كيف يُقتَل الثوار؟ عن قصة ” الرقصة الأخيرة”، من المجموعة القصصية ” ظمأ الغيمة السابعة” للكاتبة رتيبة بودلال./ د/ بهيليل فضيلة
بواسطة admin بتاريخ 20 أغسطس, 2021 في 06:43 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1185.

“الرقصة الأخيرة” عنوان لإحدى قصص المجموعة المعنونة ب”ظمأ الغيمة السابعة” للكاتبة رتيبة بودلال الصادرة عن دار “الألمعية” سنة 2016 .هي “نوارة”.. وجع الأنثى وصرخة من أعماق الذات المبحوحة كبتا وقهرا، نوارة شاخت وتآكلت خلاياها بأورام زرعها مجتمع مريض بذاكرتها حتى بات من المستحيل أن تشفى وهي ترى أمامها كيف تحولت أحلامها لسراب.

صادفتُ القصة مسموعة على اليوتيوب بصوت المبدع المتألق ” رابح جعفر” فراقتني كثيرا خاصة مع امتزاج القصة بالموسيقى والأغاني التي وظفتها الكاتبة في النص، فلا نكتفي بقراءة كلمات الأغنية بل وبالاستماع إلى المقطع المكتوب أيضا، هو الأمر الذي أضفى جمالية وأبعد المتلقي عن القراءة الرتيبة.

 راقتني القصة وإن كانت موغلة في الكآبة والحزن إلا أن سردها الجميل وكلماتها التي تناثرت كملح على جراحي شدتني لأكمل الاستماع إلى باقي القصة ثم قراءتها ورقيا بعد ذلك، فنوارة ليست نوارة رتيبة وحدها، بل كانت نوارتنا جميعا؛ أنا…هي… هن…، مرآة عاكسة لمعاناة الكثيرات ممن فاتهن قطار الزواج. عرضتها الكاتبة بأسلوب شيق منذ أول فقرة من القصة حيث تقول:

” يصدح صوت فيروز  عميقا كجرح عتيق:

يا طير… يا طاير على اطراف الدني…

لو فيك تحكي للحبايب شو بني… يا طير…

لكن لأي أحباب سيحكي الطير؟ لحبيب طال انتظاره ولم يأتِ؟ لفارس فاته أن يتعلم امتطاء الخيل؟ أم لعاشق خيالي لا يوجد إلا في أوهام عانس على مشارف الخمسين؟”[1]، منذ الفقرة الأولى للقصة نشعر بالغربة والوحشة التي يخلفها صوت فيروز المبحوح وهو يسأل الطير، فيذبح السؤال نوارة : “لأي أحباب سيحكي الطير؟” ويغرق القارئ في حزن عميق.

لم تحتج الكاتبة لأن تنوع كثيرا في الأصوات وتحشو قصتها بالشخصيات، بل اكتفت بصوت “نوارة” الطاغي على النص السردي، معتمدة تقنية المونولوج أو الحوار الداخلي الذي عكس تشظي الذات جراء ما تعانيه من تهميش وقيود اجتماعية ونفسية، جعلتها تكتفي بالحديث إلى نفسها والعتب على من كانوا سببا في عنوستها، كانت تحكي ساخرة من أولئك النسوة اللواتي حضرن علنا للتعزية ، وسرا للتشفي والشفقة بعدما غادرت الوالدة للأبد، تاركة نوارة العانس التي شارف عمرها الخمسين، ولم يعد لها بعد وفاة أمها غير الوحدة والألم.

إن المطلع على قصة “الرقصة الأخيرة” سيلاحظ مدى الثورة الداخلية التي تنفجر كبركان في أقسى لحظات الألم، فنوارة قد طفح بها كأس الصبر، وفاضت روحها كراهية فراحت تصب جل غضبها على النساء الحاضرات، ولا غرابة في ذلك فإن جل ما تكتبه المرأة أو ما يدرج ضمن الكتابة النسوية يمثل “ثورة وتمرد على مظاهر التهميش التي طالها جسدا وروحا، ذلك أن المتأمل للمشهد الإبداعي النسائي، يجده هذا الأثر  العنيف للمغامرة، والثورة، يبتدئ من صراع الذات مع ذاتها، ليتحول إلى صراع مع العالم المحيط بها”[2].

