النقد الثقافي وسبل التحديث لدى المفكر عبد الله شريط / د عمر بوساحة
بواسطة admin بتاريخ 11 سبتمبر, 2020 في 01:19 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 52.

اسم فلسفي كبير، شغل الساحة الثقافية لأربعة عقود الأخيرة من القرن العشرين، يعرفه الجامعيون بكونه واحدا من رواد الجامعة الجزائرية ومؤسسيها ومن أبرز اساتذتها. أشرف الأستاذ شريط على عشرات الرسائل الجامعية التي أصبح أصحابها لاحقا أساتذة للفلسفة عبر كامل التراب الوطني. ينتمي عبد الله شريط الى فئة المثقفين العضوين المنخرطين في قضايا مجتمعهم وهمومه، خاصة وهو المثقف المناضل ــ المجاهد ــ من أجل الحرية واستقلال الجزائر، فقد كان شريط من أبرز منظري ثورة التحرير وإعلامييها، وارتبط اسمه باعلام الثورة وصحافتها سواء تلك التي كانت في تصدر في الداخل أو في الخارج، السمعية منها والمكتوبة. وحين التحق بالجامعة بعد الاستقلال واصل عمله التنويري في الجامعة وعبر كل الوسائل الاعلامية، فكان اسمه معروفا لدى الخاص والعام بالنظر لأهمية البرامج التي كان ينتجها ويشرف عليها في الفترة تلك.
من كوابح التحديث التي يراهاعبد الله شريط تقف دون عصرنة مجتمعنا هي تلك الغربة التي يعيشها المثقف في مجتمعه، فالمثقف الجزائري الذي ورث الثقافة الاستعمارية وتقاليدها أو ذاك الذي يعيش لا يزال عقله لم يبرح عصور الانحطاط، لا يزال يعامل مواطنيه باحتقار ودونية ويواصل غرس عقدة النقص في نفوسهم، وهو لم يبرح في معاملته لهم ما كان يقوم به المستعمر أو المستبد، ونسى الطرفان ان البداية في كل ثورة هو القيام بعملية نقد شاملة للتراث بطريقة عقلانية تجعل من العلم وسيلتها. فالاعتقاد بأن تجاوز التراث هو طريق التقدم بالنسبة لشريط يتساوى في الوهم مع الاعتقاد بان نهضتنا تكمن في العودة الى الماضي، فكلا من الطرحين يعيشان اغترابا ووهما كبيرين.
وأول خطوة في خارطة الطريق للخروج من هذه الدائرة هي البدء بمشروع للتربية والتعليم جديد، يستخدم وسائل ومناهج جديدة، فلا المناهج التقليدية ستفيدنا ولا تلك التي مارسها الاستعمار والتي كانت صورة الجزائريين فيها صورة المواطنين من الدرجات الدنيا، وكانت القضايا التي تتناولها في برامجها بعيدة كل البعد عن حياة الجزائريين وبيئتهم. فالتربية السليمة هي التي تجعل من المناهج المعاصرة وسيلتها ومن بيئة المتعلم فضاءها لتكون تربية فعالة تصنع التحديث والتنمية على الارض، وفي الواقع، لا في الخيال. وتكون اللغة بالنسبة لشريط هي الأداة الأولى التي يجب ان يتجه اليها الاهتمام. لقد كان شريط يعتقد بانه لا يمكن لشعب ان يصنع تقدمه إلا بلغته طالما ان اللغة عنده لا تمثل أداة فقط بل ثقافة أيضا، لذلك طالب شريط بتجديد اللغة العربية بتخليصها من ثقافة الماضي الخرافية وتجديد قواعدها الكلاسيكية، والدفع بها تجاه ثقافة العلم ومنجزات الحضارة المعاصرة، وجعلها ثقافة جماهيرية، فلا جدوى من تحديث لا يشمل فئات المجتمع كافة.
وستكون نتائج التعليم ناجحة بالنسبة لشريط حينما تطال المجتمع بكامله حتى يكون اصلاح المناخ العام ممكنا . لقد انجز الجزائريون ثورة مسلحة عظيمة ولكنها كانت ثورة تفتقر للفكر والثقافة المعاصرين كما يقول. ويعول شريط على الفلسفة التي يرى انها قد تحررت من ماورائياتها للقيام بهذه الثورة الثقافية. فالفسفة هي المعرفة التي لها القدرة على تحريرنا من كوابحنا الثقافية، وهي من تساعدنا في الذهاب الى تنظيم مجتمعنا عبر قواعد سياسية جديدة تحفظ له استقراره وترقيته وتقدمه. فشريط يعترض على التقاليد السياسية الموروثة عن الاستعمار لأنها لم تتخلص من الظلم والتسلط، ولا يرى ان الثقافة العربية القديمة قد تركت لنا نظرية في الدولة يكون بالامكان الاستعانة بها في زمننا الحالي. لذلك علينا أن نجتهد لإبداع نظرية معاصرة تحررنا من دولة الاستعمار ومن دولة القبيلة والطائفة لثقافتنا السياسية القديمة.
نتذكر الاستاذ عبد الله شريط ونحن نحيي ذكرى وفاته العاشرة ” 1921 ــ 2010 ” متمنين ان يزداد الاهتمام بمشروعه الفكري، الذي حتى وان نشط البحث فيه خلال هذه السنوات الأخيرة غير أنه وبسبب ثرائه لا يزال بحاجة إلى اهتمام أكثر . ..

.

اترك تعليقا