ان الكتاب على صغر حجمه يحمل قيمىة تاريخية و معرفية مضافة ومهمة جدا انه من تأليف كل من الأستاذ شكيب بليلي الصديق المثقف والذي أعرفه جيدا وأعرف حصائله وكسبه الواسع ثقافيا ومعرفيا وفكريا وقدرته على التحليل و استيعاب مناهج كتابة التاريخ في العالم الغربي ….
فهو قلم مزدوج اللسان عن إقتدار ولمعرفتي به أستسمح القارء الكريم إن وصفته بالمثقف العضوي والعملي في سياقنا الثقافي حتى نزحزح المفهوم عن سياق تعريف ”غرامشي” للمثقف فلعل الاصوب انه مثقف ملتزم وحصيف وعملي و ميداني وصاحب رسالة…
ولعل نقل الرسائل التي تداولها الطيب بلحاج صالح المعروف بالعقبي مع عبد الحميد ابن باديس رائدان من رواد جمعية العلماء المسلمين هكذا بهذا الترتيب الافقي الذي يسوي بينهما قد طرح ما غاب عن الكثير من تضخيم وتهويل او بخس وانقاص …
وانا واثق مما أقول لمعرفتي بتاريخ الجمعية والمنزلة التي شغلها كلاهما والأدوار الكبيرة التي قد نعود إليها تفصيلا في مقام اخر من خلال قراءة متعددة الادوان نسقية الميتودولوجيا قريبا ان شاء الله…
والكتاب الذي نعرف به أنجز بمعية الكاتب سهيل شنوف الذي أتمنى ان اعرف عنه اكثر وأعرف به و بكسبه فمعذرة ان تحدثت بما أعرف عن المثقف القدير شكيب بليلي حيث صدرت الطبعة الاولى عن “منشورات ثالة ” في مائة وسبع وخمسين صفحة من القطع المتوسط مع الصور ونسخ من الرسائل التي ضمنها الكاتبان كتابهما …
إن تاريخ الجزائر والتاريخ عموما في بلاد العرب والمسلمين يفتقر إلى أسس وعناصر مدرسة بمنهج لكتابة التاريخ ولا أريد هنا الإلتفات الى بعض التلفيقات التي تصدر هنا هو هنالك في بعض الجامعات ومخابر البحث في التاريخ فتدمج هذا بهذا وتلفق و تلصق و تنسخ و تركب وتعيد الصياغة ….
فهذا يتحدث عن كون منهجه يرتسم في إطار مقولة ”التكامل المعرفي” وذلك يحدثنا عن مدرسة تاريخية قريبة الميلاد تدعى ”مدرسة القيم ” ونوزاع اديولوجية ترافق الفقر الرهيب و المفزع في ما تستدعيه وضعية تدريس وكتابة التاريخ عربيا وإسلاميا وجزائريا …
إن القاسم المشترك لجميع هذه التلفيقات هي الانطباعية والسردية والتبعيض وعجز قراءة الوقائع في سياقاتها البعيدة وابعادها الاستراتيجية فغلبة السردية والتحيز جعلت التاريخ في قبضة اللامعنى واللادلالة والإثنيات والإنغلاقات الأيديولوجية والسياسوية و الجغرافية والتزييف …
الكاتب شكيب بليلي كباحث مستقل مهموم بالشأن الوطني و الجزائري وهو يقدم هذا العمل انما يعرض علينا الوثائق التي تبنى عليها الفهوم الكلية للتاريخ وتبنى عليها التحقيبات الزمنية ويبنى عليها تحليل الخطاب التاريخي وبدونها لا و لن يكون تاريخ ….
فالنقد الفللولوجي الإستشراقي لولا ”الوثيقة” ما استطاع ان يقدم إلينا فهمه الإستشراقي بما له وما عليه للتاريخ و للتراث والذي لا يخلو من تحيز…
لكن الوثيقة هي الأداة الرئيسة لمعارضة و نقد أطاريح الاستشراق القديم او حتى الحديث الذي سماه محمد اركون بالإسلاميات التطبيقية وقد قدمت له مداخل نقدية ومن أين وكيف ركب و لماذا يعتبره أركون أداة ناجعة لفهم التراث والتاريخ بدلا من الاستشراق القديم و القراءة الفللولوجية وعند بعضهم القراءة التاريخانية….