يبدأ السرد من حيث انتهت القصة “موت الوالدة” وتجمع النسوة للعزاء في بيت نوارة، ذلك التجمع الذي آثرت الكاتبة أن تسميه عرضا بدل عزاء، لما ترى فيه من فرجة و تمثيل أدوار وسخرية، عكس العزاء الذي يتوجب الحزن وعدم الثرثرة احتراما للميت وأهله. فهي كانت تراقبهم ، تشمئز من كذبهم ونفاقهم في ادعاء الشفقة عليها، ” رحلت أمي وكان علي بمناسبة رحيلها أن ألتقيهن جميعا، أن أسمع من جديد كلماتهن المسمومة وتساؤلاتهن المحمومة: ‘..المسكينة لو أنها تزوجت في الوقت المناسب لكان لديها الآن أحفاد، من سيؤنسها بعد المرحومة ‘ (…) كان عليّ بمناسبة رحيل أمي أن أرى من جديد نظرات الشفقة المذلة، وتمتمات الشفاه المتطفلة على كهف وحدتي وقلعة بؤسي”[3]، ثم تضيف نوارة معاتبة في سرها النسوة اللواتي حضرن العزاء ، تقول: ” لماذا يشفقن عليّ الآن؟ عندما كنت مهرة برية تركض في براري المرح لم تفكر واحدة منهن في خطبتي لابنها أو أخيها، ورغم علمهن جميعا بمهاراتي في أعمال البيت إلا أنهن كن يكتفين بالمدح والثناء، وعندما يرغبن بتزويج أولادهن يخطبن الصغيرات الغريرات”[4].  تواصل نوارة كأنها تلوم أمها أيضا لأنها تفكر مثلهن ولأنها لم تساعدها في الحصول على زوج مناسب وكذلك الأمر  بالنسبة لخالاتها وعماتها وجاراتها لأنهم جميعا برأيها لم يساعدنها على الزواج” لماذا لم تحاول أمي أن تجد لي زوجا أخلص له كالأمة، وأتوسد عشب صدره كل عمري؟”[5]،” حتى أمي سامحها الله زوجت إخوتي كلهم من بنات مراهقات تحتّم عليّ أن أعيد تربيتهن من جديد، كلهن كن حمقاوات تكاد الواحدة منهن تهدم زواجها لأتفه الأسباب وكنت ألعب معهن جميعا دور قاضي الغرام”[6]،”أنا غيمة حبلى فلماذا لم أجد الأرض التي أنهمر عليها فتزهو وتزهر؟ لماذا لم تفكر لا عماتي ولا خالاتي ولا جاراتنا الكثيرات في منحي الفرصة لأهطل وأهطل وأنتشي عطاءً؟”[7] .

 نوارة ذبلت انتظارا، ذبلت عطشا، ذبلت شوقا ليوم تصبح فيه عروسا فأُماً فجدّة، نوارة كبرت ولم يشم أريجها رجل، ورغم ذلك ظلت تحتفظ بجهازها الذي انتقته قطعة قطعة لرجل سيكمل معها باقي المشوار ، تقول: ” ارتقبتُه طويلا وخبأت لأجله الحرير  والعطور” [8]، إلى أن استفاقت على صفعة أعادتها للحقيقة، حقيقة أن القطار قد فاتها ولم تعد مطلوبة للزواج، كان ذلك يوم تقدم جار نوارة الأرمل فأقنعت نفسها قائلة “لا بأس بكونه أبا لستة أيتام” ثم تتفاجأ:”لكن الأخرق لم يخطبني أناـ بل خطب ابنة أخي المراهقة، والمجنونة وافقت، أم أنها وافقت حتى لا تُجن؟”[9]، حينها أدركت نوارة أنها ما عادت نوارة كما كانت تقول جدتها ” نوارة النوارة” وأن أحلامها قد تبخرت وصارت سرابا.

قد يبدو للقارئ أن الكاتبة رتيبة بالغت قليلا في عاطفة الكراهية والحقد ، خصوصا تلك التي أكنتها للمُعَزّيات الحاضرات، غير أن ما يبرر ذلك هو أن نظرة المرأة للزواج تختلف عن نظرة الرجل، إذ أنها مرتبطة بسن معين للإنجاب عكس الرجل وكل تأخر في الزواج سيكون عدا تنازليا تقلّ معه فرص الإنجاب والأمومة، وبالتالي تقل فرص الزواج. وهذا ما يولد لدى المرأة كل تلك المشاعر الحاقدة التي ستدفع بها لاحقا إلى العزلة والابتعاد عن أماكن الأعراس والصخب.

