الرسائل… نبض يخفق هنا ليتردد صداه هناك… حرف يغترف من بحر الذكريات ليرتسم ابتسامة شوق على ملامح تقبّل بريدا قادما من سحر شجيرات توت جيجل، وعناق الروح للروح هي الرسائل.
ما أجمل أن نكتب للأصدقاء، ما أنبل أن نداوي ندوبنا بترياق كلماتهم وهي تحلق داخل ظرف لثَمَتْه عشرات الأنامل بحب وبدونه، بمزاجيات تختلف من صديقٍ مُرسِل إلى موظف بمصلحة البريد، إلى موزع الرسائل لتحط أخيرا عند الشخص المنتَظِرِ بفرحة طفل حلوى غواياتها.
عالم الرسائل الورقية …عبق النوّار… وقع الدهشة المرسومة ورعشة القلب الذي ينطّ فرحا عند استقبال ظرف المحبة ، عالم الصفاء الذي يتجلى كنهر متدفق ينحت عشقه على جَلد الصخور، لنرتشف – نحن المتطفلون على الرسائل – ظمأ الغيمات الراحلة.
اليوم، يُخرج الصديق الوفي “جعفر رابح” صندوق الرسائل، لا ليتفرج وحده ككل مرة على رسائل صديقه عبد الله شاكري بعد أن ينفض عنها الغبار، وإنما ليهدينا عبق الذكرى ويجدد وصال الحنين. ها هو يحن إلى ضم صديقه الذي غيّبته أيادي الغدر بربيع العمر ، لينثر أمام الملأ عبير كلماته بِتِلّات تزهر بقلوبنا رغم حزنها وألمها. ها هو الصديق الحميم يشرع نوافذ الذكرى فتحلق روح الشاعر المغتال غدرا في عز شبابه ، نشاركه ما كان اعتراه من آلام مخاض الكلمات لتولد قصائد موشحة بالسحر وعذب المعاني، وأحلام بشساعة البحر بل تزيد.
بين الحزن والفرح، بين الألم والأمل خيوط رفيعة جدا تنسج حكاياتنا ، وبين الفجيعة والفرح امتطى الراحل صهوة القصيدة فتدفق المعنى قبسا من حزن لم يزدنا إلا خشوعا وتعلقا. يقول في رسالة له ردا على رسالة صديقه “جعفر رابح”:
“بين الفجيعة و الفرح ، نمتطي حبل القصيدة
ونثير زوابع التشكيل في قوالب المعنى
إننا نريد أن نكون
ونصنع أصبغة النور…
كل الرؤى.. رغوة الاحتواء
وكل المسالك .. أقطاب الرؤيا ..
وفي ماضي الأيام الآتية …
ها حمائم الروح تنتشي باغترابها
ثم ماذا بعد الفجيعة؟!…[1]
بين ألم الغربة داخل الوطن و التي يخلفها حب الوطن، في سنوات خلت عاثت أيادي الشر فسادا، حاربت كل طاهر جميل، اغتالت كل عصفور كان حلمه فقط أن يغرد… أن يصدح بقصائده للحب والحياة والإنسانية، وما كان لعفنهم أن يتحمل كل هذا النقاء فرموه بحقد رصاصهم ليدفنوه وما علموا أنهم وهبوه الحياة، هو القائل يوما بإحدى رسائله:
“… قصائدنا محفوفة بالهزيمة و التعثر في مجتمع يكفر بكل جميل و يرفض التوغل في متاهات الهيكل الذي أمامه،
مجتمعنا صديقي ميت ، حد التفاهة !
مجتمعنا لا يقرأ و فوق كل ذلك يقتل مثقفيه و يتجاهل صراخهم ، رحيلهم ، غناءهم ، صهيلهم …
مجتمعنا صديقي مجتمع غبي حد اللعنة !
لو تدري صديقي رابح كم كرهت هذه الورطة التي رمتني في سفريات النص التي تزيد الهوس ولا تفتح آفاق الضياء، لو تدري يا “ريبوح” كم سئمت أن أكتب …
كم سئمت هذا ( الميليو) الوسط ، لدرجة أنني أبكي حظي اللعين كلما آويت إلى غرفتي الحزينة ….
