صينيون وعرب وغربيون / الطيب طهوري
بواسطة admin بتاريخ 11 ديسمبر, 2020 في 02:47 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 127.

أنهى كأسه الثالثة وراح يتطلع في وجهي عميقا.. المقهى الحانة على الطرف الشرقي للمدينة..الريح سافية والوقت عشيته..

صوته حزين ووجهه ضائع مثل وجهي في الغبار..قال لي: قلد الصينيون القطط..في احتفالاتهم بثورتهم الثقافية كانوا يصيحون جميعا ، وفي وقت واحد: ماو، ماو، ماو..

احتجت القطط على ذلك..ماو صوتنا منذ ان خلقنا لا صوتكم أيها الصينيون..وراحت تبرز مخالبها..

كانت المعركة بين القطط والصينيين حامية الوطيس..

ضحكت..بدأت تهذي كعادتك يا صديقي..هكذا انت دائما، ما إن يغيب عقلك حتى تبدأ..

اهذي؟..ربما..ربما..لكنني، بالتأكيد، أبدع يا صديقي..بين الهذيان والإبداع وشائج عميقة..أنت شاعر وتعرف ذلك أكثر مني..

لنعد إلى المعركة..ترى، من انتصر فيها، صينيوك أم قططك يا علي؟

الصينيون ياكلون القطط….من انتصر في تصورك؟ مجيبا سألني ..

الصينيون، أعتقد..

لا تعتقد، الصينيون هم الذين انتصروا..وكانت الكأس الرابعة..شفتاي ما زالتا في فنجان القهوة الوحيد..

لنعد إلينا، قال

لنعد إلينا..ماذا تقول عنا يا علي ، وقد صرت في الخامسة؟

ماذا تقول انت؟..حدثتك عن الصينيين وقططهم..حدثني انت عنكم ..

من تقصد ب عنكم؟..

العرب أقصد..حدثني عنكم انتم العرب..من أنتم؟..

وأنت، ألست منا؟..ألست عربيا؟..

لا، انا سكران كما ترى.. وراحت ضحكته تملأ المكان..

بعد ان عاد إليه أعاد علي السؤال: من انتم؟..

نحن بشر لا قطط..وقفت: لاذيل لي، كما ترى، ولا ذيل لك..

أنت مخطئ يا صديقي..لك ذيل ولي ذيل..لكننا لا نرى ذيولنا..الآخرون من غيرنا يرون ذيولنا..

لقد ذهبت بعيدا يا علي..هذيانك هذه المرة تجاوز كل الحدود..

تلك هي المشكلة، علق..

مشكلة؟..

نعم، مشكلة المشاكل..كلنا عرب وبيننا الكثير الكثير من الحدود..هناك حدود جغرافية ..هناك سياسية..ثقافية..دينية..اجتماعية..أخلاقية..

يكفي، يكفي يا علي..يبدو أننا كلنا حدود..الريح حدود..المدن حدود..القرى حدود..انا وانت حدود..

أضاف: وكل الذين ترى حدود..وكان الضجيج حينها خلفنا..انظر، وأشار برأسه إلى خلفي..

استدرت..كانت معركة الحدود قد بدأت بين اثنين..وكان الناس حواجز بينهما..

انظر جيدا إلى طاولتهما..

ماذا تعني؟ سألته..

لا زجاجة خمر هناك..

فهمتك، فهمتك..

عاد إلي :ما مفرد العرب؟..

العربي، اجبته..

ما أصل العربي؟..

لا ادري ،والله..

أصلها العار بي..عبر الأيام خُففت الكلمة فصارت العربي..

ضحكت..من أين تأتيك هذه الخرجات المؤلمة يا علي؟ سألته..

لم يجبني.. سؤالا آخر طرح علي..

من يحكمنا نحن العرب يا ترى، أمس واليوم؟..

العسكر..

