في صباح ذلك اليوم كان مقهى ̎الترانزيت̎ يعج بجموع من الباندية والهزية وشفّارة أسواق المواشي ورهط يقرؤون الكف والطالع وينافسهم في ذلك ڤزانات بني عداس الشاطرات في ضرب خط الرمل وفتح طريق الأبراج بسهولة.
الجلبة والصياح تملأ المكان وتتداخل الأصوات فيما بينها في عدة لكنات هجينة، بالإسبانية تتناقز الأرقام وتفر من بعض الأفواه بسرعة الأعداد.
هاني حطيت فرخ اللاز… هاهو جاك دوس
… ويرد ثالث بعربية دارجة تريس راسي وسكر عليه.
باعة متجولون وفضوليون يقفون على رؤوسهم كمستشارين، وجوههم قاسية وعيونهم تشارك اللعب وتلاحق احجار قطع ̎الدومينو̎ حين تصطف على الطاولات. ̎
بوطاوة ̎ القهواجي يصول ويجول وبمرحه المعتاد يتحرك بانسيابية بينهم وأسراب ذباب تلاحقه وعتمة أدخنة سجائرهم تحجب عنه الرؤية إلى حد ما.
مغموس في روائحهم الكريهة يوزع (الصول) والمشروبات ونداءات متزاحمة تلاحقه أينما توجه.
هات قهوة صفاي … جيبلي حار … زيدني تاي ….. أعطيني فرارة بالشيح…….
فجأة يفقد توازنه ويتعثر ̎ كلاكيط ̎ الأصبع تفعلها معه مرة أخرى فينقطع خيط وصالها بقدمه التي تعرقت كثيرا، يصحح كبوته ويتوجه إلى المرآة يعيد تعديل ̎ كلبوشه ̎ الإسطنبولي وبأصابعه الغليظة يفرك بنعومة شنباته المصبوغة ويضع غصنا طريا من النعناع الأخضر أعلى أذنه اليمنى في إشارة منه لاستمرار عزوبيته ويحرك برأسه في الهواء ويبتسم لنفسه ابتسامة بلهاء ويستأنف عمله من جديد وكله نشاط وحيوية.
في سماء الحجرة المقابلة يتطاير ورق اللعب كفراشات وأصوات ضاجة تعلو بلهجة أخرى قيل إنها جاءت مع اليهود.
كول سوطة … حط قراط … جاك الري…
هيا نلعب قزة لالا …نلعب بيلوت أو روندا … اتفقنا قص الورق
. مقامرون يلعبون الورق ويتبادلون الشتائم والكلام البذيء ويتنابزون بألقاب داعرة، أنا وصديقي ̎ الشيشباشة ̎ نشارك هذه الجوقة فنكثر من الصياح والزعاق.
لقد مر أكثر من شهر ونحن على هذه الحال، لم نعد نذهب إلى المدرسة صرنا نأتي إلى هنا فقد تعلمنا تجارة مربحة. إننا نبيع حمامص وصودا للمقامرين.
ها أنا ذا أصيح بينهم بأعلى صوتي :̎ حمامص …حمامص مالح وبنين ليوم خير من يامس التالي ما يبقالوش̎ ويرد عليّ صديقي من صالة الحصير حيث المقامرين الكبار من أمثال العقيد ̎ ̎ خوروطو̎ يصيح ويصيح صديقي :̎ ڤازوز … ڤازوز…بارد وحلو يروي العطشان الكاس بخمسة دورو ̎.
أضحك في سري آه يا له من يوم رائع! سنتقاسم الأرباح ونترافق إلى صالة ̎ تكساس̎ كما جرت العادة في سهرة كل ليلة.
من ركن آخر باغتني وأطل صديقي ببشاشته المعتادة ورأسه الحليق على الصفر، وغمز لي كي أتفطن إلى دخول ̎ فورطو̎.
كنا على علم أنه يلاحق الدركي القادم الجديد لقريتنا والذي جلس منذ دقائق لاحتساء قهوته.
آه قد وقع في ورطة! إنه ضحية وشايتنا ويا له من أحمق فقد تجرأ البارحة في غياب ̎ فورطو̎ وقبّل بحرارة شفاه حبيبته فعلها على مرآى من الجميع المتكدسين في صالة ̎ تكساس̎ غير مبال بخطورة ما أقبل عليه.
لا فكرة لديه بأن أخباره ستصل لأنني أنا وصديقي نعمل كمخبرين سريين لصالح ̎ فورطو̎ مهمتنا رصد أخبار عشيقته في فترات غيابه.
وقد فعلنا ذلك مع أكثر من شخص وكل من تسول له نفسه ذلك حتى معلمنا المصري لم يسلم من بطشه وقد لحقه أذى وفضيحة مدوية.
ففي احدى الليالي تجرأ أيضا وقبّل الشامة على الخد وغمزة ̎ سمرا ̎ تذبحه بلا رحمة.
عاش ليلتها هياما وصبابة جعلت من صباحه أسودا فقد تلقى أمام باب المدرسة لكمات قاسية وركلات مهينة وشتائم مقززة ولكنه اكتشف أمرنا فيما بعد ففعل ما فعله بنا في الفصل من تنكيل وأشفى غليله منا إلى حد ما ومذ تلك الحادثة فارقنا مقاعد الدراسة بلا رجعة.