أشعر بالضعف ، بالتخاذل ، بالوهن … بكل شيء إلا الفرح و الإقدام ، لكن رسالتك و بعضهم الرائعون تقتلعني ولو للحظات من هذا المشهد الذي أضحى ملازما لي هاته الأيام ….
إن الشيء الذي يزيد في فوهة الهوس هو أني كلما قررت الابتعاد عن هذا الضياع الذي هدّني إلا وجدتني أكتب !!….
اللعنة ، متى أنتهي؟!!..
متى أموت ؟!!..[2]“
لكنه لم يمت ولن يموت، ها هو صديقه رابح اليوم بعد ثمانية وعشرين سنة، يعيد بعث ذكراه من جديد لنحاكي رسائله الشاهدة على ما كان يحدث، ولا شيء أصدق و أقرب للروح من الرسائل، تلك التي نمارس عليها حبنا وجنوننا وأحلامنا ، نهديها أفراحنا وأحزاننا بعفوية مطلقة ودون قيود. كلما كانت مرسلة لأقرب الناس إلى قلوبنا كلما كنا أكثر صدقا في البوح والفضفضة ، ورابح لم يكن مجرد صديق عابر أو صديق صدفة، بل صديقا حميما عاش مع عبد الله أهم مرحلة بالعمر تشاركا فيها هموم حياتيهما معا حتى في تفاصيلها الصغيرة التي قد تبدو للآخرين عابرة، عبد الله صرح في رسائله عن الرابطة القوية والصادقة التي جمعته برابح وبمدى عمقها حين يناديه في رسائله بقوله: ” الحميم رابح”، “الصديق الحزين”، “الرفيق”، “صديقي الرائع” وكلها تعكس مدى العلاقة التي كانت تجمعهما سواء بعالم الكتابة أو خارجه.
لم يكن الشاعر عبد الله يكتب بالقلم، كان ينحت ببارود اشتعلت نيرانه بالبلاد فأحرقت قلوب الجزائريين وظلت خناجر الموت تحزّ رقاب كل مبدع أو فنان أو محبّ للحياة والحرية . وبقانون السفاحين لا مكان لنبتة الياسمين أو الجلنار ، ورغم ذلك… نكاية في أشواكهم المضمخة بالغدر … نبت الياسمين وأزهرت رسائله التي كان يزفها لرابح قصائد بديعة تتدلى عناقيد اللغة فيها فسيفساء بلاغة تتسرب إلى الروح عبر مسامات القصيد، ولؤلؤ خواطر رغم حزنها الذي تضغط صدفته وتين القلب إلا أنها تتحرر لاحقا لتصدح كما النشيد، يقول في إحداها:
“أيها الرفيق ..
هل يمكن أن نشكركم بطعم الجنون كي نثبت تورطنا في الموت ؟!..
هل يمكن لهذا الهوس الرابض في حنايانا أن يعيد لنا وعينا و يفتح لنا فوهة ضياء في دهاليز الروح ؟
أسمع حشرجة الدهشة الآن تتوزع في دواخلي ودا ، ودا ، وبهاء بهاء…
فما عساني أقول ؟
صديقي رابح ، ونحن نمتطي جرحنا الغائر ، و نسافر إلى عمق اللحظة المنفلتة و زادنا حبيبات عرق و مزيد من حمى التشكيل والنسيج كي تفيض على تهويمة الانبهار / الحقيقة ، المطلق، اليقين …
أشياء تؤرقنا لأننا خلقنا لحظة توقف فيها الزمن ، أجزم أننا ولدنا حين توقفت سيرورة الزمان وانفلتنا من جحيم العادي..
نحن خلقنا لنكتب أيها الرفيق ، لأننا لا نملك غير حقيقتنا ، لا نعرف ، لا نحسن التلاعب و الاختباء ، نحن لا نشبه الاختفاء..
نحن التجلي ، التألق.”[3].
بداية التسعينات … ناقوس الموت يُقرع بكل الطرقات، تخفت نيران المواقد في المنازل عند الغروب… لا ضوء يعبر النوافذ، وحده رعب ظلام دامس يسكن الغرف، وأمهات يكتمن بصدورهن بكاء أطفالهن كي لا تستيقظ أفواه الغيلان. وعبد الله هناك…يصارع روحا وجسدا أنياب الغول، درعه دعوات شعب خائف على مصير الوطن ، وبكاء يتامى وأرامل وأمهات يختنق كل ليلة على وسادة خذلان وخوف.
