هكذا صرت شيوعيا / الطيب صالح طهوري *
بواسطة admin بتاريخ 5 نوفمبر, 2020 في 05:31 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 59.

يساريا كنت منذ البدء..لا اعرف اليسار..لكنني كنت يساريا..كنا نقيم في بيت طيني بسيط..كانت أمي تصنع الأواني الطينية وتبيعها..تنسج الحنابل( الحياك) وتبيعها كذلك..تربي الدجاج وتبيع بيضه..تربي الديك الرومي حتى.. كلما حل الصيف كنا نرحل بخيمتنا إلى ضواحي سطيف..في مختلف قراها كنت وجدتي رقية( الرحمة لروحها) نبيع ما تصنعه أمي من أوان طينية..نبيع ما نسميه المثنان..كنا نقطف المثنان من الأراضي البور..نشكله حزما حزما ..مكانس كانت تلك الحزم..ونبيعه ..

من خلف الحاصدات كنا نجمع ما لا يحصد من السنابل وما يسقط أثناء الحصد..نسرق السنابل ليلا أحيانا..

حين ينتهي الصيف نعود إلى حضنتنا..

الرعي مهنتي..كنت مضرب المثل فيه..كنت أحب الرعي بشكل عجيب..راعيا أصيلا كنت أبدو..

في الرعي ذاك أتأمل..أفكر..وأسأل احيانا: لماذا يتفاوت الناس هكذا في حياتهم..ما الذي يجعل هذا غنيا وذاك فقيرا؟..العمل؟..أمي تعمل ليل نهار..لكننا لسنا أغنياء..العلم؟..القليلون من أهالينا من لهم بعض المعرفة..والدينية أساسا..لكنهم لم يكونوا أغنياء..الأغنياء كانوا قليلين جدا جدا في بلدتنا..

كنت أميل كثيرا إلى العزلة..فيها أتأمل وأقارن وأسأل..وخجولا حد التهمة كنت..

كنت محبا للمطالعة..قرأت كل كتب عْمَر المرة التي كان يملأ بها صناديقه..عمر المرة كان قد أتى بتلك الكتب من تجواله في تونس وليبيا وبعض مناطق الجزائر..عمر المرة كان شيخا من قريتنا..أحيانا يسميه الناس عمر لقبايلي..أهل قريتي التي كانت تسمى دوار (الطواهرية) ينتسبون إلى الأمازيغ القبائل..من منطقة ما بين سيدي عيش وآقبو..هكذا كانوا يقولون لنا..وهكذا كان الآخرون من غير قريتنا يعتقدون..بعض كبار قريتي كانوا يذهبون إلى من يعتبرونهم أهاليهم في تلك المنطقة القبائلية..لم نحافظ نحن أبناءهم على ذلك التقليد الزياراتي..المهم اننا جزائريون..من هنا أو من هناك لا يهم..

أُخبر المرة بان الصالح رزق بابن سماه الطيب..مبتسما وقف..حملتْه عصاه وأسرعت به..وضع ريقه في فمي وقال: درت لك ريقي تبَّع طريقي..

كان المرة قد ألف احتضان الفراش له في كل وقت..وكنت حينها قد صرت في عمر الخامسة عشر..أقل أو أكثر بقليل..كنت أغسل كتفيه وظهره كل اسبوع ..حين غبت عنه قال لأمي باكيا وقد أحضرت له خبزة البيض: يبدو أن الطيب قد صار يعاف غسل ظهري..

لا..لا..الطيب ليس هنا،قالت امي.. لقد التحق بزاوية طولقة..

ابتسم المرة..رفع يديه إلى السماء ودعى: اللهم نجحه، يارب..وقال لابنته معيوفة مشيرا إلى صناديق الكتب والمخطوطات الثلاثة: أوصيك يا ابنتي بهذه الكتب..إذا مت سلميها للطيب بن الصالح..لا أحد يستأهلها غيره..

مات المرة..ولم أستلم تلك الكتب والمخطواطات..قالت معيوفة وقد صار لها أحفاد: أحفادي أولى بها..

