متعة النص، شرط التاريخ / عبد القادر رابحي*
بواسطة مسارب بتاريخ 23 أبريل, 2012 في 12:29 صباح | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 2787.

 

                                                     [الشاعر ليس مطربا يتباهى بصوته فقط لكي  

                                                           يدخل التاريخ بمجرد أدائه أول أغنية..]

-1

أخّر نشر هذا المقال المعقب على تعليقات الأستاذ بشير ضيف الله في وقته حدثان مؤلمان. أولهما وفاة الشاعر مالك بوديبة رحمه الله و ما تركه من أثر في النفوس. و ثانيهما هو وفاة الزعيم التاريخي الرئيس أحمد بن بلة رحمه الله و ما تركه من فراغ في ذاكرة التاريخ الجزائرية. و ليس صدفة أن يتفق الشعر مع التاريخ في الميلاد و في الوفاة، في الوصول و في المغادرة. فقد كان أمرهما على هذه الحال منذ أن التحمت تجربتهما التحاما و انصهرت انصهارا مع مرور الأزمنة و الأحقاب. و قد حاولت هذه الورقة معالجة هذه المسألة قبل وفاتهما.

-2-

مرّة ثانية أشكر الأستاذ الفاضل بشير ضيف الله على تعليقه الوافي على ما جاء في المقال     و في التعليق. و أنتم تطرحون هنا إشكالية تلقي النص الشعري الجزائري من طرف الشعراء        و حكمهم عليه من جهة، و من طرف النقاد و حكمهم عليه من جهة ثانية. و الأكيد أن نظرة الشعراء لنصوصهم بعضهم بعضا مشوبة دائما بنوع من الغيرة الإبداعية و المعرفية التي تتوجه عادة – و هذه نقيصة الشركاء في المهنة- إلى الإنقاص من النص الشعري إن لم نقل الحط منه            و تحجيمه. و هذه مسألة مطروحة في كل عصر و كل مصر و عند كل المبدعين يعتقد من خلالها الشاعر أنه أولى بكذا و كذا من شعراء  أو كتاب جيله و أنهم أقل منه موهبة و إبداعا، و أنهم إن لم ينسوا أنفسهم و يلتفتوا إليه فإنهم سيضيعونه و أيَّ فتى سيضيّعون.

و لعل هذا ما يدلّ على مستوى الأحكام الصادرة عن المبدعين خاصة إذا كانت مواهبهم    في مستوى ما يصدرونه من أحكام ذاتية نرجسية. و ربما بدا الأمر عاديا لو أنه توقف عند الشعراء و لم يتجاوزه إلى النقاد. غير أنه يصبح غير عادي عندما يصدر النقاد أحكاما لا تستند إلى وعي عميق بطبيعة العملية النقدية و حجم تأثيرها في تشكيل أجيال جديدة من المبدعين الذين سيتخذون أحكام هؤلاء النقاد و آراءهم صكوك غفران تشفع لهم الولوج إلى ما يعتقدون أنه التكريس و الشهرة، و التباهي من ثمة بما قاله الناقد فلان عنهم، أو بما أحدثته مشاركتهم في مهرجان ما، أو ما تركه ظهورهم في قناة ما من أثر في نفوس المعجبات و المعجبين. و لو أن الأحكام النقدية استندت إلى موضوعية ما بغض النظر عن أكاديميتها أو عدم أكاديميتها، لكان هذا إضافة إلى تجربة النص الشعري الجزائري و المدونة الإبداعية خاصة. و المسألة ليست مسألة وجود شاعر بقامة الكبار أو عدم وجوده في الجزائر أو في غيرها، و إنما هي مسألة تميّز. ذلك أن المعدن الأصيل لا تخطئه الأعين حتى و لو أنكر عليه بعضها بريقه. و من هنا، فإن الاعتقاد بعدم وجود شعراء في الجزائر هو أقرب إلى الخطأ منه إلى الصواب. لأن هناك قصائد كثيرة في المدونة الشعرية الجزائرية المعاصرة هي في مستوى ما كتبه الشعراء الكبار أو تفوقه على الرغم من أن أصحابها ليسوا كذلك، مثلما أن الاعتقاد بوجود شعراء كبار في الجزائر هو كذلك أقرب إلى الخطأ منه إلى الصواب لأن الموهبة وحدها لا يمكن أن تصنع شاعرا عظيما .

