ما الشعر؟..ما منطلقه ؟..ما مداه؟ / الطيب طهوري *
بواسطة admin بتاريخ 11 يوليو, 2020 في 01:57 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 46.

ما الشعر؟..هل هو إبداع ذاتي خاص وخالص لا يتجاوز حدود التعبير عما يشغل ذات مبدعه،والتخفيف من ثمة عن نفسه بعض ما ألم بها من وهن الحياة وسأمها، ولا علاقة له بالتأثير في ذوات الآخرين إلا في الحدود الضيقة؟..أم هو إبداع عام يعبر الشاعر فيه عما يحدث في الكينونة الاجتماعية بما هي وجود معقد ومتشابك الآلام والآمال ، الأفراح والأتراح ، الانهزامات والانتصارات ، الحاضر والماضي والمستقبل ، الذاتي والغيري ، الطبيعي والمكتسب ، المتغير والثابت…إلخ ..إلخ؟ المتأمل في السؤالين جيدا يدرك انهما يلتقيان فيما يُتوهم أنهما يختلفان فيه..ذلك أنه لا توجد ذات مبدعة إلا وتبدع من أجل إثبات وجودها ، ولا يمكن تصور ذلك الإثبات للوجود إلا بالآخر ومعه..لكن الإثبات بهذا المعنى لا يعني أبدا أن تلك الذات المبدعة ملزمة – وبإطلاق – بإخضاع تعبيرها لذاك الآخر حتى تحافظ على انسيابية علاقتها به بما هو وجود مميز – نسبيا – بمكونات هويته التي يصر دوما على الدعوة إلى المحافظة عليها – خاصة في مجتمعنا العربي الإسلامي – رغم ما يراه يحدث في عالمه من تغيرات تمس مختلف مكوناته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ، وهي تغيرات كثيرا ما تثير فينا الدهشة وتدفع بالكثير منا إما إلى الارتماء فيها بدعوى الإنسانية التي تتجاوز كل ما يفرق بين المجتمعات دون ان تضع في اعتبارها أن هذا التفريق حاصل حاصل ، ومن كل الأطراف التي تكوِّن عالم حاضرنا، شئنا ذلك ام أبيناه ..أو الانكفاء على الذات والهروب من هذا الحاض المأزوم – حاضرنا وحاضر كل البشرية حتى – إلى الماضي ، ماضينا بالذات ، بدعوى الخصوصية الثقافية والحضارية ..وهنا يطرح السؤال: أي آخر منا تلتزم هذه الذات المبدعة بالتعبير عنه؟. غني عن البيان أن المبدع الحقيقي هو مبدع التجاوز حتما..وان هذا التجاوز باعتباره إبداعا لا يمكن أن يكون إلا تجاوزا للحالتين/ الوضعيتين السابقتين ، وإلا كان خاضعا..أي لا إبداعا..
ولا يمكن تصور مبدع حقيقي إلا وهو في علاقة تضاد مع سكونية واقعه ، أي علاقة رفض للسائد فيه من عادات وتقاليد وأعراف وعلاقات اجتماعية وألفة أفكار ، وممارسات تتكرر باستمرار وتفرض على الناس الالتزام بها ، دون النظر في النتائج التي تترتب عن ذلك الالتزام ، مثلما هو الحال فيما صرنا عليه بحكم العادات الاجتماعية التي تضغط علينا باجتماعيتها المتخلفة فاقدة الوعي والمسؤولية….
هذا يعني ان إثباتية الوجود بالنسبة للشاعر والمبدع عموما ما هي إلا فرادته..لكنها الفرادة التي تمتلك حاضرها بفهمه ووعيه وإدراك كيفية تحركه في إطار محليته وفي علاقة تلك المحلية بحركية العالم عموما..حاضرها الذي هو – بشكل أو بآخر – امتداد لماضي محليته وماضي كل البشرية ، والذي يتقاطع معه ولا ينفيه ، يضعه في إطاره الزماني وظروفه آنذاك ، يقرأه ولا يطمسه ..والذي هو امتداد نحو المستقبل وفيه ، يكونه ولا يلجم التحرك نحوه ، يبدأه فرحا به وآملا في تحقيقه ولا يحد من جاذبيته أو يعرقل سير الخطى إليه .. الفرادة التي تبدع هي أيضا في حركيتها ما لا يمحي او يطمس إبداع الآخر ، بل تتعانق معه وترفد نفسها بتجاربه ، وهو ما يساعدها على السير سواقي في اتجاه نهر الحياة الزاخر الذي يروي الجميع دون أي تمييز.. إن كل ما تقدم لا يعني سوى إعادة السؤال بطريقة مغايرة: ما الشعر؟..ما حدوده؟..ما الأرضية التي ينطلق منها ليعود إلينا وعلينا بالجديد المتغير والمغاير والمغير بالضرورة؟..