مم تتكون كلمة العسكر؟..هل تعرف مم تتكون؟..لم يتركني أجيب..أجاب بنفسه عن نفسه:

تتكون كلمة العسكر من كلمتين: العس و كر..العس تعرف معناها..و كر تعرف معناها أيضا..الحراسة والكر..لكنه الكر في الداخل لا في الخارج..تفهم قصدي..أعرف انك تفهمه جيدا..

أفهمك، والله..أفهمك..وطأطات رأسي..

حين رفعته ونظرت إليه رأيت دمعتين على خديه..دمعتان على خديَّ راحتا تتدحرجان في نفس اللحظة..

ما جمع العسكر؟ سألني من جديد..

العساكر، اجبته..

أحسنت، احسنت، علق على إجابتي..وأكمل: الع تحيل إلى العربي..ساكر، تعرف معناها..

وااااو، تقصد ان العربي ساكر؟..

نعم، العربي ساكر..والساكر لا عقل له..وبمعنى ادق : الساكر يفقد عقله..

ألهذا نحن العرب هكذا..لا عقول لنا..؟..

هل تعرف ماذا فعل الصينيون حين قضوا على كل قططهم؟..

لا، لا..ماذا فعلوا؟..

ألم أقل لك قبل قليل إن الاخرين يرون ذيولنا؟..

لم أفهم..

فكر الصينيون كثيرا..قال بعضهم لبعضهم الآخر: لحم القطط لذيذ جدا، ولم نعد نجد القطط في بلادنا..

صدقتم، قال البعض الذي كان يستمع..ثم سألوا: والحل؟

نستورد القطط..

هل تدري من أين راحوا يستوردونها؟..

أعرف، منا نحن العرب يا علي..

تماما..منا نحن العرب راحوا يستوردون القطط كما كانوا يستوردون بترولنا..لكن قططنا سرعان ما انتهت..

وماذا فعلوا؟ سألته..

لم يفعلوا شيئا..نحن من فعل..

ماذا فعلنا نحن؟..

حكامنا العسكريون جعلونا قططا..كل من يخالف اوامرهم هو قط..كل من تخالف تعليماتهم هي قطة..يسلخون القط والقطة..يقطعونهما ويصدرونهما على أساس أنهما لحم قططي..

يا إلهي، ألهذا الحد؟..لا أصدق..

صدق أولا تصدق..في يوم ما ستجد نفسك قطا يباع لحمك في بلاد الصين..في بكين أو شنغهاي أو عاصمة الكورونا..أتذكر جيدا لحمي وهو معروض في واجهة محل جزارة في أحد أحياء مدينة يوهان الشهيرة..أتذكر كيف كانوا يأكلون لحمي ويرمون عظامي للكلاب.. أتذكر الكلاب وهي تترافس من أجل الفوز بعظامي ،قال ذلك وراح في ضحكته الهستيرية من جدبد..

حين انهى ضحكته أضاف: ليس هذا فحسب..

ماذا أيضا؟..

لقد صرنا خنازير يصدروننا للغرب، ويأكلوننا حتى..ثم..

مم تتكون كلمة خنازير؟ سألني ..

خنا.. و..زير..

هل تعرف معنى خنا؟..و..زير..

صمت..

الأولى خضوع والثانية تعرف معناها، بالتأكيد..

نحن مجتمع الخضوع يا صديقي.، يا غيلان..ونحن الزيرأيضا..

الله يسامحك، قلت له..

إلى اللقاء

مشيت وتركته يفتت كلماته..

***

رحت وانا أمشي أفتت كلماتي أيضا:

ما العلاقة، يا ترى بين العرب والعربة؟ سألت نفسي..

كانت الريح حينها ما تزال جنوبية سافية..

وجهي كان ما يزال غبارا كثيفا..

وكان غيلان يحضنني في بعيده البعيد القريب

***

هي أيضا، قطتي،كنت أسمع مواءها يأتي إلي من صحرائي..

وكنت أموء لها هناك، حيث هي في بلاد الصين البعيدة

        

اترك تعليقا