ذلك أنه لا يمكن أن نصنع شاعرا عظيما كما نريد في لحظة زمنية قصيرة حتى لو فرشنا له ملء الأرض لغة و خيالا، لأن ميلاد شاعر كبير في أمة ما و في زمن ما إنما هو أشبه بالبركان النائم ظاهرا طيلة سنين لأسبابٍ ثم سرعان ما ينفجر بناره و دخانه و طميه و سيوله يعبّر بها عمّا اختزنت أزمنةُ البيات التي يكون قد عانى ويلات تعاقبها في صمت حتى ليظن البعض أن لا حياة فيه. و لذلك فإننا عندما نقرأ شاعرا بهذا المستوى من التلاحم مع اللحظة التاريخية التي أنجبته  بما تحيل إليه من ماضٍ حاضرٍ فيه و من مستقبل مقبل عليه، فإنما نحن لا نقرأ قصيدته الرائعة و ما تحمله من أبعاد فحسب- فثمة قصائد رائعة لم يتمكن شعراؤها من الالتحام مع اللحظة التاريخية -، ولكننا نقرأ معها و بها هذا البركان الصامت سنين طويلة و الصامد في وجه الزمن متحينا اللحظة التاريخية المناسبة التي تربطه بأبعاد هذه اللحظة التاريخية المتلاحمة معه حتى لكأنهما كيان واحد لا ينفصلان.

و من هنا، يكون محمود درويش(أو غيره من الكبار) الذي نريد أن نبحث له بكل بساطة عن معادل في معجم الشعراء الجزائريين المعاصرين( بالسيف)، خلاصةَ تجربة تاريخية مريرة لا يمكنها أن تتكرر بسهولة، تلاحمت فيها عناصرُ تاريخية و اجتماعية و ثقافية متشابكة ليس أقلها أهميةً صراعُ الإنسان الفلسطيني مع المحتلين اليهود لمدة تفوق نصف قرن من الجهاد الذي عاشه الشعب الفلسطيني و هو يعانى ما كان يعانيه من ويلات النفي و التشرد و الحروب المفروضة عليه قسرا و المؤدية كلها إلى مأساة اقتلاعه من أرضه و تزييف هويته و استنبات كيان يهودي عنصري في أرض هي أرضه، أرض الإسراء و المعراج و ميلاد الأنبياء و المرسلين. و لعل هذا البعد التاريخي للإنسان الفلسطيني هو الذي استطاع الشاعر محمود درويش أن يجسده طيلة حياته ليس في أشعاره فحسب، و لكن في تلاحم مسيرته الحياتية مع مسيرته شعبه.

 و يمكننا كذلك أن ننظر إلى الشاعر المتنبي على أنه خلاصة تجربة تاريخية غاية في التعقيد       و العمق. و كذلك الأمر بالنسبة لكل الشعراء الكبار المعاصر الذين التحموا مع مرحلتهم التاريخية التي أنجبتهم فتلقفوا إشعاعات ما تطلبه منهم هذه اللحظة التاريخية. فقالوا نحن لها لأنهم فهموا أنها لهم و أنهم لو ضيعوا فرصة الالتحام الصادق بها لما أعطتهم ما أعطتهم من عزيمة قوية و وعي ثاقب توجت ما حباهم به الله من مواهب فذّة فاختصوا بها دون غيرهم من الشعراء الذين مرّوا بجانب اللحظة و لم يعيروها غير ما يعيره القائل تحت شجرة الإبداع المليئة بالأسرار لا يناله منها غير ما يتركه الشعراء الكبار و هم يجازفون قبل غيرهم في الوصول في فاكهة المعنى. و لعل في سِيَر حياة الشعراء العظام و في سير موتاتهم خاصة ما يحيل إلى درجة الوعي و خطورة المجازفة  و حدّة الإقبال على الحياة. و كلّ شاعر إذا ما بحث عن هذه الخصوصية و هذا التميز، فإنه لن يتكرر في مكان آخر و في عصر أخر حتى لو أراد ذلك و سعى إليه سعيا حثيثا.