في الابتدائي..كنت قد التحقت بالمدرسة وعمري إثنتا عشر سنة ونصف السنة..التحقت باسم ابن عمي الميت الحي..كان اسمي عيسى..

كنت أعرف القراءة والكتابة .. حفظت نصف القرآن في كتَّاب القرية قبل التحاقي بالمدرسة..كان معلمي في الكتاب ذاك سي العَمري طويل وسي السعيد بن الشيخ سي لمبارك مخلوف..كنت سريع الحفظ..لكنني أيضا كنت سريع النسيان..

أتذكر.. استلفت من معلمي عبدالله مقعاش كتاب الجغرافيا للسنة الرابعة متوسط..على ضوء الكانكي رحت أنقل ما فيه إلى كراستي..أنقل مكتوبه لا صوره..أثني ركبتيَّ واجلس على الحصير وأكتب..كنت سعيدا سعيدا وأنا أكتشف ذلك العالم الجغرافي بصوره وخرائطه..لم أكمل السنة الثالثة..في منتصفها التحقت بزاوية طولقة..في السنة الموالية كنت في زاوية الهامل..في زاوية طولقة ننام في المسجد..في الهامل كنا نضع مطارحنا فوق الكارتون وننام..نأكل العياد..يفتل القمح بنخالته ..يفوَّر ..يوضع في القصاع..يسقى بالماء الساخن وبعض زيت الزيتون ..ويؤكل..سنتان وكانت شهادة الأهلية في جيبي..وكنا حينها في حي لندريولي الفوضوي في سطيف

درست الثانوي في ثانوية المعز لدين الله الفاطمي للتعليم الأصلي..هناك صب علي مطر الشعر..هناك بدأت كتابته..الغريب أنني لم أكتب شعرا عموديا.. ماكتبته كان شعرا أفقيا..كان شعر تفعيلة.. و..

كلما وجدت نفسي وسط المدينة تفتح المكتبات ابوابها لي وتحضنني بفرحها الغامر..كانت الكتب مدعمة..المجلات كذلك..كنت وبعض زملائي نقتني في كل خرجة لنا ما أمكننا من كتب ومجلات..في الكتب والمجلات تلك بدأنا نجد انفسنا ونعي بعض ما في الحياة..نعي واقعنا وواقع ما حولنا..

في الثانوي انخرطت في الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية..كنت اتطوع مع التلاميذ المتطوعين لغرس الأشجار..وانتهت علاقتي بذلك الاتحاد بانتهاء دراستي الثانوية..

في الجامعة كان أفق المعرفة أوسع..صار باب النقاش مفتوحا لنا على مصراعيه مع الكثير من أساتذتنا..كان كحول بوزيد أستاذنا في علم النفس..أمين ملاح اللبناني كان يدرسنا علم الاجتماع..سعدالله كان يدرسنا الحضارة ( إن لم تخطئ الذاكرة).. وكان أستاذنا عبد الرحمان الكيالي الفلسطيني مدرسنا في الأدب المعاصر.. علاقتي بهذا الأخير كانت متينة جدا..كان الكيالي إذا رأى واحدا منا مع فتاته يدخل علينا سعيدا سعيد..أنا سعيد هذا اليوم ،لقد رأيت فلانا مع فلانة، يقول لنا مبتسما..الكيالي كان قاضيا شرعيا في فلسطين..تمركس فيما بعد..و..راح تدريجيا يمركسني معه..

بكى الكيالي وهو يقرأ قصيدة الطيب طواهرية التي قدمها لمهرجان الشعر هواري بومدين( طواهرية كان لقبي آنذاك )..هكذا كتب الشاعر الأخضرعيكوس في النصر في تعليق له ..عنوان النص كان ( تداعيات لليلى البعيدة)..كانت البعيدةُ في النص فلسطينَ القريبة في القلب..احتفى القاص علاوة وهبي بي في عموده الذي نشره في النصر تحت عنوان ( وجه من المهرجان) وقدمني لقرائه باعتباري شاعرا شابا وجديدا في عالم الشعر..