إجابة عن هذه الأسئلة أقول: إن الشعر إبداع ترفده التجربة الحياتية العميقة والثقافة الواعية المسؤولة ..هو عمل مضنٍ يشق الأنفاس ويرج العقول ويحرك الأجساد في دوامة حركيته وتفاعلاته مع الوجود ومكوناته ومع الذات وما يختلج فيها ويتصارع داخلها ..لكنه – كيفما كان – عمل لذيذ في رجته وجميل مغر بدوامته ..يحاول الشاعر به وفيه تحرير جسده من قيود أناه التي هي في الكثير من حالاتها محصلة مجموعة المعيقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وحتى الطبيعية – ربما – التي تحد من انطلاقتها وتفتحها وممارسة حياتها بزهو وفاعلية ودون اي شعور بتحكم الآخر الخاضع فيها ومن حولها.. واضح أن الشعر بهذا المعنى وبهذا المعنى بالذات لا يتحقق وجودا وفاعلية إلا بفتح الباب على مصراعيه لتحرر اللا أنا بما هي محصلة مجموعة المكبوتات المترسبة في عمق الذات بفعل عنفية مواجهة الأنا لها غالبا – خاصة لدى المبدعين – وهي الأنا التي تمثل العقل الجمعي بأفكاره ومواقفه وتصوراته للحياة وحتى مشاعره ..
وبما أن الشعر ممارسة – قبل كل شيء – في اللغة وبها ، فإن تلك المحاولة لا يمكن تصور تحقيقها وتحقيق فاعليتها في إعطاء الشاعر / المبدع الشعور بالسعادة إلا بحفرها الدائم في اللغة وإنبات الجديد منها بما يجعلها لغة مغايرة للغة السائد التي يمارس المجتمع فيها وبها تأثيره الحاد من انفتاحها على الحياة بما هي وجود متجدد ومتغير باستمرار..
والمؤكد ان الشعراء الذين يمكنهم تحقيق ذلك قليلون جدا جدا ..ذلك ان كل خرق للعادة ، وكل جديد مغاير لها لا يمارسه إلا القلائل في كل فن.. وفي كل فكر ايضا..إلى جانب أن اللغة في حد ذاتها وبطبيعة تكوينها مخادعة مخاتلة ، كثيرا ما تأسر الشاعر بما امتلأت به من معان ومشاعر اجتماعية ، وتسحبه من ثمة إلى قاع سيطرتها فيما هو يتوهم انه يتحرر منها ومن قيدها الاجتماعي ..
يمكن القول بأن ما تقدم – مع عوامل اخرى – هو سر سيطرة تذوق الشعرية المحافظة على عموم القراء الذين هم في الغالب الأكثر خضوعا للعادات والتقاليد الاجتماعية المتوارثة ، والأكثر ابتعادا عن المطالعة وقراءة المختلف فكرا وإبداعا..وهو أيضا سر سيطرة التعبير المحافظ على الشعراء الأقل موهبة شعريا والأقل نضالا فكرا وممارسة والأكثر تملقا سياسيا واجتماعيا، وبمعنى آخر الأكثر عجزا عن ممارسة خرق الحقل الاجتماعي بما هو قيود نفسية وأخلاقية وثقافية تحد من تطور العملية الإبداعية الشعرية.. وأخيرا هو سر ارتباط التجديد المتواصل للغة وجعلها ذات حمولة فكرية متجددة تدعو إلى الممارسات الاجتماعية المتحررة الواعية والمسؤولة..
وهكذا..فإنه بقدر ما يعمل الشاعرمن خلال رمزية لغته الجديدة المفتتة للغة السكونية الاجتماعية بما تحمله من فكر رضوخي ونفسية متكاسلة لا مبالية وباردة لا شعورا حيا لها بالحياة..عليه – الشاعر – ان يضع في اعتباره دائما انه يجب ان يبني في جديده ذاك وبه بقدر ما يهدم ..واكثر..أكثر..
ومن الطبيعي ان لا يتحقق لأي شاعر مبدع ذاك البناء إلا إذا كان يمتلك تصورا متقدما وواضحا للحياة وموقفا إنسانيا مما يجري فيها وتراكما ثقافيا واسعا ومتنوعا ، وتجربة حياتية غنية وعميقة ، وحسية فنية عالية تجعله يعرف كيف يجدد لغته ويشحنها بالحياة دون ان يفقدها حرارة التجربة وأجواء الـ نحن باحلامهم وتطلعاتهم التي تعمل الكثير من المعيقات الاجتماعية على الحد منها بتسفيهها ومحاربتها ..

/

* شاعر من الجزائر

 

اترك تعليقا