“طوق المحبة” / بهيليل فضيلة
بواسطة admin بتاريخ 12 أغسطس, 2021 في 04:41 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 722.

هناك أحلام نبنيها، وهناك واقع يدك تلك الأحلام دكا على مرأى منا، فنعجز حينها أن نكون كما نريد، ويصبح عالمنا مرهونا بما يريد هذا الواقع فحسب.

جلست على حافة الوادي أستمع لهديره مغادرا دون أن يلتفت إلي، ليس مهما أن يراني فأنا بالنسبة إليه لا أعدو كوني حجرا يتطفل على رحلته. فكرت كثيرا في المصيبة التي أقحمت نفسي فيها، مالي ولخديجة؟ لماذا تخفي رسائلها عندي؟ ، ثم إن أمها لا تجيد القراءة ولن تهتم لأمر رسالة يرسلها عاشق مسّه الجنون وطحن قلبه الهيام، فراح يلتقط كلماته ويدثر معانيها في حنو.

سحبت أصابعي من حافة الوادي أنفض ما علق من طين عليها، بينما كانت رسالة مصطفى لخديجة لا تزال مندسة كتميمة أحكم إغلاقها داخل جيب تنورتي. تحسستها مرات أطل على جزء منها ثم أعيد إرجاعها كأني أخفي جريمة كبرى. الحب جريمة لا تغتفر مهما صدقت النوايا. يكفي إثباته لينزل العقاب سريعا. ولا يكون الحكم عادلا عندهم ما لم يتم تفريق المحبين وبيع علاقتهم بثمن بخس.

تذكرت قريبتي حورية حين افتضح أمر حبها لسليمان ابن جارهم، فزوجها أبوها لشيخ كفيف كان يعد أيامه الأخيرة بسبحته عقب كل صلاة. بينما اعلنت خطوبة سليمان من طرف أمه، كأنما أعلنت بذلك عن انتصار ما وقد أطلقت زغرودة انتشاء بسطح بيتها، زاجة به في سجن زواج ما لبث أن فر منه، متأبطا رسائل حورية، تائها في صحراء تيميمون يعانق الريح التي تحمل له نسماتها، باكيا حبها بأرض لا عهد له بعرقها ونخيلها. يخط بسعفه كلمات كانت ترتلها على مسامعه كلما سرقا لحظات بالواحة، ليدثرها النخل ذُكّار حب إلهي امتدت إليه يد البشر فدنسته.

وعلى الأفق برق وغيم يداعب الريح، ثم يتركها أعلى الجبل تستريح. سارعت الخطى حين أرعدت، وبيني وبين القرية سنوات من العد التنازلي. لابد أن أعود سنوات للوراء، أنتعل جهلي وألج ببدائيتي قريتي. رحت أعاند سطوة الريح وسياط المطر ،  ويدي على جيبي تحرس الرسالة من البلل دون حتى أن أعرف محتواها، يكفيني إخلاصا أنها كتبت لصديقتي ولم تكتب لي.

عند الباب استوقفتني حياة ابنة خالتي الكبرى التي أعجبها المقام عندنا فأضافت عطلة أخرى ، وشى ارتباكي سرا ما فراحت حياة تسل رباطه بخبث حتى وقعت على يدي التي تقبض الرسالة بشدة داخل جيب التنورة. حاولت إبعادها ففشلت، اختطفتها مني بعدما تمزق جزء منها، وراحت ترفرف بها عاليا كعلم، دون أن تدري أنها كانت ترفرف بقلبي الذي أوشك نبضه على التوقف خوفا.

بغرفة الضيوف راحت تقرأ الرسالة بصوت مرتفع، على مسمع من أخواتي و خالتي فتقهقهن ، وما علمن أن والدي كان ينام خلف الجدار القصير الذي اتكأن عليه تحتسين أحاديث المساء . لم أدرِ حجم المصيبة إلا ووالدي يهرول نحو ابنة خالتي بلحيته البيضاء التي غطت حروف شفتيه، ممزقا بوجهها الورقة .

كنت قد اطلقت ساقي للريح أخفي جزءا من الرسالة التي اختطفت جزءها الآخر ابنة خالتي بمزاحها الثقيل، وحين أيقنت أني صرت على مسافة أمان، جلست ألتقط أنفاسي ويدي تسحب الجزء المتبقي من الرسالة المشؤومة رغبة في التخلص من آخر دليل وبي فضول لمعرفة ما حوته.

 انتفض قلبي لِما قرأته، وزادت دهشتي في اكتشاف هذا العالم الغريب الذي لا عهد لي به. لم أشعر إلا وشفتاي ترددان  كنغمة سحر أول ما خط من الرسالة:

“الحب -أعزك الله- أوله هزل وآخره جِد دقَّت معانيه لجلالتها عن أن تُوصف، فلا تُدرك حقيقتها إلا بالمعاناة”[1].



[1]  من كتاب”طوق الحمامة” لابن حزم الأندلسي.

اترك تعليقا