اليسار والاسلام السياسي في الجزائر في ذكرى رحيل الروائي الطاهر وطار 12 أوت 2010 / عمر بوساحة *
بواسطة admin بتاريخ 14 أغسطس, 2020 في 01:27 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 60.

يعزى الحضور الأدبي اللافت للروائي الطاهر وطار في الثلاثة عقود الأخيرة من القرن العشرين الى عدة اعتبارات، من بينها الكتابة باللغة العربية، وحتى وان وجدنا ان الراحل عبد الحميد بن هدوقة وآخرون قد سبقوه الى ذلك، إلاَ أن غزارة الانتاج لديه في المرحلة تلك جعلت النقاد يلقبونه برائد الرواية العربية في الجزائر. وكذلك ساعده السياق الأيديولوجي الاشتراكي الذي هيمن على الحياة السياسية في هذا الحضور. فعلى الرغم من أن وطار كان من المنتقدين لانقلاب الرئيس بومدين، وظلَ طيلة المدة التي حكم فيها هذا الأخير في مناوشات وعراك معه، إلَا أنه كان يغرف في أدبه من نفس الايديولوجية التي كان بومدين يصدر عنها في سياسته ورؤيته للحياة. فالروايات الكبرى الاولى لوطار على ما فيها من أبعاد تاريخية تحررية، إلَا أنها جاءت ضمن هذا السياق، ولم تغادر هذه الايديولوجيا.
كتب الطاهر وطار رواياته الأولى اللاز والزلزال والعشق والموت في الزمن الحراشي وعرس بغل، وأخرى غيرها، ضمن الرؤية الماركسية ومدرستها الفنية “الواقعية الاشتراكية” التي نادت الى توظيف الأدب والفن عموما لخدمة المجتمع بحسب التصور الماركسي، وأن يصور ذاك الصراع الطبقي بين العمال والفقراء والرأسمالين، بحيث ينتهي بانتصار العمال الذين يصنعون التاريخ في مسيرته نحو التحرر وقهر كل الايديولوجيات السابقة للشيوعية، بخاصة تلك القائمة على الغيبيات، كالعقائد الدينية التي جعل منها الاقطاع اديولوجته لقهر الفلاحين واستغلالهم. هكذا كان وطار ينظر للدور المنوط بالادب وكل الانشطة الثقافية، والتي من خلالها ستترسخ القيم الشيوعية. إنه مذهب وطار الذي لم يتوقف عن الاعلان عنه من دون مواربة ولا تردد. ثمَ وقع التحول بعد ذلك في بداية التسعينات أثناء صعود الاسلام السياسي. الصعود الذي دشَنه الانتصار الساحق لجبهة الانقاذ الاسلامية في الانتخابات المحلية والتشريعية، وما لحق ذلك من دمار وسيل للدماء بعد توقيف المسار الانتخابي.
عارض وطار فترتها على خلاف الكثير من المثقفين توقيف المسار الانتخابي على الرغم من الاختلاف الايديولوجي الذي بينه وبين الحزب المنتصر. حزب سلفي يعادي التقدم والمدنية والعلم، وتصور وطار دون ان ينتبه الى الخطر الذي تمثله تلك الايديولوجيا السلفية أن الصراع الحاصل ماهو سوى حرب بين فئات تتنافس على المصالح، ولا تعير اهتماما لمصالح الجماهير التي اعتقد وطار ان الفيس جاء ليحميها ويدافع عنها. وكأنه لم يكن يرى تلك الاغتيالات التي كانت تحصل أمامه وطالت الكثير من رفاقه المثقفين والمناضلين، ومن بينهم يساريون تبنوا نفس أطروحاته، “يوسف سبتي 1993 مثلا”. لقد جعله هذا الموقف السياسي يبرر بغرابة بعض الاغتيالات البشعة التي جعلت بعض مقربيه يأخذون منه مواقف ومسافات، ومنها جريمة اغتيال الطاهر جاووت 1993، فقد قال حينها لما سئل عن رأيه في الجريمة “لقد خسرته فرنسا”، على اعتبار ان الطاهر جاووت كان كاتبا فرنكفونيا.
وللفرنسية لدى وطار قصتها مع جماعة الاسلام السياسي، فقد كان موقف وطار المبدئي، بخاصة بعد “ندوة باريس سنة 1992″ حول الأدب الجزائري، يتلخص في أن الادب الذي يكتبه جزائريون باللغة الفرنسية لا يعدأدبا جزائريا. وقد أثار بهذا الموقف زوبعة ونقاشا حادين بعد ندوة باريس تلك، على الرغم من أن موضوع التعريب قد اشبع نقاشا فترة السبعينات، وكان فيه الحوار الذي حصل بين مصطفى الاشرف الذي كان وزيرا حينها وعبد الله شريط الاستاذ الجامعي، حوارا رائدا. فقد دافع عبد الله شريط الذي كان قريبا ايديولوجيا وحركيا من الطاهر وطار، دافع عن عربية جديدة تتحرر من محتواها القديم الغارق في الدجل والخرافات، ودعا الى لغة تحتوي علوم العصر وحضارته. لقد أوصلت شعبوية وطار اليسارية به الى تبني الايديولجية الشعبوية لجبهة الانقاذ، وأدت به الى الاعتقاد في الأخير بأن الاسلام السياسي هو حركة جماهيرية طلائعية تعبر عن تطلعات الشعب وآماله، وتسعى إلى تحقيق مطالبه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومنها مطلب التعريب، وستحرره من الاستبداد والظلم الاجتماعي. والحقيقة ان استبداد الجماهير الذي وظَفه الاسلام السياسي قريب في طبيعته للاستبداد الذي كانت تنادي به الاحزاب الشيوعية في نظريتها عن ديكتاتورية البروليتاريا، والتي كانت ترى أن الحريات الفردية ومبادئ حقوق الانسان هي أمور شكلية أمام مطالب الحقوق والعدالة الاجتماعيتين، التي كان وطار يعيش تحت تأثيرهما، ولم ينتبه الى أن حزب الفيس هو حركة شعبوية ارتكاسية ماضوية ستقضي من دون تردد حين وصولها الى السلطةعلى كل فكر مخالف، بما فيه فكر خصومها في الاسلام السياسي.
كتب وطار في الظروف التي كانت تعيشها الجزائر فترة التسعينيات أعماله الروائية الأخرى: الشمعة والدهاليز، الولي الطاهر يعود الى مقامه الزكي، الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء … وجاءت حمولات هذه الأعمال في الغالب متساوقة مع التوجه الجديد الذي أخذه وطار. ولكي نكون موضوعيين أكثر لا بدَ ان نشير هنا الى أن هذا الموقف قد اتفق فيه وطار مع بعض المثقفين والسياسين في الاحزاب اليسارية في الجزائر، وكذلك في بلدان عربية. ووقعت في ضوئه الكثير من التحالفات بين اليسار والاسلام السياسي والتي لم يستفد منها في الحقيقة كلا الطرفين سوى التشتت والاضمحلال. وفي الحراك الذي شهدته الجزائر السنة الماضية، ظهر في أسابيعه الأخيرة الكثير من المؤشرات على هذا التقارب، فقد رفعت شعارات اجتمع حولها بقايا جبهة الانقاذ المحلة ووجوه من اليسار المتطرف التي لا تزال ترى في تجييش الجماهير بالشعارات الشعبوية سيساعدها على الاستحواذ على السلطة والحصول على الحكم.
فسلاما ورحمة الى روحك “عمي الطاهر” في هذه الذكرى السنوية.

/

* باحث وأكاديمي من الجزائر 

اترك تعليقا