في غضون ثوان قليلة نال ̎ فورطو̎ من خصمه، ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان استعان الدركي بسلاحه وأطلق النار ولحسن الحظ أن الطلقة أخطأت الهدف وذهبت سدى في الريح ثم التطمت بالجدار وأصابت إطار اللوحة المعلقة بجانب المرآة فسقطت صورة الرئيس في صحن المرحاض وتلطخ برنسه الشاوي وذابت نظرته الحادة.
وسط تلك الضوضاء والعتمة تمكن ̎ فورطو̎ من الفرار وذاب كظل شبح.
هزنا زعاق شامبيط البلدية الذي تناهى إلى مسامعنا معلنا بداية الحصار نداءاته غير منقطعة وكأنه النفير العام: يا إدريس … يا إدريس … ̎ هات السندغة والبندقة و الفغفاغة والكارطوش ̎
لحظات وحاصرت ̎ البڤعة ̎ المكان واعتقلوا كل من فيه وشمعوا المقهى.
الرتابة والملل والإحباط العام يجتاحني أنا وصديقي بعد تمكننا من الفرار عبر نافذة خورج الإنقاذ ولم يكن لدينا أي خيار غير التوجه إلى شارع الوطاويط وثمة تلقينا ضربات موجعة كلفتنا خسارة كل ما جمعناه من تجارتنا.
ففي كل جولات المقامرة لم يحالفنا أي حظ للفوز، أنفقنا مال كثير على عجلة الروليت والتي دارت بكرتها عكس ما نهوى، ولم تفلح حتى ̎ الفراكات ̎ المتبقية في إنقاذ إفلاسنا خانتها الجاذبية وغرقت في دلو الماء الممتلئ بائسة دون أن تسلك طريق النجاة وترسو على قاعدة الكأس.
ولولا فطانة صديقي بالانسحاب لكنا ضيعنا ثمن التذكرتين لحضور البث التليفزيوني بصالة ̎ ̎ ̎تكساس̎.
مبتئس ومثقل الخطى وجوع يتجول في بطني لا يفارقني منذ هجرت مطعم المدرسة وسخام يعفر ملامح وجهي وقمل كثير يهرش جسدي وسعال جاف يسكن صدري و مخاط لزج يسحبني و أسحبه وإذا برنين دينارين يتفسحان في جيب صديقي مما جعلني أستعيد شيئا من طاقتي وحيويتي ونحن نشق طريقنا إلى بيت والدة ̎ فورطو̎ .
هناك حضرت نسوة الحي للتضامن وغص الحوش بالأطفال وعدنا معهم للألعاب الصبيانية لعبنا مع أم الخير ̎ الزرزومية ̎ وصديقاتها ̎ حميمة لميمة ̎حتى التخمة وألعاب أخرى سخيفة كلعبة ̎عرڤ الإسهال ̎ ولعبة ̎عضبة الفكرون ̎ المؤلمة و ̎التيكس̎ الفاحشة مع الأبلهان حيطش وميطش.
شارد ذهني في جنين صالح و التفاح النفاح المغروس في للواح وإذا بڤزانة عداسية تتوجه مباشرة إلى بيت الأموات أين كانوا قد عزلوا الرضع و الصبية المصابين بوباء الزقدان .
حين دخلت الغرفة كنا كلنا نتلصص على مضض لما تقوم به من تعويذات ونلمحها كيف تعلق التمائم على رقابهم وأذرعهم.
حين أفرغت من رقيتها غطتهم بغطاء بورابح زواوة الأحمر وأطلت علينا تطلب نشرة الفروج.
كنا نسابق الوقت ونحن نطارد دجاج القرية وقبل غروب الشمس ظفرنا بديك نوّار الفول.
بالموسى نحر الذباح على المعزة عنقه وكم هي رائعة تلك الرقصة التي رقصها الديك المذبوح في الفناء وريشه يتطاير في كل مكان ودمه يتفجر ثجاج حامي والڤزانة تلاحقه وتجري خلفه وتتمتم بكلام غير مفهوم.
على نار مستعرة نضب حساء عدس بالدجاج احتسى منه الناجون من الصبية وسمعناها تقول: احفروا خمس قبور … جات سلامات جات سلامات ….
سارعنا الوقت ببطون ممتلئة بحساء النذر وديكة الأرض تصيح في بطوننا حتى كدنا ̎نعوعش̎ .
تمكنا من الدخول لصالة ̎تكساس̎ آسفين على ما ضاع منا مما نحب من برامج كميكيات فيكي الفايكينڤ والأفلام الصامتة ل تشارلي تشابلين التي يعشق نساءها العقيد ̎ خوروطو̎.
على فكرة ذكر العقيد فإنه لم يشارك في أي حرب وهذا ما أخبرنا به معلمنا قبل أن تسوء علاقتنا به حين سأله أحد التلاميذ النجباء عن حروبه وعلاقته بالسلاح.