هنا بدأت أفهم معنى اليسار..ومعاني مختلف المذاهب..وأدركت أنني يساري بالفطرة..من منطلق يساريتي الفطرية تلك كنت أتطوع أحيانا مع المتطوعين في عطلنا الصيفية للعمل مع الفلاحين فيما كان يعرف بالثورة الزراعية..

عام 1981 صرت أستاذا في الثانوي..في سطيف

عام 1982 تعرفت على عالم مختار اليساري والمناضل في حزب الطليعة الاشتراكية..بعد نقاشات طويلة وقراءات كثيفة لما كنت استلمه منه من منشورات، قررت..التقينا عشية في مكان يخلو من الناس جنوب حي الـ 1000 مسكن..جلسنا على العشب..أخرج اوراقه ورحت أكتبني عليها..كان النضال آنذاك سريا..ما الإسم الرمزي الذي تختاره يا الطيب؟ سألني مختار..ورحت أفتش فيَ عن اسم ما..طال صمتي ولم أجد الإسم..تزاحمت الأسماء في رأسي وتصارعت..

لا بأس، لا بأس، قال المختار..ما رايك في غيلان الدمشقي؟..كنت قد قرأت عن غيلان الدمشقي وعرفته..ليكن، أجبت المختار…وكان اسمي السري غيلان الدمشقي..

من هناك..من ذاك المكان المنعزل بدأت النضال السياسي سرا..

منزل عالم مختار أو منزل صالح رقام كانا يتبادلان استقبالنا..منزلي في حي لندريولي الفوضوي لم يكن صالحا لذلك..في المنزل هذا أو في المنزل ذاك كنا نجتمع..نتناقش..نتعلم..ونقرر ما نفعل..عددنا كان قليلا..في العشيات عادة نجتمع..يؤذن المؤذن لصلاة العصر أو لصلاة المغرب نتوقف عن النقاش..من يصلي يقوم لصلاته ومن لا يصلي يلتزم الصمت او يهمس في حديثه حتى يهيئ المجال للمصلي كي يؤدي شعيرته على أكمل وجهها..لم تكن الشيوعية عندنا إلحادا أو دعوة إليه..لم يكن ذاك انشغالنا أبدا أبدا..كان انشغالنا اجتماعيا في الأساس..العدالة الاجتماعية..مواجهة الاستغلال..المساواة في الحقوق والواجبات بين الناس رجالا ونساء..تحسين وضع المرأة في الحياة..الارتقاء بالناس معرفيا وأخلاقيا..ضرورة الفصل بين الديني والسياسي..إلخ، كانت هي القضايا الأساسية في نضالنا..التدين أوعدمه كان بالنسبة لنا قناعة شخصية ، ليس من حقنا التدخل فيها..

منزلا المختار وصالح كانا كريمين كثيرا كثيرا..الحليب والقهوة..الشاي والحلويات كانت توضع امامنا..احيانا ياتي بعضنا ببعض الحلوى او ببعض المكسرات معه..نأكل ونشرب ونواصل نقاشنا..كان عالم مختار اكثرنا قدرة على النقاش..أكثرنا قدرة على الإقناع..ثقافته العالية..هدوءه..اتساع معرفته الدينية والفكرية كانت تفتح امامنا آفاق الحياة أكثر اكثر..كنا نتعلم ..نرتقي معرفيا..مختار كان شخصا منظما بشكل عجيب..لكل ثانية عنده قيمتها..بين المطالعة والبحث والتفكير وتحضير الدروس لتلاميذه ومخطط النقاش في حلقاتنا كان يوزع وقته..تنظيمه الدقيق ذاك..التزامه باحترام الوقت..ثقافته الواسعة..معرفته الدينية العميقة..أخلاقه العالية.. بكلها كان مدرستنا في الحياة

ميزة صالح الأساسية كانت كرمه المفرط..حين أصبت بكسر في ركبتي عام 2010 فعل والمختار معي ما لم أكن أتوقعه أبدا..كانا يأتياني بسيارة أحدهما..في الغالب كانت سيارة صالح هي من تأتي..تأتي السيارة بفراشها..ينزع صالح كراسيها الخلفية ليضع مكانها الفراش.. يتعاونان على حملي..فوق الفراش في السيارة يضعاني ويتوجهان بي إلى المستشفى حيث تتم متابعتي الطبية..ينتظران حتى تتم المتابعة ويعودان بي من جديد إلى منزلي..

