“المادة 64″ * / بهيليل فضيلة
بواسطة admin بتاريخ 5 نوفمبر, 2020 في 06:01 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 106.

لازلت يوما بعد آخر أتدحرج على طرف هدبك، ويزداد يقيني أن جفنك يكاد يلفظني، لم أعد أدري بعد في أي اتجاه سأهرب بحزني الذي جمعتُه قهرا، ولم تعد عيناك تسجنني ..وحدي وقلبي نراوغ الذكريات، نوهم بعضنا أن بالعمر بقية اشتهاء لأمسيات صيف عانقت سمرنا وبعثرت أوراقه ريح غضب أتى مستعجلا، يلوح بقساوة على قلبينا وقد أرهقهما السهر. اكتشفت بعد عمر من وهم الحب أنني لم أكن أفعل شيئا ولم أنتقل خطوة واحدة نحو الأمل كما أوهمت نفسي، كنتُ كعرّاف يضرب بعصاه جزافا فيلفظ الرمل سطور وهم تعانقها الريح، ليمحو ما كان قيل قبل أن يزورنا خنجر الرحيل ويتعلق ابننا بدر بما تبقى من ابتسامتك التي ما عادت تشبه أبدا ابتسامتك ، لم تكن أبدا تشبهني أو تشعر ببعض حزني، كنتَ تشبه فقط لعبة طفولتي المصنوعة من قصب، تتفرج على دمعي ووحدتي، وتعجز يدك المبتورة أن تلتقط حزني لتدفنه بجوار أمسيات ذكرياتنا تلك، فسلام على قلب أخذ أكثر مما أعطى ومما يستحق فعاش النعيم رقصا على شظايا قلبي الذي كمدا صار يغرق، وأنفاسه بالخطايا تضيق.

أدرك كما الجميع، أنني عبثا أحاول أن أعيش قصة حب جديدة، وأن لقلبي حق استنشاق أوكسجين غير الذي كنت تمده إياه، ولكن تقف شامخة في وجه قلبي المادة 64، حتى لكأنني انتعلها أنى ذهبت، غير أنني وبعد فشلي مرات ومرات أشحت بوجهي عنها خشية أن يصدق حدسي فيتربع الرقمان ببهو منزلي، ليدُكّا فرحتي الموؤودة بأقدام مادة لم تعنها يوما مشاعر أمومتي.

كان قدري الثاني خجلا، تعقد مشاعره ابتسامة طفولية مني، وعلى أنقاض خطيئتي الأولى بنى عرش حبنا الذي بدأته مرة أخرى بقلب كله لهفة وحب يكفي لآخر أيام العمر.. كان اسمه “عُمر”.

شهران كفيلان بولادتي، تخلصت من هويتي القديمة “مطلقة”، رميت كل ما رآه الناس “عاراً” بقمامة عقولهم، ومثلي “عمر”..إكراما لي…فعل.

وجلس الحزن على حافة الشرفة يرقب بهدوء سعادتنا، ألمحه بين الحين والحين يشيح بوجهه عني كأن لم يرني، أبصره من تلك الجدران النّدية بمطر ليل شتوي طويل، أطلّ كما لو أنه قريبا سيصل. نبّهتُ عُمَري وأنا أهز كتفه:

-” أنظر !أتعرف من ذاك الغريب؟”.

ودونما اهتمام أجاب:

-” لا أظنني أعرفه”.

وواصل كنس شرفتنا من تلك البقايا التي خلّفها المطر… مطر… مطر…مطر..، كان يحدثني عن رحلته الباريسية  وكيف أن النساء هناك دمى خلقن للغواية لا غير، حدثني عن عطور لن يصل عبيرها ها هنا، ولم أحدثه سوى عن القحط والجفاف الذين حلاّ بمدينتي، عن الجراد الذي أكل كل أخضر جميل غير آبه للخراب الذي خلّفه. وما دريت أن قدري الأول كان يرقب عن كثب سعادتي بانتظار أن يشهر بوجهي سلاحه الذي رخصه له قانون الأسرة ذات سنة جفاف..

استفقت على طرق متواصل بالباب، كان عمر قد تسلل من الغرفة باكرا كي لا يوقظنا، وابني بدر لا يزال يغط في نوم عميق وقد تدلى جزء من غطائه على الأرض. رميت بعشوائية خماري المعلق خلف الباب ورحت أسأل:

-” من؟”.

-” زهرة محمود؟”.

فتحت وأنا أفرك عيني لأزيل بقايا نعاسي:

-” أجل، أنا هي”.

رد وهو يناولني قلما ودفترا أمضي عليه استلامي تلك الورقة ليبدد دهشتي:

_” لديك جلسة بالمحكمة الثلاثاء المقبل”.

لا أذكر كم من الوقت مضى على وقوفي عند الباب ولا كيف فضضت الظرف ليظهر خط عريض أسود يتوسط تلك الورقة، شكلت حروفه المستفزة كلمة “استدعاء” لترتسم بذاكرتي تلك المادة اللعينة بحياتي كوشم فشلت مرارا في مداراته وتغييبه، هرعت لغرفة بدر أقبّله وأحضنه باكية كأنني لن أراه بعدها ولساني لا يكف عن إرسال شتائم ولعنات لوالده الذي انتظر كل هذه السنوات متربصا لفرحي وها هو يشبع انتقامه وهو يرى انتصاره الأبدي بهزيمتي، أن يطالب بحضانة بدر بالنسبة له لا يعني أكثر من رؤية بؤسي وشقائي. ما همّه بدر ولا كيف يعيش، كان همه هو أنا.. أن أندم على كل لحظة فكرت فيها بحياتي الحقيقية بعيدا عن عالمه الموبوء بالأنانية وفقط.

غابت شمس ذلك اليوم كغيمة مثقلة رحلت ونست أن تمطر، رحل عمر…لأجل أن يبقى بدر.. فوجودهما معا كان ضربا من المستحيل..وعُدتُ أنا المرأة ..الأنثى المعطوبة، أحمل عاهتي على كتفي بعدما بترت تلك المادة قلبي، وعدتُ مرة أخرى  لبدائيتي الأولى وكما يحلو للجميع نعتي : “مسكينة…مطلقة”. 

/

*القصة الفائزة بالجائزة الثانية في  مسابقة الصيف الادبي “الكتابة في زمن الحجر  

اترك تعليقا