أليس الاستثناءُ هو القاعدة الإبداعية الراسخة الناسخة، عندما يتعلق العمرُ والأمر بحالة إبداعية استثنائية في المشهد الأدبي العربي المعاصر؟
هي حالةُ حُبّ وحرب معا ، عِيشت لميلاد أحد السّيوف الإبداعية التي ضاقت بأغمادها النمطية ، فانزاحت عن القطيع المعهود فيصلا شاهدا على أن الكتابة وعيٌ يسبق ميلادنا البيولوجي بقرون وأمم مختلفة ، وهل خُلقنا إلا لنكون مختلفين متجددين متعددين !؟
تلكم حالةُ رَجل الشمس التي طلعت فعبرت الحدودَ الجزائرية الشرقية لتبث الرُّوح والرَّوح في عَلمٍ استثنائي ، وتمنحه سحرا إبداعيا يفكّ به عقدا ظلت منفوثة في المشهد الأدبي العربي، وتهبه مقدرةً على محو الحدود بين أجناس أدبية متحاورة متجاورة متآزرة ، وهل الحياة إلا خطّ ومحو،فخطّ فمحو ؟!
حالة استثنائية جدا لِذاتٍ تفكّر بعقل رياضيّ خالصٍ لوجه متتاليات الحياة بمجموعات تعاريفها الغامضة،و باشتقاقاتها و تشققاتها وجذورها، فتكاملاتها وعودتها إلى محاضنها الأولى، بجبرها للأرواح وهندستها للمفاهيم، موحدّةً مقاماتِ الكتابة والكتّاب، مفكِّكةً مرُكِّبة راسمةً منحنياتِ الدوال الحياتية إبداعا خالصا،!!هي الحالةُ نفسُها التي تفكّر بعقل رياضيّ دقيقٍ صارم ، ستفكر بعقل أدبيّ رقيقٍ حالم ، ويتفرق حبرُها بين أمم أجناسية مختلفة الكون واللون ، فتتلبّسنا دَوالُ الأفكار وهواجسُها واشتقاقاتُ اللغة وظلالُها ، وتكاملاتُ المفاهيم ومكمّلاتها ، وجذورُ المصطلحات ومحاضنُها ومنافيها، وموجاتُ الترجمات واهتزازاتها العابرة للثقافات ، في صمت لايفقهه إلا الراسخون في بحار اللغات وبحورِ المعارف المختلفة ، أو ليس أديبُنا (فيصل الاحمر) حالةً استثنائية ، هاجرت من عوالم الرياضيات والحساب إلى ملكوت اللغات والآداب،محلقا في سماوات “العالم الثقافي” الإعلامية العالمة ، محررا متحررا ، ليتخذ له بعدَها متكأ علميا أكاديميا معرفيا متينا بالجامعة الجزائرية ، محاضرا مقتدرا يغترف من بحار إبداعية معرفية ليس بغريب عنها، إنما يصنع كثيرا من تفاصيلها كاتبا مبدعا ومنظّرا ممتعا، في حمى تخصصات عديدة مديدة ،خائضا في الترجمة والنقد ،مطلعا على الآداب الجزائرية مختلفة الألسنة والأمكنة المحلية والمهاجرة، بحس بحثي استثنائي، كما خُلق أول مرة .