-3-

إن ما يجب البحث عنه في نظرنا، هو هذا النسغ الأصيل في النص الشعري الذي يجعل من شاعره في مستوى التكريس الذي يريده و الشهرة التي يطمح إليها، لا في ما يحمله هذان من ظاهر زائل و لكن في ما يولده النص معنى حيّ متجدد يضمن الشاعر من خلاله نسب القائل إلى عمق المقولة. ذلك أن العصر الذي نعيشه لا يتيح فرصة وجودية لظهور شعراء كبار بقامة ما عرفنا في أزمنة سابقة عن المتنبي أو عن السيّاب أو عن محمود درويش إلا نادرا. و ذلك لما لهذا العصر من ريادةٍ للنص التي غطّت على النّاص، و من سبق للمقولة على القائل، و من سيطرةٍ للمعنى على من ينتجه، و لأسباب أخرى متعلقة بالمنظور الفلسفي السائد الذي أصبح فيه التشييء سيّد الموقف تأخذ فيه تطبيقات الفكرة مجرى الرؤية النافذة التي يخضع لها الجمع الذي أنتجها كأنما هم عبيد لها أو يكادون. و قد أصبح الشعر بالنظر إلى هذا الطرح طريحَ رؤية غنّوصية التوجّه يبحث فيها الشاعر عمّا ينفذ بالمعنى إلى مشارف لم تبلغها المخيلة الإنسانية من قبل.

و هذا الأمر في حدّ ذاته ليس عيبا لو أنه كان يعبر عن عمق فكري و تمثل فلسفي و فهم إنسانيّ كما هو الحال عند الشعراء الغربيين الكبار الذين عبروا عن عمق الجراح التي تنخر مراحلهم التاريخية فكانوا منارات في ظلمة الأنفاق الفلسفية الغربية. غير أن هذه الرؤية الغنّوصية كثيرا ما حوّلت الشعراء عندنا إلى غرباء في ديارهم، يعيشون واقعهم بصورة افتراضية تمكنهم من الادعاء المجاني الدّال على بساطة نفوسهم دون أن يردعهم رادع، و من التلبس بجنون العظمة الدّال على انفصامها دون أن يكشفهم كاشف، فتحوّلت بذلك العملية الإبداعية في نصوصهم إلى نزعة فردانية و تصوّر نخبويّ لا يكاد يفهم مدى انفصالها عن المعنى الدّال عن انفصالهم عن منابعه إلا من خبر تجارب الشعراء الكبار و مدى ارتباطهم بواقع مجتمعاتهم التي ينتمون إليها، فانقطع الشعر بذلك انقطاعا تاريخيا لم يشهده من قبل، لا عن المجتمع في معينه و في مبتغاه فحسب، و لكن حتى عن قرّائه الأوفياء القليلين. و كأن الشعر أصبح في كتاباتهم غير جدير بطرح قضايا هي في صلب المجتمع تهرع لها النفوس العظيمة من الشعراء حاملين كما كان في سابق العهد مفاتيح القيادة و خائضين سبيل الريادة، ينافحون من خلالهما عن قضايا الأمة، و يدافعون عن مبادئها، و يسابقون إلى الاحتماء بجذورها و الانتصار لفروعها.

-4-

و لو أننا أجهدنا أنفسنا في الوصول إلى فهم السرّ الذي جعل شاعرا مثل مفدي زكريا،      و هو الأمازيغيّ الأصيل، يصل إلى المنزلة التي وصل إليها من ضمن شعراء العربية في الجزائر- و لو أراد غير ذلك لما منعه أحد-، لعرفنا أن البحث عن شاعر كبير في الجزائر إنما يجب أن يمرّ عبر فهم ما عاناه هذا الشاعر الكبير الذي لم يُفوّت فرصة التقائه بحركية التاريخ التي طبعت الجزائر المعاصرة، فكان مُدركا لخطورة هذه الحركية و واعيا بقيمة ما تقدمه من مجد دائم لمن ‘يريد أن  يشتري الخلد’ . و قد أبَانَ الشاعر مفدي زكريا طيلة مسيرته المرتبطة بمسيرة الثورة التحريرية عن قدرته على تمثل مطلب المرحلة التاريخية التي عايش حركيتها الفكرية و السياسية و الاجتماعية معايشة جعلت منه و من أمثاله مثقفين كبارا مرتبطين بعصرهم و ملتحمين بما حملته هذه المرحلة         في حساسية طرحها للذات و الكيان و الوجود من خصوصية و تميّز، و قبل أن يكونوا شعراء أو مجرد شعراء. و قد بيّنت الأيام أن الشاعر مفدي زكريا كان في كثير من مواقفه أكثر وعيا من كثير من السياسيين الكبار الذين عابوا عليه بعضها فضيقوا عليه و هم بذلك لم يزيدوا تجربته إلا سعة في استيعاب المرحلة التاريخية و فهم مضمراتها الفكرية و الإبداعية.

