“ديوانهن ” مختارات من الشعر النسوي العربي المعاصر/ د علاوة كوسة *
بواسطة admin بتاريخ 2 يناير, 2020 في 07:16 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 220.

هُنّ اللّواتي منحْن آدمَ جنانا بديلة، ونفخْن فيها من ذواتهنّ، وبثثْن في بَنِيه من أرواحهنّ الملائكيةِ إذْ استرقْن النبوءاتِ مِن “عبقر” الشِّعر، وهزمْن شياطينَه، وروّضنَ مابين السّموات والأرضِ مِن شهب تملأ الغاوين توْقا إلى عوالمهن الشِّعرية الساحرة،هنّ من جعل من الشِّعر الأخضر نارا شعريةً تقول: هل من مزيد بلاغيٍّ رهيب!وهل من مَعين جماليٍّ مهَيب،وهل من كوْنٍ دلاليٍّ خصيب؟،ليملأْنَه بما امتلأن به من ذوات إنسانية خارقة، تكسر بروجَ العاديّ الزجاجيةَ وتتجاوز عتباتِ النمطيٍّ الهشة، وجعلْن من خيام الخليل بيوتا لهنّ ،يقفن عند ثنياتها عارضاتٍ لأزياء لغوية لايعوِّل الأفقُ القرائيُّ إلا عليها، إذ تتأنّث فتتناسل الرؤى ،فيباهي بها المنتجُ الأدبُّي أمما أدبيةً أخرى في قيامتهنّ الإبداعية المشهودة، هنّ الغاوياتُ حين يُخرجن من أغواهن إلى رحاب أوسع، ويَصرْن ربّاتٍ للشِّعر، وحولهنّ من الغاوين الكثير،هنّ من يَسكنّ اللغةَ حتى يتمكنّ،وحين تتمكّن منهنّ يُسكنّ قراءَهنّ بوادٍ من الدهشة غيرِ ذي يقين،بما يزرعنَه في نصوصهنّ من شكّ قرائيّ وَلود،وظنونٍ تأويليةٍ مربكة،هنّ الطويلاتُ أنفاسا،والقصيراتُ مدّا لحبال المعاني التي تظل تَسكن ترائبهَن الشّعرية،مترصدةً شهبَ الذات الشاعرة الآدميةِ الولهانة،وهي تنادي:هل من مزيد؟،هنّ اللواتي أسلْن دموعَ العشّاق وحبرَ الشعراء وماءَ السموات والأرض، وهي تجري من تحت رموشهنّ الشعرية أنهارا غزليةً، خالداتٍ في لغاتها اللمّاحة الحادةِ حدَّ الفناء ،هنّ اللواتي_ إذْ كتبن_ انكتبنَ نصوصا موغلةً في وهم الأنوثة اليقينيِّ الممتع ،محلقةً في عوالم الأخر المنتَظَر،منفتحة ًعلى تجارب السابقين والمسبوقين،متعمقةً في أسئلة وجودية رهيبة، تتنازع أرواحهَن الشاعرة.
هنّ الشاعراتُ العربياتُ المعاصرات، اللائي افتككنَ ألويةَ الشِّعر بجوازات شعورية فَتحتْ أمامَهنّ حدودَ البوح،متحديةً جغرافيا الكتابات التقليدية،متجاوزةً تاريخَ النصوص التي نُصّبت أنماطا مثالية يُقتدى بأشكالها ويُهتدى بمضامينها،هنّ الشّاعرات اللواتي شققْن دروبَهن الإبداعيةَ بزادٍ شعريٍّ كبير،قوامُه الحمولاتُ الفنيةُ التي خفّ رسمُها وثقل وسمُها،والالتفاتُ الواعي لفسيفساء تراثية تسرّ القراءَ، وتثبّت الذاتَ الشّاعرةَ عند السّؤال النقديّ المعاصرِ لمفهوم الشّعر ،في زمن تغيّر فيه إيقاع العصر، ونبضُ الكون ،وليس للشّاعر من خارطة طريق شِعريٍّ في هاته اللجج سوى رؤاه وهو الأوحد _بعد الله_ مَن يعيد تشكيلَ الكون كمايريد،وهل كان حقيقا بهنّ أن يكنّ ألهةً يحسنّ صياغةَ الأكوان وهنّ لسْن بناقصات زادٍ شعري ؟
إنّ الاقترابَ من عوالم الكتابة الشّعرية النسوية العربية مغامرة ٌمجنونةٌ لاتنبغي إلا لباحث يكون_ إذْ يغامر _ في كامل قواه القرائيةِ والنقدية،متحسّسا أدواتِهن في الكتابة،متجسّسا على خصوصيات نصوصهن،مسترقا السمعَ لمقولاتهن الشّعريةِ ،ولسْن بناطقات عن الهوى،إن هنّ إلا نبيات يوحى إليهنّ من وراء حُجُب تكشف خزائنَهن القرائية والبحثية للسابقين، على اختلاف مستويات قراءتهن للموروث ، وزوايا مقاربته،واستلهامِه فصياغتِه،وهو مايجعل تجاربهنّ مختلفةَ الألوان الفنية،والموضوعاتية، متباينةً صياغةً وتأثيثا.
لقد اجتهدتُ في كتابي هذا، لكي تكون النماذجُ الشّعريةُ المنتقاةُ مسْحا شعريا قيمّا وعاكسا لمستوى الشعرية النسوية العربية المعاصرة،محتسبا التوزيعَ الجغرافيَّ العادل،وقد اخترت_مااستطعت_ اسْمين شعريين نسويين من كل دولة عربية،رغم أنّ الوصولَ إلى بعض النماذج من بعض الدول العربية كان أشبهَ بالبحث عن كنزٍ في كوكب بعيد(لحاجة في أنفسالشاعرات وعقلياتهن المعاصرة المدهشة)،وعملتُ على أن تكون الأسماءُ الشعريةُ المختارةُ من خيرة من يمثل شعرية بلدانهن ،وماينبغي ذلك لي ولهم من خلال عمل واحد،كما أنني لم أَدخل رحلةَ الانتقاء والاختيار بسوابقَ إيقاعيةٍ تُفضّل نمطا شعريا في الكتابة على آخر،فلا فضل لنصّ على آخر إلا بمنسوب الشعرية المتدفقة بين تعابيرهنّ المختلف ألوانها،في تقديرِ متذوقٍ شاعرٍ، حاول أن يقترب بحسّ قرائيّ كبير ،حتى لايظلم الذوات الشاعرة، ولا الذوات القارئة،لذا تضمّن هذا العمل نصوصا انْبنت على مقاسات خليلية ،عانقت العموديَّ باقتدار و تحرّرت مع التفعيليّ بعمق،وتضمّن العملُ نصوصا نُسجت على قوالبَ نثريةٍ بكل ما أوتيتْ من مقدرة على تعويض الفقد الإيقاعيِّ الخليليِّ بفائض من الإيقاع الدّاخلي المنسكبِ موسيقى من الصور والتشكيل اللغوي المختلف ،محدّثةً إيانا بأنّ للقصيدة النثرية مقولاتهِا ،حين تجد صاحباتُها بدائلَ فنيةً تلغي الفارقَ بين العموديّ من الشعر وبين النثري منه،كما أنّ كثيرا ممن وصلتني نصوصهن الخليلية أخبرنني أن لهن نصوصا في القصيدة النثرية،وهو مايبين أن الفوارق تفتأ تتقلص بين النمطين لدى الواعيات من الشاعرات.
حين تتصفّح نصوصَهن بحسّ تمييزي للكتابة” النسوية” عن الكتابة” الرجالية”،بوعيِ أنّ الكتابة النسوية بحثٌ في الخصوصية والقيم الشّعرية الأنثوية المضافة،وليس في تمييزٍ “جنوسيٍّ” مَقيت،حينها تَجد نفسَك( في هاته الدُّخلة القرائية) متحسّسا مكامنَ الاختلاف والتغايرِ بين التجربيتين،لتعرف فعلا إنْ كانت الذاتُ النسوية الشاعرة تكتب بلغة الأنثى وتصوراتِها وأدواتِها، أمْ إنّ الاختلافَ المصطلحيَّ لايعدو أن يكون جنوسيا مسطَّحا عقيما، والفرقُ واضح بين شاعرة تكتب ذاتَها وعصرَها وقضاياها وأحلامها وعواطفها وأسئلتهَا الوجوديةَ بأدواتها ورؤاها ،وتعجن العوالمَ المحيطةَ بها ،بدمها ومائها ودمعِها ،وبين شاعرة تنطلق تجاه الآخر في رحلة اجتياح لعوالمه واتساعٍ في ربوع غيرها، متناسيةً أن اكتساح الآفاق القرائية