حالة استثنائية تلك التي تتدرج بقرائها/رؤوسِ أموالها الرمزية، منوّعةً عُروضَها الإبداعية ؛ فمن رواية(رجل الأعمال) ذات الدفق التجريبي الأول ،إلى(الخروج من المتاهة) شعريا – ويفلح الشعرُ حيث أتى- إلى (السيميائية الشعرية)درسا ونقدا ، لينقلنا صاحبُ الحالة الاستثنائية المعيشةِ إلى(وقائع من العالم الآخر)، إذ يقصص علينا أحسن القصص بما أوحى إليه خيالُه العلمي في زمن مبكر من التواجد الإبداعي في مجال الخيال العلمي وطنيا وعربيا، و يسيح بنا في (الرواية الفرنسية المعاصرة) ترجمةً عاكسة كمرايا سويّة لا مقعرة ولا محدبة ،ويكون بعدها(الدليل السيميولوجي) والمترجم غير(المسلوب) لرواية للطاهر جاووت في عليائه المستعادة،و(رواية لألدوس هكسلي)،مصنفا( معجم السيميائيات) ومحدّثا عن(ساعة حرب/ ساعة حب)، وحالات حب أخر، ودراسات كثيرة موثقة/مجلّدة في الآداب الأجنبية، وبوارق شعرية مدوّنة بقداسة الرقم(7): إذ يرسم(العالم …تقريبا)على شكل( منمنمات شرقية) و(مساءلات المتناهي في الصغر)قارئا( كتاب الرؤى) وقد أسلَم أرواحَنا( إلى المتاهة ) الشعرية النشوى ، متوسلا ب(المعلقات التسع) على ستائر القلب والروح ، لعلها تشفع ل(مجنون وسيلة) ،يوم العتاب، وقد أتى عليه حين من البحث ساهيا عنها، ملتفتا إلى مباحث مهجورة مقهورة في الساحات النقدية والإبداعية العربية، وقد هام بالخيال العلمي والحداثة و السيميائيات و السينما ، وانتشر حبره وفكره ورؤاه إذْ نشر العديد من الدراسات والبحوث في مجلات وطنية وعربية ، وساح محاضرا في مشارق الجامعات ومغاربها، وشارك في العديد من الملتقيات الأكاديمية والأدبية داخل الوطن العربي وخارجه (فرنسا- جورجيا- سويسرا- الولايات المتحدة- ألمانيا ، و تناولت أعمالَه رسائلُ جامعيةٌ كثيرة وأُلّف حول تجربته الأدبية والنقدية ما أُلِّف وأَلَّف بين الأشقاء والفرقاء من الأجناس الأدبية والنقدية. فأُكرِم هذا العقلُ الرياضي الأدبي في محافل عدّة شاعرا وباحثا في حالته الاستثنائية تلك!!
الكتابةُ استثناءٌ وإلا فلا ؛ انزياحٌ وانفلاتٌ في الرؤية والتصوير والرؤيا، بحثٌ في الغائب المتخيل واللامتوقع، خروجٌ اضطراري متعمّد عن هذا الكون الذي كلما اكتشفناه مللناه، وبحثٌ في أكوان وعوالم جديدة كلما غَلّقت أبوابَها في وجوهنا عشقناها وحللناها وحللنا بها تائهين، لا نأمل بلوغَ مرام ولا وصولا باذخا يشيخ بسرعة الموت الإبداعي الذي يدركنا حين ندرك غاياتنا.
الكتابة فلتة عقلية وجنون جميل وكسر ومحو وكفر بالجاهز الخاوي وإيمانٌ مزمن بلانهائية القوالب والصور والخيال ، ووعي تام بفلسفة التجريب/التخريب ، وانطلاقٌ في المجهول واختراق التكتلات جميعها،لننتصر للذات وفي انتصارها انتصار مَن وما حولها، وتقديم لبدائل غير يقينية تهيئنا دوما لتقبل الآخر.
إنّ رواية (أمين العلواني) ركنٌ تجريبي خامسٌ من أركان الكتابة الروائية لدى الكاتب الاستثنائي (فيصل الأحمر) ، وقد أخذتْ حيّزا مهيبا من ربوع الاهتمام القرائي والنقدي العربي، لحالة في متنها وكونها السردي ، الذي يبعث على القلق الفكري والتشنج النفسي والحيرة الوجودية للذات ، في خضم البحث عن ممكناتها والكشف عن رغباتها وتعبيد الدروب إلى تحقيق كينونتها ، وكونيتها بحس فلسفي بسيط غامض ؛ مجابِهةً سُلَطا شتى ، أُولاها سلطةُ الزمن ولعبةُ التكتلات الزمنية وغواياتها – استباقا واسترجاعا- وما يمكنه أن يمكّن لهذاالزمن/الوهمِ الجميلِ فيستحيل الكونُ معطى زمنيا بابتزاز واستفزاز وامتياز.