عبد الله كان هناك، يحرس بقلبه الوطن، ورابح كان بجيجل هائما في رحلة بحث عن وظيفة وحاميا لأمه وأهله ، دون أن يهمل مراسلة صديقه ليبث فيه روح الأمل… بينهما مسافة أشلاء تُحزّ رقابها في الطرقات ليل نهار، وسيول دماء أبت أن تُحقن بين بكريين وثغلبيين ظل زيرهم يثأر من كل بريء. عبد الله لم يخف الموت ، هو أحسه فكتب لصديقه عنه عبر رسائل نَعَته قبل أن يموت، رسائل مؤلمة حدّ البكاء، يقول في إحداها:
“أيها الصديق الحزين ..
إننا نشترك في حزن الوطن والقصيدة دموع اليراع وعرق الذاكرة فلا جرم أن تهجر فرحتك و تستوطن معابد التلاشي …
هل أحدثك الآن عني ؟
أنا الآن خلف طاولتي الواجمة
أسكب فرحتي للذي يدّعي الحزن !
وخلف الزجاج رياح
تسبح للسما الراجفة …
ها أنا تأثير وهمي
مبحر في لظى اللحظة الحارقة
إنني متعب بتهويمة الاختمار
مفعم بالتمني لأجل الرحيل
وقد لا أعود إليكم
وقد أعدم الشعر فيّ
وقد .. أنتحر . “[4]
غير أن لرسالته السادسة والأخيرة وخز الملح على الجرح ، اختصر فيها الشاعر عبد الله أوجاعا أرّقته و كبّلت صديقه الذي انطلق بحقيبته من جيجل نحو وهران باحثا عن ملجأ لأحلامه التي مرّغتها بالوحل مطباتُ الحياة. الرسالة الأخيرة كانت حزنا مقطرا اعتصرته الروح الحالمة بشيء من السكينة والحرية والتحليق بعيدا عن دائرة النار.
استهل الشاعر عبد الله رسائله بذكر المكان الذي كان يشهد لحظة كتابته فكانت كما يلي:
- الرسالة الأولى : “بونة…وأرتشف ذهولي” .
- الرسالة الثانية: “بونة…البحر…الأصدقاء”.
- الرسالة الثالثة: ” بونة والذكرى تفترس الخيالات”.
- الرسالة الرابعة: “بونة…لحظات معتقة من الليل”.
- الرسالة الخامسة: “عنابة في يوم غامض”.
ففي بدايات العلاقات تلفنا الدهشة الجميلة والذهول الذي يثمل مشاعرنا فلا نملك غير الانبهار باللحظة، هو ما عبر عنه في رسالته الأولى بقوله :” أرتشف ذهولي” والارتشاف هو شرب الماء قليلا قليلا، كذلك يكون مع فنجان قهوة ، ومبعث ذلك لحظات صفاء نبخل بها على الزمن فنحاول ارتشافها ببطء لذيذ متعمد. لحظة الذهول تلك تخلّف علاقات نحددها لاحقا وفق ما كان من انطباع اللحظة الأولى، هو ما كان برسالته الثانية ” بونة…البحر…الأصدقاء”، وهو ميلاد الصداقة التي يزيدها البحر اتساعا وعمقا، وما بعد الصداقة ذكريات وهواجس للعودة إلى ميلاد اللحظة الساكنة فينا، برسالته الثالثة شيء من القلق الذي يخلّفه بُعد الأصدقاء والشوق للقائهم “بونة والذكرى تفترس الخيالات”، هي الخيالات وحدها من ظلت ترافقه لتفترسها الذكرى ، ويفرش لها الليل لحظات عبور إلى الذاكرة كما كان برسالته الرابعة “بونة…لحظات معتقة من الليل” لحظات لخيالات سكنت القلب وبات الليل مبعثا لاستذكارها وامتزاج حقيقتها بخيالها، ليزداد الأمر تعقيدا في رسالته الخامسة وقد لفّ قلبه كفن الغموض فجاءت بدايتها مربكة : ”عنابة في يوم غامض”، ثم غابت في الرسالة السادسة والأخيرة تلك التوقيعات التي كان يفتتح بها قوله، فهمّه وقلقه على مصيره ومصير صديقه لم يترك له فرصة التفكير في اللحظة ،كان مستعجلا مواساة صديق لم تكن ظروفه تسمح له بمزيد من الانتظار وبدأ رسالته دون مقدمات قائلا:
“رابح صديقي …
كان لرسالتك الشاحبة طعم الدموع في لحظتي المتورمة …
تبعثرني الأسئلة العاتية ، و تتقاذفني الخيالات
تراك الآن تبحث عن هامش في هاوية المكان لعلّ تغريك لفحات الفرحة ، و واجهة البحر لن تمتص منك عرق الرحلة المحملة بغبار الهوس ….
