قليل من الماء لكي لا أمشي حافيا» للكاتب عبد الكريم بن ينينة /أحمد بن براهيم
بواسطة admin بتاريخ 11 يوليو, 2020 في 02:25 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 104.

صدرت مجموعة «قليل من الماء لكي لا أمشي حافيا» عام 2016 في 95 صفحة. تحتوي على 39 قصة قصيرة جدا. مع مقدمة شاملة للناقد السعيد بوطاجين.. كذلك كلمتان مختصرتان حول المجموعة لكل من الناقد عامر مخلوف والروائي الحبيب السايح.

الكاتب والمسرحي الأستاذ عبد الكريم ينينة على بيّنة بمتطلبات المرحلة المعاصرة التي يحياها كمبدع يمثل جزءا من المجتمع الجزائري. لذلك كانت مجموعته هذه في صياغتها الأدبية، الشعرية، متطورة، ولها وقعها الكبير في نفسية القارئ وذائقته، وقد وسّمت بنظرة نقدية ثاقبة للواقع الجزائري والعربي عموما.

عبد الكريم ينينة ككاتب مسرحي متمرّس،استغل براعته في تشكيل الخطاب المسرحي واستثمره في قصصه القصيرة جدا، خاصة  الحوار ،حيث من خلال هذا الاستثمار أعطى معان مختلفة لبعض الأشياء من خلال شحنها كرموز تؤثث الحدث في سياقاته المتنوعة..

مثلا النص الأول «في البدء» حيث كان للزمن فعله في تحديد علاقة الشخصية المحورية بمحيطها من خلال ذاك التداعي، حيث يصوّر معالم علاقة مادية.. نفسية مع هذا (الآخر) الذي غابت ملامحه، ليعطينا فرصة القراءة والتأويل.

وبحثا عن وضوح أكثر، نستند إلى كتاب الأستاذ الدكتور العراقي جاسم الياس خلف في دراسة هذا الجنس القصصي الحساس وهو «شعرية القصة القصيرة جدا «يقول :

«(..الصراع) ولكنه لا يمتد على صفحات طويلة كما هو في الرواية أو القصة القصيرة، وإنما قدر حاجة القصة القصيرة جدا إليه، لأنها ليست جسدا مفصولا عن القصة القصيرة، ولكنها تراعي التكثيف والجو الخاص، وضربة النهاية، وتراعي التركيز والاقتصاد في الكلمات..»

عنوان المجموعة « قليل من الماء.. لكي لا أمشي حافيا « هو لقصة مدرجة في هذه المجموعة (ص 85 ) ، وأرى أن نعود إلى التعريف المتداول للماء الذي (يرمز) إلى الحياة.. بينما الحَفا ربما (يرمز) إلى التيه، اللاّ هوية بالنسبة لبطل القصة، إن نحن عدنا إلى الحكاية في حادثتها الغريبة ربما نجد «تفسيرنا» للعنوان صحيحا بعض الشيء.. فالحركة لها شروط مختلفة وعديدة منها توفر عنصر القوة وهذا ما يمثله الماء في هذه الحال..

لنرى النص الذي يحمل هذا العنوان لعلنا نقف ولو في « ارتباك « على بعض من شعريته :

« كنّا في قلب الصحراء.. ولم أدر كيف انسلخت عن المجموعة فتهتُ. ونفذ الماء مني. واشتدّ بي العطش. فصار لساني أجفّ من حبّة بسكويت. حتى خشيتُ لو حاولتُ بلع ريقي أن يتفتت داخل فمي.وأنا على هذه الحال المتقدمة من الجفاف إذ أبصرتُ خيمة على مد البصر، فتقدمتُ نحوها. بعد جهد كبير وصلتُ منهكا خائر القوى. وكان صاحبها الذي يشبه نادلا أعرفه جالسا عندها. فاذا به يبيع الأحذية. وقد ملأت كامل خيمته. قلتُ بصعوبة دون أن أسلّمَ :

يا سيدي.. أنا تائه منذ البارحة. وقد نفد الماء مني. وأكاد أقضي عطشا، رجاء اعطيني حذاء مقاس 39 فقلبي ساعة صدرية. وقد أنهكني الرقص المبرح. «

إذن نحن أمام عنوان يدعونا – حسب وجهة نظر الكاتب – إلى التثبّت في بعض المسلّمات وعلى مستويات عدة. وهذا الأمر يتطلب مسايرة المستجدات العالمية المعاصرة في كل المسائل ثم مسائلتها عن وعي وإدراك. وبعد هذه العملية يمكن لنا حينها أن ننتقد ونصحح..

