” قلة حياء ” / : فضيلة بهيليل *
بواسطة admin بتاريخ 14 مارس, 2021 في 08:12 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 135.

صوت مطر يئن خارج المنزل، بقايا سهر بالغرفة، وشيء من الحنين يستأذن الدخول بعد ضربة برد، قلبي الضعيف سيسامحه وسيدخله مرة أخرى ليجلس بكل غروره قرب المدفأة، سيجمع ذاكرته، ينفض مطر ذكرياتنا العالق بمعطفه، يضع غليونه بفمه..يشعل موسيقى صاخبة كعادته ثم ينسل من بين الستائر كأن لم يكن. أتفقد خلفه النوافذ، أغلقها كي لا يتسلل إلي الحنين وأضغط زرا أسود فتختنق تلك الموسيقى الصاخبة التي تزعج هدوئي.

ليلة أمس كنا اتفقنا أن نذهب معا لمدير المؤسسة، لاشك نسي مرة أخرى،فمسألة عملي لا تهمه كثيرا، جمعت ملف التوظيف، حملت قلب امرأة أقوى مني تاركة قلبي الصغير بدرج خزانتي، وللمرة الألف خرجت في رحلة بحث معقدة عن وظيفة أسدُّ بها جوع كرامتي وتقيني برد الإهانة.

كانت المؤسسة تستقبل كما كل يوم عمالها الدائمين في أوقات مختلفة من الصباح، وكالعادة تسير دون حضور المدير. سألت سكرتيرته الخاصة فتفحصتني قبل أن ترد، ثم عادت لتدس أنفها داخل تلك الملفات:

-” المدير غير موجود”.

سألت بارتباك:

-” متى يكون بالمؤسسة؟”.

-” لا أدري”.

بقيتُ واقفة في ذهول، لتضيف وهي تشير إلى ساعة يدها:

-” لديّ عمل”.

و بالأخرى تشير إلى ملفات تقيأتها خزانتها وأفلتت منها بعض أوراقها. لم يكن عملها منظما عكس ترتيب هندامها وخطوط ماكياجها الذي رسمته أعلى الحاجب والشفتين بدقة مدروسة.

عدت أدراجي، ككل مرة ألعن شهاداتي ودراستي والوظيفة التي لفظتني كلما خلتني أوشكت على الاستقرار فيها.

وبحي ” المزطولين” ذاك، كان ينام متوسدا خصرها المدير، يمرغ ما تبقى من رجولة بخياناتها، تلك التي حفظت كاميرا هاتفها ليلتهما العبقة بالمساومات وبالصفقات التي وقعاها على غواية سرير، فراحت تخنق حياته المهنية والاجتماعية بها إن فكر بخداعها كما فعل مع الغبية ” صباح”.

امتعض، انتفخت أوداجه ، تصلبت شرايينه وانتفض ذات اليمين وذات الشمال، ثم لم يجد بدا من التوقيع أسفل قائمة الفائزين بالوظيفة وهو يرى اسمها ويقرؤه على مضض.

هرعتُ أحمل قلبي أو لعله هو من حملني هذه المرة حين سمع بإعلان النتائج، رحت أقرأ أسماء الفائزين الذين لا علاقة لهم بتخصص التوظيف. لم يكن اسمي حاضرا، كان هو الآخر هائما على وجهه، لا قائمة استقبلته ولا همتها نزاهته. كان بعيدا كل البعد عن معاييرهم.

استدرت حولي، رؤوس ملونة … شفاه ماكرة… عيون ببريق غواية… ووحدي كنت أرتدي بساطة على مقاسي. أفلتتْ مني قهقهات عالية وسط ذلك الجمع، ما لبثت أن تحولت إلى ضحكات هستيرية جعلتني لا أعرف شيئا من منطق هذه الحياة الجديدة التي صار جلهم يعيشها بشكل عادي ورتيب.

غادرتهم أحمل وجعي وخيبتي ترافقني ضحكاتي، وخلفي نباح ينهشني من هنا وهناك لم يزدني إلا ضحكا وهم يصيحون:

-”كيف تضحك امرأة هكذا وبكل وقاحة؟ … حقا…إنها قلة حياء”.

/

* قاصة وأكاديمية من الجزائر 

اترك تعليقا