سوف نحاول تقديم عرض وصفي تعريفي بمسحة فينومينولوجية أي ظاهراتية لمحتوى الكتاب معتبرين هذا المدخل ”الميتودولوجي” الذي أضعه بين أيديكم مقدمة في المنهج و الكتابة التاريخية وحالها عندنا في الجزائر والبلاد الإسلامية مع غلبة ما ذكرت من خصائص لا ترشحها لتكون كتابة تمثل مدرسة للتاريخ مع غلبة المنهج التأريخي ”الهيستوغرافي” عند البعض وليته كذلك بل طغيان السردية والانطباعية والتبعيضية ونزعة الأسطرة …
وجميع هذه النوازع وبعض هذه الأدوات لا تساعد على علمية الكتابة التاريخية ولا تحل الاشكال ولا تؤسس لمدرسة للتاريخ وعليه سأعرف بمادة ثمينة تأسست على جهد عظيم وجبار هو ترتيبها وتوثيقها لعلها تجد في المستقبل روادا يقومون بفحصها وتحليل محتواها وإستنطاق مقالها ولا مقالها ووضعها في سياقها التاريخي وزمنها المعرفي وأطرها الإجتماعية كما يسميها ”جورج غورفيتش” في كتابه الثمين ” الأطر الإجتمعية للمعرفة “…
إن الباحث المستقل والقديرالاستاذ شكيب بليلي متعدد الثقافة واللغات ومنفتح على المكون الإنساني الفكري و المعرفي والفلسفي والثقافي راسخ القدم في ذاته فهو من عائلة عريقة الأصالة وراسخة في هويتها و وطنيتها وبروح إنسانية عالية وتحضر و مدنية عرفت واشتهرت ….
فكيف لا يكون المعول عليه بعد هذا الكتاب ان يقوم بتحليل هذه الرسائل تحليلا لا يلغي “النسقية ” عند فحصها وقراءتها فيجمع بين كل من التحليل السببي والغائي والنسقية بكل محمولاتها المنهجية والمعرفية والايبستمولوجية وهو ما نترقبه منه بعد هذه الإضافة الثمينة المتمثلة في جمع الرسائل التي تعد شاهدا تاريخيا على حقبة هامة تمكن من فهم السجال الدائر في جمعية العلماء المسلمين..
في قلب النص و مفاصل الكتاب
تضمن الكتاب واحدا وثلاثين رسالة بين القامتين العلميتين في ذلك السياق طبعا وبين رائدين من رواد الإصلاح بل أرى انهما من حيث الهرمية وحصائل العلم والعمل في الواقع اعلاهم هرمية جميعا وهي رسائل موثقة مرفوقة باحالات على الهوامش..
