في النص السردي والعمق البنيوي التركيبي واللفظي..قراءة تحليلية في نص الكاتبة احلام الأحمدي ( بهت الليل ) / زياد الحمداني *
بواسطة admin بتاريخ 2 يناير, 2020 في 07:04 مساء | مصنفة في أخبار ثقافية, حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 166.


النص 

( بهتَ الليل .. عندما صرعته قتيلاً في اختياراتي ..
تألم جشعاً .. وتألمت منه ولعاً ..!
فشكل الحب ّ في وريدي ، يشبه الغزال .. يقفز فوق الرمال ، كالعنقاء ، ويعود اليها وقد خلّف اثراً ..
بهتَ الليل ، عندما احتضنته ساكنةً ، انثر عليه قطعاً من النهار ِ فيثور عليّ غضباً .. ولعاً , وحناناً كأنه النار ..!
فشكل القُبل على وسائدي ، يشبه الضوء ، لا تراه العيون القانتة والناسكة في مراتع اللّذة والحياة ..
تلك القبل ، يحسّها المستبصرون بنواميس السماء ..
من يعرفون مواقع النجوم التي تمسك احلامنا قبل النوم ، وقبل التمنّي ، وبعد ترك قمصاننا على اسرّة الليالي الاولى ..!!
قضيّتي ، انني ارتبك من الغزل ، اخاله قناعا ، يريد ترويع دهشتي الاولى ، يحاول بيع قصائدي للجرائد الصفراء ويصوّر تقاليدي بعرّافٍ مسكونٍ بالعفاريت ..
قضيّتي ، انني انجرف كبيت هجاءٍ ، ادوّن معاركي ، وابعث رسائل لا تعرف حلّاً ، ولا فكّاً ، ولا تشفير ..!!
حرفٌ بغير دعاء السماء ..
بهتَ الليل ، عندما قررت دمج الشروق مع الضحى والغروب …
وقبلة لقاء ..