أثناء مرض صديقنا عبد المجيد داودي المناضل في جبهة التحرير الوطني بسرطان الكبد كانت سيارة صالح هي سيارة إسعافه ..كل أسبوع كان يأخذه إلى مستشفى قسنطينة الجامعي ..لم يكن يأخذ منه ولا سنتيما واحدا ..الرحمة لروح عبد المجيد..

في إحدى المرات ،وكان قد أخذ زوجته المصابة بسرطان الثدي إلى مستشفى قسنطينة الجامعي، لا حظ أن زجاج نوافذ قاعة الانتظار مهشم في معظمه..لم يهدأ له بال..أخذ قياسات النوافذ وعاد إلى سطيف..بعد يومين اوثلاثة أيام كان في المستشفى من جديد..كان يركب للنوافذ زجاجها..

صالح رقام كان أشجعنا..وكان قد عرف بشجاعته تلك في جامعة الجزائر حيث درس في قسم الفلسفة..تلك الشجاعة الجامعية حدثني عنها زميلي في ثانوية ابن رشيق أستاذ الرياضيات محمد بن اعراب..قال لي: صالح كان شجاعا إلى حد لايتصور في دفاعه عن حقوق الطلبة في المدرسة العسكرية الأغواطية ،ونحن نتدرب لنكون ضباطا، كانوا يوقظوننا باكرا لننظف مراحيض المدرسة ونرش ساحاتها بالماء..ما إن يؤذن لصلاة الفجر حتى ينطلق الجميع نحو مسجدها..ثلاثة أو أربعة نبقى وحدنا نقوم بذلك التنظيف..ولا يعودون إلينا إلا بعد انتهاء صلاة الصبح..خمّنّا.. صرنا مثلهم..ما إن نسمع الآذان الأول حتى نكون في المسجد..بلا وضوء كنا ندخله ونصلي..و..صار الرقباء يخرجوننا كلنا بعد انتهاء صلاة الفجر لنواصل تنظيفنا..هكذا افسدنا عليهم، زملاءنا، راحتهم تلك ..

كان نضالنا السري هكذا..لا نتوقف عن النقاش أبدا مع الناس..لا نُظهر انتماءاتنا السياسية..نُظهر أفكارنا..نزور فلاحي الثورة الزراعية في مزارعهم..نتناقش معهم..نعمل على إقناعهم بحتمية عملهم الجدي في تلك المزارع ونحذرهم مما يحضر في الخفاء للثورة الزراعية..نحاول الرفع من مستوى وعيهم..بعض منهم كانوا منخرطين معنا في

النضال..ليلا، كنا نلصق منشوراتنا بحيطان شوارع المدينة الرئيسية..ونوزع على الذين  نثق فيهم منشورات حزبنا

 حين ظهرنا إلى العلن بعد إقرار التعددية الحزبية تشجعنا أكثر ورحنا نقيم لنا طاولة أمام أروقة سطيف الكبرى..نناقش الناس هناك ونبيع جريدتي صوت الشعب الناطقة باسم الحزب ، والجزائر الجمهورية..و..

كانت قوى الإسلام السياسي ،بعد ظهور الفيس وتغوله، لنا بالمرصاد تهديدا وتخويفا..وجاءت العشرية الحمراء..انهارت النظم الاشتراكية تباعا..سقط جدار برلين..هيمنت الرأسمالية بثقافتها الاستهلاكية المنمطة للإنسان..تفرق الحزب وانسحب معظمنا إلى صمتهم في واقع اجتماعي صار اليأس والخوف السيدين فيه .

/

*شا عر من الجزائر

اترك تعليقا