الحراك يتطلع إلى السرد / د داود محمد *
بواسطة admin بتاريخ 2 يناير, 2020 في 07:22 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 213.

قبل الحديث عن مصطلح ” الأدب الاستعجالي” المثير للجدل، لا بد من الإشارة إلى أن الكتابة الأدبية قد تسبق الأحداث الجسيمة من حراك اجتماعي و سياسي و انتفاضات أو ثورات شعبية و حروب أهلية، التي تنذر بالقطيعة مع المراحل السابقة و تؤسس لمراحل جديدة، و قد يرافقها القلم في رحلته المستمرة مع الكلمات و في مغامراته الطويلة مع العلامات و الرموز و الدلالات، و قد تأتي الكتابة بعد تحقيق و إنجاز تلك الأهداف المرجوة من تلك التفاعلات العميقة داخل المجتمعات .

فوظيفة الأدب، و في الكثير من الأحيان والحالات تبرز من خلال مصاحبة و مواكبة تلك التحولات الاجتماعية الغائرة والاضطرابات العظمى. فمثلا نجد رواية “الحريق” لصاحبها محمد ديب قد صدرت بضعة أشهر قبل اندلاع الثورة التحريرية، لتعلن و بنوع من الحدس المسبق، عن هذه الهبَّة الشعبية القوية التي قطعت دابر الهيمنة الاستعمارية. وعن “الأدب الاستعجالي” لا بد من التذكير بالأوضاع المؤلمة التي عاشتها الجزائر و المعاناة القاسية التي مر بها الشعب الجزائري في مرحلة التسعينيات .

 فقد جاءت الكتابة الأدبية في تلك الظروف العصيبة للإدلاء بالشهادة حول ما قاساه الجزائريون بمختلف فئاتهم الاجتماعية و أوضاعهم القانونية والمهنية، فهذا النوع من الكتابة يدلي فيها الأديب بشهادته عن وضع ما “بشكل استعجالي” مما يمنحها طابع “الكتابة الفورية” التي تلازم الأحداث و الوقائع و تصاحبها بنوع من التوازي، مما قد يفقدها العمق الفكري و المعرفي بالأحداث و يضعف متانتها اللغوية وبنياتها الفنية .

هكذا كان الأمر بالنسبة للكثير من الأعمال التي ظهرت في تلك الفترة التي سميت تسعفا ب”الأدب الاستعجالي” في تلك الفترة بباريس من قبل الصحافة الفرنسية وبخاصة مجلة (الجيري، ليتيراتور، أكسيون) أي:”الجزائر، الأدب و العمل” التي أشرفت عليها “ماري فيرول” وعيسى خلادي و التي كانت تنشر نصوصا أدبية للمؤلفين الجزائريين باللغة الفرنسية أصلا أو مترجمة من اللغة العربية إلى اللغة الفرنسية .

و هي عبارة عن صرخة في وجه القتل الهمجي و تنديد أدبي به، لكن هذا لا يعني غياب تام لنصوص كبيرة لأدباء معروفين في الساحة أو لبعض ممن اقتحموا بمناسبة هذه المأساة حقل التأليف. و لعل تجربة محمد مولسهول المعروف بياسمينة خضراء و الذي كتب كثيرا عن مآسي الإرهاب و خلفياته النفسية والثقافية جديرة بالاحترام على المستوى الفني والموضوعاتي إلى جانب أدباء كتبوا باللغة العربية من أمثال الطاهر وطار و الأعرج واسيني و حميد عبد القادر و بشير مفتي وغيرهم و رافقوا تلك المرحلة الدامية .

 إذا ليس عيبا أن يكتب الأدباء عن الوقائع و الأحداث و هي تتفاعل في اللحظة و في الراهن، و ليس عيبا أن يكتب الأدباء عنها بعد انقضائها، لأن العبرة ليست بالزمن و إنما العبرة بالمستوى الفني الذي ترقى إليه تلك النصوص السردية، و بالصدى الذي تحققه لدى القراء و بالحفاوة التي تلقاها لدى الإعلام و لدى المؤسسات الثقافية المختلفة .

فالحراك الشعبي الذي تعرفه الجزائر منذ 22 فبراير، بعفويته و بسلميته إصراره على مطالبه في التغيير السياسي و في طموحاته للقضاء على الفساد و المفسدين داخل مؤسسات الدولة و على جميع المستويات واستماتته في الدفاع عن مشروعيته السياسية قد أفرز العديد من الصور الملحمية و من الشخصيات، من مختلف الفئات الشعبية و من مختلف الأعمار بمعيشها اليومي و بتفاعلها كل جمعة مع المحتجين، قد تمثل رموزا قوية و شخصيات فنية تنتظر من يؤلف حولها نصوصا سردية قوية فنيا و موضوعاتيا، فالحراك الذي يغيب عنه الأدب في هذه اللحظات ينتظر و بشغف كبير من يسرد تفاصيله في روايات ملحمية قوية.

/

* ناقد وأكاديمي من الجزائر

اترك تعليقا