كما لو أننا بحثنا عن هذا النوع من المثقفين في داخل كلّ الشعراء الصادقين منهم و المدّعين   في هذا الجيل و في الجيل الذي سبقه لما وجدنا فيهم إلا القليل من المثقفين الحقيقيين الذي تحملوا مسؤولياتهم التاريخية أمام ما واجههم من أزمات، و حاولوا البحث من خلال مواجهتها عن مخرج للمأزق الحياتي الذي يعيشه الإنسان العادي في المجتمع و يعيشه الشعراء معهم بصورة أكثرا عمقا   و أكثر تكثيفا. و لو أننا عاودنا البحث ثانية و أمعنّا التنقيب في ما تحمله المدونة الشعرية المعاصرة من زخمٍ و تراكمٍ في الأسماء و الصفات، ثم حاولنا أن نُجري عليها صادقين ما يجريه الحدّاد على المعادن من لهيب المواجهة و المكابدة و الانصهار لما بقي من بريقٍ لنصوص الكثير من الشعراء،   لأن تجاربهم في الحياة و في تلاحمهم مع مراحلها التاريخية كانت أهزْلَ بكثيرٍ مما حملته أو تحمله هذه النصوص من بهرجِ قولٍ لا علاقة  له بما عاشوه في حياتهم. و ربما اكتشفنا مشدوهين أن ما كتبوه أو ما يزالون يكتبونه لم يكن ليجاري إلا أهواء أنفسهم حتى و إن أجادوا، و لتبين لنا بعد التمحيص و المكاشفة أنهم عن عمق ما يكابده الشعراء الكبار منفصلون، و أنهم لما يحملونه في خطاطاتهم من عظمة ظاهرة منتحلون. و هم كذلك في هذه الحالة سيبرهنون أنهم كانوا في كل مشوارهم الإبداعي أبعد ما يكونون عن أن يكونوا ملتحمين بما يجعل منهم شعراء كبارا. و كأن الشاعر يكاد يكون الكائن الوحيد الذي لا يمكنه أن يتحمل سطحية الحياة كما يريد أن يقدمها له ‘شيطانه الكسول’، في حين أن منعرجاتها المؤدية إلى غابة المعنى مليئة بالمفاجآت و الأتعاب  و السقطات.

-5-

ذلك أنه لا يمكننا أن نكون شعراء كبارا بدون الدخول في معمعة الحياة و حراكها بكل ما يحمله هذا الحراك من خطورة في التوغل داخل المسارب المظلمة لفهم الذات و العالم. و كأن الشاعر، لكي يكون شاعرا، إنما يجب أن يعيش على حافة الهاوية ينبّه الآخرين إليها من دون أن يسقط فيها. و لعل هذا ما فهمه الشعراء الكبار بمراحلهم التاريخية و تماهيهم مع حركيتها الفاعلة و تفانيهم في تحقيق ما أدركوه في عمقها من أبعاد من أمثال محمود درويش و مفدي زكريا        و غيرهم ممن بقيت تجاربهم راسخة لا بفعل الشهرة المفبركة الزائلة، و لكن بفعل التجربة الحياتية المليئة بالمواقف والطموحات و الانتصارات و الانتكاسات و الاحباطات التي جعلت من مساراتهم الحياتية درسا يجد فيه كل دارس عضة، و بيتا يجد فيه كل عابر سَعةَ، و معنى يجد فيه كل عاشق ماءً و ارتواءً.

و لعلّ هذا ما لا يريد شعراء الجيل الجديد الذين هم نحن أو بعضٌ منّا، فهمَ ركائزه و إدراك أبعاده، و هم على ما هم عليه من تسارعٍ مريبٍ إلى حشائش الإبداع دون الانتباه إلى ما تحويه أشجاره من ثمر و ظلال. و هم بذلك يكونون قد نزعوا عنهم شرط الريادة، ريادة الشعر،         و سلموا بذلك لمن تنتخبهم الأقدار و يفوز بأسمائهم التاريخ مفاتيحَ القيادة يسوقون بها باقي الشعراء –الذين هم نحن- إلى حيث يشاءون.

*عبدالقادر رابحي / شاعر وناقد جزائري

 

اترك تعليقا