تبسم معلمنا وذكر أنه لايزال يشارك في مقاطع لفلم وثائقي دون علمه بتحايل من المخرج حتى يؤدي الدور على أكمل وجه ومصادفة أن ملامح العقيد مطابقة تماما للشخصية المطلوبة وعلى ما أذكر كان طباخ الجنرال رومل.
كشحارير شجرة خروب صفعتها ريح الخريف على القفا تناقز المتفرجون من أماكنهم وهاجموا ملامحها بعبثهم ومجونهم وانطفأوا في لوعتها في فضاء تلك الحجرة الطوبية إلى أن حانت غمزتها التي ذبحتهم جميعا فما شعروا حتى تعاركوا على تقبيلها وكأنهم يشعرون بحريتهم في غياب عشيقها الباسل ̎فورطو̎ فسقط التلفزيون وصوت جينيريك [غنية ̎ ڤهوتنا شامة وهي تسكب على الفنجان …̎ بالكاد تتنفس حتى تفجرت الشاشة.
ضربت أخماس بأسداس وعدت مع صديقي من حيث جئنا.
نحيب النسوة الثكالى أفسد غفوتنا وجعل من النوم يغادر جفوننا ، تندبن تلطمن وجوههن تمزقن ثيابهن حتى الهزيع الأخير سقطن مغميات في صرعة زهڤات لهلاك .
الصبي ̎ بوفرططو ̎ الذي نام بجواري استيقظ مسرنما وقد ركبه جنون حمار الليل.
شّرع بكف يده التي تملأها خطوط زهرية الحظ ووجهها نحو السماء وكمن يرى من خلف ستار سرد أحداث تلك العوالم الخفية: انظروا …انظروا… ها هو يستحم بغدير مضخة الماء الروسية وأشباح الظهيرة تتعرى وترقص لعرس ̎ الترڤو̎ … ̎ فورطو̎ عريس الليلة سكون دخلته على ملكة الجن ̎ الترڤو…̎ ثم صاح أي ..أي وصعق فاقدا لوعيه .
في الصباح استيقظنا على اختفاء الڤزانة التي تمكنت من سرقة ملك الحظ صاحب مفتاح الكنوز صبي النور ̎ بوفرططو̎ .
قوات الأمن سارعت إلى حي المشتلة وكأنها علمت بمكان تخفي ̎ فورطو̎ المحتمي بمحلة من الجن، محاولات كثيرة لاعتقاله كلها باءت بالفشل فكلما اقتربوا منه عصفت ريح عاتية وتجمعت في إعصار لولبي مدمر̎ قبارة الجنون̎ فحالة دون الإمساك به وفي الأخير استعانوا بكبير العزامين الذي أوصد عمل الجن فتم اعتقاله بعد أن تلبسه جن بلحمر .
رغم إقناعات صديقي بنبل أخلاق ̎ فورطو̎ إلا أنني كرهت تصرفه بزواجه من ملكة الجن وخيانته للعشيقة التي طالما حرسناها ومذ تلك اللحظة سقطت من عيني و قلبي تلك الشخصية التي احببتها كأبي و لم يؤثر في نفسي دفاع صديقي عنه حين قال ̎ الرجال يتزوجون أربع ويخونون كما يحلو لهم ̎ .
ندلّي بأرجلنا إلى الهواء ونحن نمتطي عربة الحوذي̎ برارج̎ الشوارطي الذي دفن جثامين الصبية الخمسة بمقبرة سيدي بن يوب. ̎
برارج̎ محارب قديم فقد بصره في حرب لاندوشين بعد غارة بغازات سامة في إحدى المعارك ورأفة به وضعوا له عيونا اصطناعية من البلار ملونة كقوس قزح.
هو ينام أكثر مما يستيقظ يتنشق الشمة الأغواطية أكثر من الهواء ويعطس أكثر مما يتنفس من لايعرفه يرعبه بملامحه المخيفة وتصرفه المرعب حين يقتلع عيناه ويلتهمهما لتنظيفهما بلعابه.
حين يضع رجل على رجل في وضعية ̎ كريوع شتوح̎ في أي رصيف يصادفه نعرف انه يغط في نوم عميق فنقتلع عيناه ونلعب بها ̎ البوس والبي ̎ .
رغم بخله الشديد تمكنا من إقناعه من شراء يناصيب الجائزة الكبرى من ̎ ڤانية̎ الاستقلال التي حطت رحالها اليوم بجوار قسمة الحزب.
شحط بسوطه الحصان وقبل الفكرة، ضربة حظ رائعة لقد فزنا بتلفزة ملونة وطقم أواني من احدى عشر صحن للمنتخب الأرجنتيني.
في تلك الليلة السارة أكلت بازلاء بين أفخاذ ̎ مارادونا̎ وكل السكان متلهفون لمجيئ البث لكن بسبب عطب (الأنتين) لم نتابع أي برنامج وانتظرنا لليوم الموالي وبالاستعانة بمختص جاءت الصورة الحية ولمدة أربعين يوم ظل الرئيس يموت كل يوم في بيت ̎ برارج̎ والجموع الغفيرة تتابع الجنازة بدموع حارقة.