(أمين العلواني) استثناءٌ مِن حيث نحتُها لسؤال قرائي: هل هي روايةُ سيرةٍ، أم سيرةُ روايةٍ تعدّدت أصواتها وروّاتها ، وتداول على بنائها أجيالٌ باعد بينهم الزمنُ وقرّبت بينهم الحالةُ المعيشة في استحضار تقني واكتساح متقن للخيال العلمي؟ أليس استثناءً أن تكون الفاتحة النصية/الحياتية زمنية وقد” ولد أمين العلواني شتاءعام2017 ، وهوالعام الذي سمي فيما بعد بعام الفدراليات لكثرة التكتلات الفيدرالية التي ظهرت أو تجسدت عامذاك”؟ ألا يعدّ هذا الموْلدُ استثنائيا وقد وُلد الطفل الأمين كبيرا وبألم استثنائي(الذكرى الأليمة) حين زعم الوالد أنه سمع زعيق زوجته خارج المستشفى، لما كان المولود يهم بولوج هذا الكون اللاذع بأسئلته التي ستقسو كثيرا عليه؟ فكيف لطفل أن يعيش طفولته منطويا ، و به مسٌّ من المحيط الساخر الموبوء لأنه ورث صفات لا ذنب له فيها ؟ والاستثناءُ المؤلم أنه كان وحيدَ أبويه ، فأنى له أن يكون كما يريد لا كما يريد له والداه،فهل تراه يعيش مسيَّرا أم مخيرَّا؟
كان الأمين استثنائيا في عزلته التي منحته اكتشافَ العالم من خلال الحاسوب ومن ثم الطريق إلى اكتشاف الجسد الطيني المهيب والجنس وما تلاه ، واكتشاف دهشة الأشياء المعقدة . وكان استثناءً أنه يكتب أيامه في ومضات أو عناوين قصيرة. أو شيفرات لا يفكها إلا هو ، ويجد من خلالها طريقا إلى ذاكرته التي أتعبتها الوساوس العارفة والخيالات العالمة في غفلة المحيط والأهل والأقربين.
أليس استثناءً أن يكون حلم(العلواني)/ الطفلِ /التلميذِ/ المراهقِ/ الإنسانِ أكبر وأسبق من عصره ومعاصريه، بكل ممنوحات الخيال العلمي والبحث عن مبررات لهذا الوجود ، حتى إذا ما صار الحلم الأدبي وسواسا قهريا ، تشظت شخصية الأمين وتفرقت أحلامه بين التخصصات والمجالات كما تفرق حبر شقيقه/رفيقه طِبقِ ذاته/توأمِ أوهامه وأحلامه فيصل الأحمر؟
أليس استثناءً أن نعمد إلى ابتكار مفاهيم جديدة للأشياء والمحيطات من حولنا ؟ فنخصص رحلة وعي بالذات وبمحاولة اقتفاء لتغيرات جِلد الأسلوبِ في مناخات الكتابة و أوساطها ؛ أسلوبِ الفهم والقراءة والكتابة والعمل والوجود والجنون؟ ومن هذا الممكن المستحيل يمكننا الاشتغال على سياحة الذات نصا وذات النص سياحة والغوص في العمل الأسود وعشق الرحلات، و البحث في وجود الذات وذات الوجود، أليس العلواني سؤالا وجوديا حادا ينشد في وهمه هذا إدراكَ إكسير الأدب والفلسفة والتكنولوجيا ليدرك خلودَه المنشود؟
(أمين العلواني) رواية الذاكرة استشرافا، وسردُ الأحلام بحسّ حِكميّ تأمليّ أخاذ لا يمتلكه إلا المفكرون و الفلاسفةُ المتعاقدون مع الحياة وذلك مالا ينبغي للمتقاعدين عن السؤال والبحث في الوجود ، وهي رواية بناء الشخصية الاستثنائية القوية ، واقتراح مفهوم جديد لزئبقية الشخصية وتشظيها وكينونتها وسياحتها في عوالم التخييل البعيدة. بحثا في فلسفة فهم الذات والعلاقة مع الآخر، مع الله والأقربين والأشياء والمفاهيم وتأسيسٌ لدستور حياة، ظلت تتنازعها صراعات الأهواء ، وقد اصطففنا بين حب وكره ،وبين تديّن وانحلال ، صرامة ولامبالاة ،من أجل بلوغ اليقين.
(أمين العلواني) رواية التقاء الذاتين: ذات العلواني وذات المديح في تجليات الهباء وفي مهب الجراح والرماح والأفراح الصعبة، التي تدّخرها مرايا(الأحمر) في جيوب الأزمنة وقد طوّعها الشقيقان/البعيدان القريبان، العلواني والأحمر، لتصنع لنا ملحمة روائية تجري من تحتها أنهار الخيال العلمي وقد أمطرتها سماوات الأجناس الأدبية المختلفة تنوعا فنيا ومَددا تصويريا جميلا ، لتكشف لنا عن مفتاح قرائي جاد للحياة ـ، وهو أنه يمكننا أن نقرأ سيرتنا في عيون الآخر الذي يختلف عنا فهْما وقراءة لسيرتنا وسيرة الوجود جميعا ، وكيف نقرأ واقعنا بعيون من سبقونا وعيون من سيأتون بعدنا ، في حوار أجيالي عارف وحديث إنساني وارف ، (أمين العلواني) رواية سلطة السؤال ، و وسحر الخيال وفلسفة التخييل وآفاق الخيال العلمي البكر ، رواية يمكنها أن تقرأنا إذا ما ادعينا أننا قرأناها.