ان مقدمة الكتاب كانت جميلة ولطيفة وغنية بالمعاني دشنت في بداية الكتاب بمقولة الأمير شكيب أرسلان التي صدر بها الشيخ مبارك الميلي رحمه الله كتابه ”تاريخ الجزائر” ودشنت بها انا مقالي هذا أعلاه وهي ” حملة عرش الأدب في الجزائر أربعة ابن باديس والميلي والعقبي والزاهري” وهي كأنها مستلهمة من مقولة ابن خلدون وهو يتحدث عن أركان الأدب الأربع ومصنفاتهم التراثية الثمينة منها الامالي للقالي وادب الكاتب لابن قتيبة والبيان والتبيين للجاحظ و الكامل للمبرد…
وفي كل الأحوال من غير تضخيم و لا بخس بضاعة الناس ان المنجز الادبي يعكس مراحل معينة وسياقات و لا يمكن محاكمة القديم بالجديد فحتى الذائقة الفنية تتحدد ماهية وتعريفا في السياق والزمان و تتطور وتتغير فرحم الله امبارك الميلي و رواد الادب الاربعة برحمته الواسعة أعطوا كثيرا للعربية وللدين و للهوية و مكافحة المسخ الذي كانت تريد نشره فرنسا عبر استعمار استيطاني ثقافي تربوي تعليمي وفكري متعدد الأدوات التدميرية والتهجينية …
تناولت المقدمة بأسلوب سلس سهل بيان العلاقة الوثيقة التي كانت تربط ابن باديس بالطيب العقبي وتعكس قوة الترابط الإنساني والوجداني والعقلي ووحدة الوجهة وإصرار ابن باديس من جهته على طلب العون والمشورة من الشيخ العقبي حيث يظهر هذا خاصة في الرسائل الأولى قبل إيقاع بعض المغرضين بينهم بالفتنة والشقاق …
كان الرجلان بأخلاق رفيعة مكنت لعلاقة المودة والتشاور بينهما أن تتوطد قوية صلبة متينة وقد بدأت تلكم العلاقة منذ إلتقاء الرجلين بالمدينة المنورة عام 1913 ثم تجددت هذه العلاقة بين الرجلين كما جاء في مقدمة الكتاب بعد عودة الشيخ الطيب العقبي الى الجزائر واستقراره ببسكرة …
كما بينت مقدمة الكتاب كيف ان اشتراك الأهداف والغايات العملية والنضالية متن رابطة الاخوة بينهما وكذلك عملهما الصحفي في جريدتي السنة النبوية والشريعة النبوية والصراط السوي والتي أسندت جمعية العلماء المسلمين لرئاسة تحريرها الرائدين في الادب والخطابة والسجال الطيب العقبي و سعيد الزاهري وباشراف الأستاذ عبد الحميد بن باديس …
ثم فصلت المقدمة التي جاءت في إحدى عشر صفحة ضمت صورتان مع تسع صفحات للتقديم كيف كان ابن باديس كان يشاور باستمرار عن طريق المراسلة الطيب العقبي لما كان ببسكرة ثم في الجزائر وابن باديس من قسنطينة…
هذه الرسائل كانت ذات قيمة تاريخية كبيرة تفند كل مزاعم الفتنة عند بعض هواة الكتابة التاريخية وبعض المتعصبين والمتحيزين وغير المحترفين بل تكشف عن بطلان ادعاءهم من أن نزاعا ما سواء يتعلق بالزعامة والرئاسة والظهورأو غيره قد نشب بين الشيخين ابن باديس والعقبي …
حتى تدخل فعلا بعد وقت بعض المغرضين و بعض الأطراف لمحاولة افساد العلاقة المتينة بينهما ولن يتجلى ذلك فعلا الا بفحص هذه الرسائل التي تعتبر وثيقة تاريخية هامة جدا سوف نخصص لها سلسلة من المقالات تزيح كل الإلتباس القائم عند بعض المتأولين وهواة كتابة التاريخ بلا نزوع نقدي او بتحيز أيديولوجي او مصلحي او زعاماتي …
ان هذا الكتاب يعتبر وثيقة تاريخية للعمل عليها بل جهد عملاق ميسر للباحث والطالب و المؤءرخ و الأستاذ بالجامعىة و الباحث بالمخبر والباحث المستقل في التاريخ الجزائري والإسلامي و الثقافي …