رسالتك هذه المرة سيّجتني بعديد المشاهد الهلامية … و كنت أراك فيها فكرة مبهمة و زئبقية الشكل .. لكنها عبثا تتجنب رجرجة الصفعات…
أعرف أنك هناك سعيا لإرضاء الذين تحبهم و هروبا من قرف الأصدقاء ، ونفاق الأحبة .
و أعرف أنك تعاني إرهاصات الواقع المعفر بوحل الغباء…
كنت أنتظر أن تحضنني بقوة في تبسة كيما تعيد لي فرح الغواية ، ونسترجع ذكريات الرحلة الحلم ، لكنني فوجئت بمكانك شاغرا ، شاحبا و أخبروني أنك آثرت الصمت لفترة هي أشبه بفترة سبات النمل…
أيها الحزين الرائع …
هل تعرف ماذا قلت لهم ؟!..
لقد أخبرتهم أنك لا تملك القلب الذي يقدر على التمحور في صدأ القرارات …
لقد أخبرتهم أنك بصدد جمع أشلائك التي سرقتها خياناتهم اللذيذة كي تعيد انفجارك الأخير الذي سيخضب وجه القصيد بالعبير الموّرد”[5] .
هكذا كان رد الشاعر عبد الله في آخر رسالة قبل أن تمتد إليه يد الغدر الملوثة، هكذا واسى صديقه بعدما علم منه حجم المعاناة التي اضطرته لشد الرحال نحو وهران ، يقول جعفر رابح : ” بعد سعيي وراء وظيفة لم تقبلني ، وبعد انصراف الأصدقاء عني ، وفي غمرة قلق واستياء من كل شيء حولي قررت حمل حقيبة سفري و مغادرة جيجل وهي تعد موتاها و مفقوديها ، حاملا معي دعوة مشاركة في ملتقى البعث الأدبي الأول بتبسة التي وصلتني قبل الرحيل بقليل فأبرقت لهم معتذرا عن الحضور.حين وصلت وهران كان همي الأكبر أن أجد عنوانا أستقبل عليه رسائلي ، فلم يكن غير عنوان نزل قديم رمتني إليه رحلتي …
كتبت إلى عبد الله من هناك ، فكانت آخر رسائله إليّ… بعدها لم يصلني منه رد لأن يد الغدر امتدت إلى روحه الطاهرة فغيّبت عني صديقا رائعا و عنكم شاعرا متوهجا بكل ما تحمله القصيدة من نور .. رحم الله صديقي” .
هكذا كانت الرسائل في زمن سيول الدماء، تكتب بماء الدمع وتخضب بحناء القلب لتهدينا نصوصا متوهجة حبا وصدقا وإخلاصا رغم كل ما أحاط بهما من عفن ، فالقلوب الطاهرة تزهر مهما كان محيطها قاحلا..تطلع من بين شقوق الذاكرة وصخور الألم …صديقان فرقهتما الحياة وغيّب أحدهما الزمن ، لكن جمعهما معا حب الحياة…والإخلاص للأهل وللوطن.
[1] الرسالة الأولى، عنابة 12/06/1993.
[2] الرسالة الخامسة، عنابة 02 /10/1993.(حسب طابع البريد على الرسالة)
[3] الرسالة الأولى، عنابة 12/06/1993.
[4] الرسالة الثانية، بونة 27/07/1993 .(حسب طابع البريد على الرسالة)
[5] الرسالة السادسة والأخيرة