يقول الأستاذ مخلوف عامر في كلمة حول هذه المجموعة:

« إنها من القصص التي لا يمكن تلخيصها. ولا كلامي هذا يغني عن قراءتها، ففي قصرها كثافة تدعو إلى التفكير، وفيها صور شعرية تمرّ أمام ناظرك كومضات البرق، يصوغها «عبد الكريم  ينينة» بلغة تنزاح عن المألوف إلى اللاّ مألوف.»قد يعتمد المناجاة أو الحوار الثنائي. أو- الأسلوب ألمقلوب – وغالبا ما يرتدي النقد اللاذع لباس السخرية الهادفة فإذا بكَ تبتسم وتفكّر حين تبتسم «

فعلا نحن أمام قصص قصيرة جدا تترقرق فطنة وذكاء، المبدع ليس بالضرورة أن يكون عاملا حاملا للبدائل التي تسعد الإنسانية، هو يرصد حركة الذات ومن خلالها الآخر، كيف يمكن أن يستدرج هذا الآخر ويجعله ينتبه إلى محيطه بأكثر عمق.. هذا هو دور المبدع في اعتقادي.. أن تصوّر الجميل والقبيح بأسلوب شعري تتزاحم حول مفرداته وجهات النظر.. هكذا يخلّد النص ويستدعى للتأسيس في رحاب الكونية.

من جملة هذه المفردات التي نبحث عنها في هذا العمل الإبداعي، هو الخصوصية – المحلية.. كيف نروّج نصنا إن لم نجد فيه ترجمة صادقة لتفاصيل خصوصيتنا ومحليتنا.

لقد عرف العالم كتابا كبارا اشتهروا في القصة القصيرة، وخاصة في ريادتهم للقصة القصيرة جدا أمثال – ناتالي ساروت وَكافكا وَ هيمنغواي .. وفي أمريكا اللاتينية خوليو كورتثار وخوان خوصي أريولا وبورخيس وغيرهم، هؤلاء انطلقوا من المحلية فكسبت قصصهم هويتهم الكاملة التي استقبلها العالم كثقافة جديدة فاحتضنها وروّج لها..

هذا الأمر هام جدا في العملية الإبداعية.. وملامح المحلية لا مسته في هذه المجموعة والتي نحن نحاول ملامسة خصوصيتها..

نص « قراءة في كفّ هذه المجموعة عن التذمّر – ص 17 «

« أرى وطنا بدينا، بديلا ؟

يرتدي من حرير الفتنة تاريخا قدّ من قُبَلٍ

« أرى شجرا يسير «

أرى لغة  امرأة متشجّرة

بلا فاكهة..

بلا فاكهة تقول ؟

بل قل إنك ترى سدرة تحمي نبقا لا يأكله أحد.

أو إنكَ ترى طاولة باردة، في السابق كانت زيزفونة..

قل إنكَ ترى عرعارا بلا حَكايا

أو ..صفصافة تنتظر دورها لتكون لغة في البرلمان

ففي النهاية لستَ ترى يا أنا سوى سنديانة ترضع نقارا للخشب «

يقول الراوي :

أرى وطنا بدينا. بديلا..

هل يعني هذا (المسخ) الاغتراب.. لا أعتقد أن الراوي في حالة هستيرية من الثرثرة، النص يحذّر من الخروج بالوطن نحو (اللاّ وطن). مفردات عدة تعود لتشكل المحلية المرجوة مثل السدرة – النبق – الزيزفون – العرعار..كل هذه العلامات التي ترشد الغريب عنا أصبحت مهدّدة، السنديانة رمز الشموخ لا يجب أن تترك «أرجوحة» لنقار الخشب.. وكأنّه يعني (السوس ). فمجموعة «قليل من الماء لكي لا أمشي حافيا» غنية جدا بالقيم الإنسانية الجميلة، وبحرقة تأكل الكاتب وهو يرى بعض المخاطر المحدّقة ببلاده. (الخارطة العربية ).

اترك تعليقا