امرأة محترمة / كيت شوبان – ترجمة: د. إقبال محمدعلي *
بواسطة admin بتاريخ 24 مارس, 2020 في 02:38 مساء | مصنفة في نوافذ | لا تعليقات عدد المشاهدات : 52.

“الأفكار، تتكاثر كالأرانب

ما إن تبدأ بواحدةٍ أو اثنتين، حتى تجِد نفسك غارقاً بالعشرات ” / جون شتاينبك .

كانت السيدة “بورودا”، منزعجة من زوجها بعض الشيء، لدعوة صديقه “غوفرنيل”، قضاء اسبوعٍ أو اسبوعين في مزرعتهم دون إستشارتها. كانت تَصْبو لشيء من الراحة و تمضية الوقت مع زوجها، دون وجود آخرين. إذ انها صَرَفت معظم فصل الشتاء، في استقبال و توديع الضيوف و الذهاب بين آونة و أخرى إلى مدينة “نيو اوريليانز”، لقضاء بعض الحاجات و الترفيه عن ضيوفهما ..

سمَعَت الكثير عن هذا الرجل. كان صديق زوجها ايام الدراسة، الأن يعمل صحافياً. ما كان من رجال المجتمع أو أهل المدن، لذا لم تسمعْ او تلتقِ به سابقا. تَخيّلتهُ، طويلاً، نحيفاً، ساخراً، بنظاراتٍ و يضع يديه في جيوبه، لم يعجبها. ما كان “غوفرنيل”، بنحيفٍ أو طويلٍ أو ساخرٍ أو بنظاراتٍ، ولا يضع يديه في جيوبه، لكنه أعجبها حين قام بتقديم نفسه.

حاولت ان تجد لنفسها، اسباباً مقنعة للأعجاب به. إذ انها لم تتوسم فيه، دلائل ذكاءٍ أو خصالٍ واعدة كما ذكر زوجها غاتسون في العديد من المناسبات. كان يجلس بصمت، ينصت إلى ثرثرتها، غايةَ ان يشعر انه في بيته، اكراما لغاتسون، زوجها. كان الرجل غايةً في الدماثة -(الشيء الذي تتوقعه أية امرأة في منزلتها)، ما تزلف للحظِي برضاها أو تقديرها.

بعد استقراره في المزرعة، اختار الجلوس في رواق البيت الفسيح، تحت ظل احد الأعمدة الضخمة الكورونثية الطراز، مُتلذِّذاً تدخين سيجارته، مصغياً بمنتهى الأنتباه، إلى تجربة صديقه غاستون في مزرعة السكر.

“هذه هي الحياة”.. أطلقها بزفرة عميقة. كان الهواء يندفع بخفة من حقل السكر، يلاعبه بدفء نفحاته العطرة… الكلاب الكبيرة، ألفت وجوده، تتمسح برجليه لحكِ جسمها. لم يبد اهتماماً بصيد السمك أو شغفاً بصيد عصافير الدوري حين اقترح غاتسون مشاركته هذه الرحلات.

حَيرتها شخصيته، لكنها وجدت نفسها معجبة بوداعتهِ وودهِ. بعد مضي عدة أيام، بدأت تفهمه أكثر غير آبهةٍ لأحجِياتها وفضولها…. بهذا المزاج، تركت زوجها و ضيفه يقضيان الكثير من الوقت مع بعضهما البعض. حين وجدت أنه غير مهتم بها، بدأت تفرض وجودها عليه بمرافقته في رحلاته المتكاسلة إلى الطاحونة والتمشي عند اعالي النهر. كانت تأمل باصرار، إخراجه من حالة التحفظ التي يغلف بها نفسه.

– متى يرحل صديقك؟ سألت زوجها في أحد الأيام. بدأت اشعر بالتعب.

– لم يمض اسبوع بعد يا عزيزتي! لا أفهم! … هل ضايقَك بشيءٍ؟

– كنت سأحبه اكثر لو فَعَل . ليته كان مثل الأخرين، لأضع خططاً، تجعل اقامته بيننا اكثر متعة و راحة.

احتظن غاتسون وجه زوجته الجميل بين يديه و نظر إلى عينيها المحتارتين، بحب ومودة (كان الحديث بينهما يجري في حجرة الملابس المشتركة المرفقة بحجرة زوجته).

– انت مليئة بالمفاجآت يا حلوتي .. اعتقد انني سأشعر بنفس الحيرة لو كنت مكانك. ثم قبلها واستدار ليكمل شد ربطة عنقه امام المرآة.

– انت تحملين المسكين غوفرنيل مَحمَل الجد وتخلقين جلبة حوله، اعتقد ان هذا آخر ما يرغب به او يتوقعه.

– جلبة؟ ( تساءلت بامتعاض)، هراء ،كيف يمكنك قول ذلك؟ جلبة بالتأكيد! انتَ من قال، انه ذكي!.

– انه ذكي بالتأكيد، لكن الرجل مُجهَد من العمل، لذا طلبت منه زيارتنا، كي يرتاح قليلاً.