-إظهارا للخصوصية الشعرية النسوية – إنما يتجلى في عودتها إلى ذاتها و في التعبير عنها ،و في مساءلتها ونقلها إلى الآخر بأدواتها وتصوراتها،فنحن نحبّ الآخر ولانحب فيه إلا مانختلف فيه عنه،كما قال العارفون بالأنا والأخر،ومابينهما من مسافات الاختلاف فالائتلاف،لذا قد تكتب الشاعرة ُعن موضوعات مشابهة لما يكتب الشعراء ولكنّ خصوصية الكتابة في هذه الموضوعات هو مايصنع الفارف ويؤكد الاختلافَ المرغوب في المقارنة بين التجربتين.
لقد انشغلت الشاعراتُ العربيات المعاصراتُ بهموم العوالم المحيطة بهن، فكتبن عن الوطن بحرقة العشاق،وكتبنَ عن العشق بنار الحنين إلى أوطان يسكنّها، فالوطن في منطقهنّ حيثُ القلب،وكتبْن العروبةَ بحسّ ورجاء،وانْكتبن وفيّاتٍ لمرابع الأجداد ورسومِ الأولين الصامدة ،المندثرةِ حين انكسار،ففي أشعارهنّ الحُبُّ والوطنُ والسّؤالُ الوجودي والتيه الممتد،ولاحدود في كتاباتهن بين الأغراض الشعرية في زمن العولمة العاطفية المتصبّبة غزلا محزونا ومدحا هجّاءً ،ورثاءً باسما في وجوه من نفقدهم مكرهين،وللذات الأنثوية فائضٌ من حنين وحسٍّ فقْدا وقربا.
يسعدني _أخيرا_ أن أضع بين أوردة القراء هذه التجربةَ التجميعيةَ النوعيةَ لأصوات شعرية نسويّة عربية صدّاحة، يفتح لها البحث الأكاديمي الجزائري أحضانَه بروحه العلمية المنصفة،ويقدمها للقراء مجتمعة علها تَدخل بحوثَنا المستقبليةَ من أبواب نقديةٍ متفرقة منتِجةٍ للمعرفة والقراءة،ففي الأصوات الشعرية النسوية العربية ما يستحق الاحتفاء،وفي هذا الوطن(الجزائر) مايستحق أن تهبه الروائعَ من الفن والجمال ّأينما ثقفتَه.

 

اترك تعليقا