرية

وتسير بشكل مناقض لما تفرضه السلطة تحولت رسالة الشعر مع ظهور الإسلام لتكتسي بعدا دينيا،وبقي هذا البعد مهيمنا حتى لازمت الرسالة أبعاد أخرى اجتماعية وسياسية وثقافية في العصر الإسلامي الوسيط،وتلمسنا الأبعاد ذاتها في الشعر العربي المعاصر،إذ أصبح الاهتمام بمختلف القضايا السياسية والاجتماعية ماثلا فيه،مما يطرح مفهوم الالتزام بوصفه مفسرا للأبعاد المختلفة التي تأخذ تجلياتها في الخطاب الشعري ،الشاعر صار أكثر وعيا بقضاياه المعاصرة،ومن ثمة أعاد صياغة موقفه الأيديولوجي شعريا ،في محاولة لطرح وعي جديد بعيد عن كل القيود ،وذلك بالهروب إلى تمثيلات خطابية محايثة

لعالم الواقع مثل الأسطورة أو الرمز أو القناع. لعالم الواقع مثل الأسطورة أو الرمز أو القناع.إذن تغيرت مهمة الشاعر من تقديمه الولاء التام للقبيلة إلى محرك ومغير وصائغ للهوية،بعد أن كانت الهوية هي التي تقوم بصياغة نصه الشعري، ومن ثمة بدأ التحرر من المنظومات الفكرية المتوارثة والمرجعيات المختلفة،واستبدالها بمفهوم التجاوز لكل تشكيل نمطي أو نمذجة تتعالى عن وجوه التغيير ولا تعترف به،فالشاعر صار أكثر انخراطا وتجاوبا مع واقعه ،وإن بدا غير ذلك لاختلاقه العوالم الموازية التي تعتمد

المواربة والتلميح وتبتعد عن حدود الإفصاح.ومع ظهور الشعر الحداثي صار التركيز حول إعادة الاعتبار للعوالم المهمشة،تم خلخلة المكانة المركزية للشعر بعد ظهور أنواع أخرى نافسته،ومن هنا كان على الشعر أن يعيد صياغة هويته من جديد بأشكال أكثر جدة واستجابة لنمط العيش واختلافاته المتعددة.يقول نزار قباني في تعريفه للشعر:”الشعر في تصوري مخطط ثوري يصنعه وينفذه إنسان غاضب ويريد من ورائه تغيير صورة

الكون،ولاقيمة لشعر لا يحدث ارتجاجا في قشرة الكرة الأرضية”. الكون،ولاقيمة لشعر لا يحدث ارتجاجا في قشرة الكرة الأرضية”.ولنا بهذا الصدد أن نمثل بشعراء المقاومة الفلسطينية بوصفهم نموذجا مثل التزاما حقيقيا بحركية الواقع وتغيراته واهتم برسالة

الشعر. الشعرانشغل شعراء المقاومة الفلسطينية بهاجس الاعتراف،إذ هم في نضالهم ضد وضع هامشي من أجل إعادة التوازن لواقع سمته الاختلال ،والبحث عن حضور أنكرته الهيمنة ومركزية الآخر،لذا قدم هؤلاء وعيا جديدا حاولوا من خلاله تفكيك الواقع مع الاستجابة لتحولاته.أرادت الكتابة الشعرية الفلسطينية القضاء على حالة التهميش من خلال إنتاج نصوص تحتفي بسؤال التاريخ حول الأحقية في الأرض،وحول تلك التواريخ المنسية التي تمثلت الجرح العربي بكل مستوياته.كان الكون الشعري لشعراء المقاومة معبرا عن حالة السخط ،وفي نفس الوقت عن حالة من الأمل في التغيير.يقول محمود درويش:”هل أتساءل مرة أخرى إن كان الوطن مازال في حاجة إلى براهين شعرية،وإن كان الشعر مازال في حاجة إلى براهين وطنية؟،إن علاقة الشعر بالوطن لا تتحدد بإغراق الشعر بالشعارات والخارطة والرايات .إنها علاقة عضوية لا تحتاج إلى برهان يومي،فهي سليقة ووعي وإرادة.ميراث واختيار معطى ومبدع….”.ونحن نقول في الأخير كل مرجعية تدعم الخطاب تجد تجلياتها فيه،لذا لا يمكننا الحديث عن خطاب شعري مستقل عن مرجعيته حيث يغدو الشعر تمثلا للوجود الواقعي،ومن ثمة يعيد صياغته لغويا.وكما يقول مالك بن نبي:”وكل كلمة لا تحمل جنين نشاط معين فهي كلمة فارغة كلمة ميتة”.

 

/

 

 

 

* ناقدة وأكاديمية من الجزائر 

 

اترك تعليقا