– قُلتَ انه صاحب أفكار ..(ردت محاججة)، كنت اتوقع على الأَقَلِّ، ان يكون ظريفاً. على كل حال، سأذهب صباح الغد إلى المدينة لإخذ قياسات فساتين الربيع. اخبرني عندما يغادر، سأكون عند عمتي أوكتيفوس.

جلست في ذلك المساء وحدها على مِصْطَبةٍ، تقع على حافة الممر الحَصَوِي، تحت شجرة بلوط ضخمة.

لأول مرة في حياتها، تمر بهذا النوع من التشتت و الإضطراب …خُلاصةَ ما انتهت إليه للحدِ من وضعها الملتبس، مغادرة البيت صباحاً.

سمعت السيدة بورودا وقع اقدام على الحصي. لم تستطع تمييز القادم في الظلمة لكنها رأت نقطة حمراء لسيجارة مشتعلة. عرفت انه غوفرنيل لأن زوجها لا يدخن. كانت تتمنى ان لا يراها، لكن ثوبها الأبيض فضحها. القى بسيجارته على الأرض و جلس بجانبها دون أُذنٍ.

– ارسل زوجك هذا، سيدة بورودا. قدم لها الوشاح الأبيض الشفاف الذي عادةً ما تغطي به رأسها و كتفيها، اخذته بغمغمة شكر و وضعته في حضنها. علق بشكل عابر عن تأثير هواء الليل الوخيم على المواسم ثم حدق في الظلام مدمدماً بصوت خافت: “ليل رياح الجنوب … ليل النجوم الشحيحة … ليل ناعس” …

لم ترد على هذه الفاصلة التي لم تكن موجهة إليها. كان غوفرنيل خجولاً، لا يبالي بما يقوله الآخرون عنه، فحالات تحفظه لم تكن متأصلة، قدر ما كان يتحكم بها مزاجه. قطع صمته وبدأ يتحدث بحرية و مودة، بصوت خافت متردد، متنقلاً من موضوعة إلى أخرى بجاذبية … تَذَكر ايام الجامعة و الصداقة المتينة التي ربطته بغاستون؛ طموحاتهما، حماساتهما والأهداف الكبيرة التي رسماها لإنفسهما…مُحصَّلة ما بَقيّ من تلك الأيام.. الخنوع لقوانين اجتماعية سائدة، بلى عليها الزمن .. رغبة البقاء، و حُلمِ ان تَنعُم علينا الحياة يوماً، بنفحةِ سعادة حقيقية،كالتي أتنفسها الآن.. في هذا المكان.

لم يَعُد ذهنها قادراً، إستيعاب ما كان يقول… قوة مُبهمة سيطرت على جسدها و احاسيسها… اسكرتها نبرات صوته لدرجة لم تعد تهتم بكلماته…. كان بودها، ان تمد يدها في الظلمة، تمرر اصابعها على وجهه، تلمس شفتيه، تلتصق به و توشوش باذنه، لم يَعُد يهمها ما ستقول… تمنت في تلك اللحظة ان تكون أمرأة عادية، يمكنها البوح بمشاعرها بطريقة لا يمكن لأية “امرأة محترمة” التعبير عنها. كلمة اشتدت رغبة الأقتراب منه، تعاظمت دوافع الإبتعاد عنه… بعد استعادة السيطرة على نفسها، نهضت من مكانها بأدب و تركته لوحدهُ. قبل ان تصل البيت، اشعل غوفرنيل سيجارة أخرى، ينهي بها ليلته.

كانت السيدة بورودا، ترغب جداً، اخبار زوجها- الذي كان صديقها في نفس الوقت- عن حقيقة ما يعتمل في داخلها لكنها تراجعت. فباستِثناء كونها ” امرأة محترمة”، كانت امرأة متعقلة تدرك ان هناك معارك في الحياة يتوجب على المرء خوضها بنفسه.

عندما استيقظ غاستون من نومه صباحا،كانت زوجته قد غادرت البيت مبكرة للِحاق بقطار الصباح المتوجه للمدينة لزيارة عمتها أكتيفوس ولم تَعد إلى البيت إلا بعد مغادرة كوفرنيل سقف بيتها.

جرت احاديث بينهما لإستضافة غوفرنيل في الصيف القادم، عبر فيها غاستون عن رغبته الشديدة، رؤية صديقه مرة ثانية، إلا ان مقترحه جوبه بمعارضة شديدة من زوجته.

قبل ان تنتهي السنة، طرحت على زوجها، فكرة دعوة غوفرنيل لزيارتهم مرة أخرى، دهش وابتهج زوجها للمقترح لأنه جاء من جانبها.

– انا سعيد يا حبيبتي، انه نال رضاكِ أخيرا. لأنه في االواقع، يستحق ذلك.

– قالت ضاحكة بعد ان طبعت قبلة حارة على شفتيه: سأضع كل شيء وراء ظهري، سترى، وسأكون في المرة القادمة، اكثر لطفاً معه

.

/

* كاتبة أميركية

* ناقدة ومترجمة عراقية مقيمة بكندا


اترك تعليقا