القراءة

نصٌّ اقتحم فن السرد كجنسٍ من اجناس الادب الاقرب للقصة منه للشعر في العقود المنصرمة آخذاً في التطور والتشكّل حتى اصبح شكلاً من اشكال القصيدة النثرية التي تعتمد الكثافة البلاغية واللفظية وتوظيف عنصري الترميز والمجاز اضافة للاستعارات والتشبيه والتضمين والايماءات الدلالية والاشاراتية العميقة .
فالكتابة طاقة روحية تعبيرية توظف الالفاظ اللغوية والكثافة البلاغية والبديعية كأدوات تتناسب مع روح ومغزى النص واثره وقدرة الكاتب السارد على اظهار قوة النص بابعاده الاحترافية المعبّرة عن روح وحسّ الكاتب وقدراته على اجترار القارئ او المتلقي او المخاطَب بقوة ابداعية وجدانية وروحية وإحداث التأثير الفكري والنفسي والحسّي في اعماق القارئ بأسلوب مسترسل ٍ جزل وهو الاسلوب الاصعب من اساليب السرد ..
وفي نصّ الكاتبة ( احلام الاحمدي ) التي وظّفت الاسلوب الاصعب ( الجزل) متخذة ً ( اشكال السرد ) المتسلسلة ، والمتقطّعة ، والمتناوبة في آنٍ واحد ضمن اطوار انتقالاتها بكثافة بلاغية ووجدانية عميقة ، وموظّفةً مقومات تشكيل النص ( الزمكانية كحافز تأثير وتشويق عميق ) و ( الالفاظ والتركيبة البنيوية ) و ( تنوع الصور المشهدية الانتقالية الوجدانية والروحية ) و ( الحرفنة في استخدام الافعال المتناغمة مع المحور ( الزمن ) .
استهلّت الكاتبة نصّها ب ( بهتَ الليل ) محور الزمن ـ ونقطة الصراع ، مضيفة اليه الحس الانساني والانسنة في قولها : ( صرعته قتيلا في اختياراتي .. تألم جشعا ……) الفعل الماضي ، والزمن المستمر .. ثمّ ( بهت الليل ، عندما احتضنته ساكنة ….) و ( انثر عليه قطعاً من النهار …) .
يتضح من خلال ما وظّفته الكاتبة من اشكالٍ استعارية تجريدية روحية عميقة الترميز والمجاز الدلالات متعمّقة في انسنة المحور الزماني في شكل صراعٍ محتدم في خلجات النفس من خلال استخدام الفعل الماضي واستمراريته ( بهت ــ تألم ) ثم ( احتضنته ) ( يثور غضبا .. ولعا ).
الليل والنهار ، عنصري الزمان والمفترق ..
الليل ( الالم ، الذكريات ، الافكار ، الهواجس ، المخاوف ، ومكنونات الصدر ..) الثقيلة الوطأة ، استعارات لفظية زمانية حسّية عميقة ، وكأن الليل سيلٍ منهمر يقضّ المضاجع ، ويبدأ الصراع المحتدم بين ما يعتمل في النفس وقوة الارادة ( بهت الليل ، عندما صرعته قتيلا في اختياراتي ..) ارادة وايمان مطلق وربما حتمية البقاء والصبر والكبرياء ، لتسترسل في قولها ( تألم جشعا وتألمت منه ولعاً ) كأنها تنفست الصعداء في موقف الصراع بين النقيضين .. بين الغريزة والضمير .. وهذا ما استرسلته في قولها ( فشكلُ الحبّ في وريدي يشبه الغزال .. يقفز فوق الرمال ، كالعنقاء ويعود اليها وقد خلّف اثراً ..)
انتقالة وجدانية روحية عميقة الترميز والمجاز والبعد البنيوي والدلالي لفظاً وتركيباً ( الحبّ في وريدي ) ( الغزال ــ العنقاء ــ الاثر ..) فالبعد الترميزي في ( الحب في وريدي ) هو النبض الحيّ ( الغزال ) الخافق بقوة المحلّق ( كالعنقاء ) صورة تجريدية انتقالية تضيء الجانب الزماني المظلم ( الليل ) وهنا نقف على عتبة قفلة ووقفة الفقرة ( وقد خلّف اثراً ) ..
هذه الجدلية التي احتلّت حيّزاً واسعا عند ( البنيويين ) عن ( الاثر والنص ) فالاثر ياخذ حيّزا محدودا داخل النص وبنيته الاشاراتية ، اما ما يضفيه النصّ فهو الامتداد الاوسع لما يريد الكاتب اظهاره سرداً ليظلّ النص الابداعي في اعلى مرتكزات الكاتب الاريب ..
وعودة الى وجدانية الكاتب وحسّه ومشاعره في نصه السردي وما يستشعره ويشير اليه ترميزا ومجازا يظهر جليّاً للقارئ الحذق المتعمق في قولها ( شكل القُبل على وسائدي يشبه الضوء ، لا تراه العيون القانتة والناسكة في مراتع اللذّة والحياة ) .. اشارات ترميزية روحية اقرب الى التنسّك الصوفيّ والصفاء الروحي الحسّي المشبّع بالايمان ، المتنزّه عن سفاسف الحياة وموجوداتها المادية وهذا ما يظهر في قولها ( تلك القبل يحسّها المستبصرون بنواميس السماء .. من يعرفون مواقع النجوم التي تمسك احلامنا قبل النوم ) ..
( قبل التمنّي ) ( بعد ترك قمصاننا على اسرّة الليالي الاولى )
استخدمت الكاتبة في هذه الفقرات والجمل التركيبية صورا تجريدية اعتمدت روابط اشارتية وحسّية ( تلك .. تمسك .. بعد ترك ..) اذ قامت بحبكها ومزجها وشبكها بتناغم وتناسق لفظي زمانيّ حسّي عذب عميق الاشارة والدلالة وعودة لمطلع النص ( بهت الليل ) و ( الليالي الاولى ) مع اختلاف الحال في الزمنين بين الوجع والقهر والصراع في الاولى وبين السكينة والصفاء والشعور الدافق بالامان في الثانية ..
لتبدأ البوح والاعلان والتصريح عن خلجات النفس ومكنون الصدر شعوراً ومخاوفا وهواجسا مكتومة مسكوتٌ عنها في قولها ( قضيّتي ، انني ارتبك ……..) صراع يكمن خلف اسوار الخوف والرهبة من كلّ زائفٍ ومبتذل يحاول تشويه المُثل العليا والقيم السامية والصفاء الروحي ، هذا الصراع الرهيب يتجلّى في قولها ( انني انجرف كبيتِ هجاءٍ ، ادوّن معاركي .. ابعث رسائل لا تعرف حلّاً ، ولا فكّاً ، ولا تشفير ) .. صراع مستديم يعود بنا الى مطلع النص ( بهت الليل ، عندما صرعته في اختياراتي ..)
لتنتقل الى قفلةٍ غاية الابداع والعمق والبلاغة بتوظيف الفاظٍ زمانيةٍ استعاريةٍ بديلة عن ( الليل والنهار ) وهي ( الشروق ــ الضحى ــ الغروب ..) دلالات ترميزية تصويرية تشير للوضوح والثبات ، وهي الفاظ زمانية استعارية بديلة لتقفل بـ ( وقبلة لقاء …) تصوير عميق المغزى بعيد الاشارة والدلالة ( الامل ) وانتصار النفس في موقف الصراع الازلي بين الانسان ومفترقات الاختيار والقرار …
نصٌ ابداعي وجداني حسّيّ رهيف ، عذب النفحات ، رقيق الحرف بديعه ..

/

* شاعر وناقد من العراق

اترك تعليقا