ينتهي المشهد برقصة أخيرة تكون ختام الحلم بالزواج، ونهاية قصة لم تبدأ لامرأة لقبتها الكاتبة بأرملة حب، ظلت تفتش وتنتظر إلى أن انقطع آخر خيط كان يربطها بالأمل حين تدرك أنها ما عادت قادرة على الإنجاب. في مشهد حزين أبدعت الكاتبة نهايته، تقول بعدما كانت تستمع لأغنية “ع بالي حبيبي” للمغنية لإيليسا “هذه المرة الأغنية ليست من أجلي، ها هو شعري الأشيب ، سأسدله على كتفي من أجلك ، لن نشيب معا فقد شبت منذ زمن لوحدي، لن أحمل اسمك ولن نربي أطفالنا معا فقد تجاوزت سن الخصوبة وحدي، لكننا نستطيع أن ننقذ رقصتنا الأخيرة.. الموسيقى ساحرة وهادئة، تناسب الرقصة الأخيرة ، يداي تمتدان في الهواء تتناغمان مع أنين اللحن، خصري يلتوي برشاقة لم أعهدها من قبل، وأنا أثب على أطراف أصابع قدمي الحافيتين، المدى بحيرة جليد ناصعة البياض، وأنا… أرملة الحب الذي كان يمكن أن يكون، ها أنا أحلق، تحف بي فراشات بيض وشموع بيض، وصوت إليسا لا يزال يصدح…”[10].

بلغة جميلة يلفها الألم والندم على العمر الذي ضاع هباء، نسجت لنا القاصة رتيبة نص ” الرقصة الأخيرة”  جسدت من خلاله معاناة المرأة وهي تعرض لنا أدق التفاصيل بحياتها، بل حتى تلك المشاعر الدفينة التي لا تجرأ أن تقولها علنا، رغم أنها تعذب قلبها وروحها وجسدها ، فاللغة ” السردية عند المرأة ملتقى الأنا والآخر ، اقترابا وافتراقا، وهذا التجاذب والتنافر، على مستوى الوحدات السردية ، هو الذي يمثل مركز التوازن في كتابة المرأة الممزوجة بالنشوة والحب ، والسخط والغضب، والرغبة والرهبة عبر نسيج النص وخلاياه”[11] ، تقول : ” أمي كانت في البداية قلقة علي، لكنها فاجأتني إذ قالت ذات مرة: ‘ربما كان عدم زواجك من حسن حظك، ألا ترين حالي؟ حتى في هذه السن وبعد أكثر من خمسين سنة من الزواج مازال أبوك يحرمني من أداء صلواتي في وقتها، ماذا تجني المرأة من الزواج سوى القرف الدائم و…و …و…؟’. منذ ذلك اليوم وأنا أتساءل: هل تدرك أمي أنها شقتني نصفين بكلامها؟ كيف تتذمر من امتلاك غرفة نوم مريحة ورفيق عمر حنون مثل أبي؟”[12]، “منذ ذلك اليوم وجدتني رغم أنفي أنتبه إلى الصباحات التي لا تنهض فيها لصلاة الفجر، بل وأنتبه إلى تنافس كا إخوتي في إظهار الكسل الصباحي بخبث بالغ، جعلتني أنتبه إلى حرماني وجوعي”[13].

 هكذا غاصت الكاتبة بأعماق المرأة العانس كما يحلو للمجتمع نعتها،من خلال تقديمها للقارئ عن طريق الحوار الداخلي للذات، هذا الأخير الذي يفتح المجال أمام قبول القارئ لتلك الأفكار المطروحة أو اعتبارها مجرد هلوسات، فالكاتبة كانت  ذكية في طريقة عرضها موضوع العنوسة بحيث اكتفت بالمونولوج لتقدم لنا  تلك المشاعر الملتهبة المتلهفة العطشى التي لا تجرأ على قولها صريحا “أريد الزواج” أو تخطب لنفسها وتحب، أمام مجتمع يرى كل ما فيها عيبا وممنوعا “، اللعنة… لماذا كان عليّ انتظار أحدهم؟ لماذا لم يكن من حقي اختيار أحدهم وخطبته لنفسي” [14].

” الرقصة الأخيرة” قصة كل امرأة ظلت تنتظر رجلا يدق باب العمر ليكملا المشوار معا، قصة كل امرأة وئدت آمالها قبل حتى أن ترى النور باسم الخجل حينا، والعادات أحيانا…إلى أن غادر  ملفوفا بالشيب…ذاك الحلم.



[1]  الرواية، ص:16.

[2]  د/ الأخضر بن السائح، سرد المرأة وفعل الكتابة، دراسة نقدية في السرد وآليات البناء، دار التنوير، الجزائر، 2012، ص: 31.

[3]  الرواية، ص:17.

[4]  الرواية، ص: 17.

[5]  الرواية، ص: 20.

  [6] الرواية، ص: 17-18.

[7] الرواية، ص:18.

[8]  الرواية، ص: 20.

[9]  الرواية، ص: 21.

[10]  الرواية، ص: 29.

[11]  د/ الأخضر بن السائح، سرد المرأة وفعل الكتابة،ص: 37.

[12] الرواية، ص: 25.

[13]  الرواية، ص: 25

[14]  الرواية، ص:20.

اترك تعليقا