ولئن وجد من أصحاب الفضل و التنويه الذي يجب ان يقدم لهم الشكرا على مساهمتم في الحفاظ على هذا العمل وجمعه و تيسير طبعه فهو بعد الله يعود للباحث الحصيف مزدوج اللسان الأخ والصديق شكيب بليلي وأبناء الشيخ الطيب العقبي رحمه الله وحفيده نسيم بلحاج صالح ابن المرحوم محمد المكي بلحاج صالح وأيضا السيدة الفاضلة مريم العقبي حرم ابن الشيخ الطيب العقبي المرحوم جمال العقبي وابنيه طارق و نزيم وابن الشيخ شكيب العقبي ومحمود العقبي رحمة الله عليه و احميدة وكل الأبناء …
وسنعود الى جهودهم جميعا ولكل انسان بدء منا نحن كبوة و قومة والله يجازي كل مجتهد …
لقدجاء في مقدمة الكتاب ”ان القراءة المتأنية للرسائل المتبادلة بين الشيخين جعلتنا نفكر بان قراءة جديدة لتاريخ جمعية العلماء المسلمين صارت ضرورية في الوقت الحاضر نظرا للنزعة التهويلية والتقديسية التي كتب بها التاريخ خاصة ان الذين بعض الذين اسهموا في كتابة التاريخ من وجهة نظر واحدة متحزبة أساسا للشيخ بن باديس بينما الامر ينبغي ان لا يكون اما اسود او ابيض فكلا الرجلين لهما قدرهما و جهودهما في سبيل الحركة الإسلامية او حسب تعبير الشاعر و هو ابلغ
خصمان فيما يفيد الامة اختصما … اياك ان تنقم الخصمين اياك
كلاهما في سبيل الله مجتهد … فلا تذمن لا هذا و لا ذالك ” (1)..
رتب الباحث شكيب بليلي بمعية الأخ سهيل شنوف الرسائل حسب تاريخ كتابتها كما أشارا الى ذلك في مقدمة الكتاب مرفوقة بالردعليها حين يوجد رد من الطرفين و بينت المقدمة ان هذه الرسائل دونت في الفترة ما بين 1924 و1938 وهو التاريخ الذي وقعت فيه القطيعة بين الشيخين على حد تعبيرهما…
بين الكاتب شكيب بليلي والأخ سهيل الصعوبات الكبيرة التي اعترضت سبيلهما ومنها التي تتعلق بقراءة الرسائل وخط الكتابة السريعة والقديمة مع وجود كلمات تعذرت قراءتها وأخرى مختزلة وبعضها غامض أحيانا….
وفي النهاية ان هذا الكتاب الثمين وثيقة تاريخية ستحدث عند ذوي النباهة والعلم من الكتاب والمحللين والمؤرخين منعطفا هاما ومنعرجا في زاوية النظر ورؤية جديدة لجمعية العلماء والسجال الدائر في احضانها …
قسم الكاتبان كتابهما الى مبحثين الأول تناول ترجمة لحياة الشيخ العقبي اقتصرت على ترجمته لنفسه في كتاب شعراء الجزائر وهو ما يفعله جل الكتاب ونأمل ان نرى ترجمة اكثر توسعا وثراء ثم تناول مقتطفات من شعره وكتابته والجرائد والصحف التي كان يرأس تحريرها الشيخ العقبي وكذلك الحادثة الشهيرة لاغتيال بن دالي كحول واعتقال الشيخ العقبي…
وتناول الكتاب في المبحث الثاني على المراسلات المخطوطة والمكتوبة بيد الشيخين العقبي وبن باديس من سنة 1924 الى 1938 مع استخراج مضامينها …
هذا الكتاب على تواضع عدد صفحاته يحتوي على كنز ثمين جد يوضع بين ايدي الباحثين ويدعوهم للنهوض من اجل قراءة تجديدية لتاريخ جمعية العلماء المسلمين غير التي رويت من طرف و جهة واحدة وراوية لا تنافسها أخرى وانتصار للتاريخ المروي من النافذ والمستقوي والمستحوذ على أدوات البلاغ والاشهار والقيادة والزعامة وقد أثار الكتاب همتي لأتناول في القريب العاجل على ضوء هذه الرسائل قراءة جديدة لتاريخ الجمعية والتاريخ الثقافي الجزائري في حقبة الاستعمار الفرنسي…
فالشكر والتقدير للاخ شكيب بليلي باحثا مزدوج اللسان ومطلعا ومهتما بتاريخ الجزائر والجمعية …
والتحية لجنود الخفاء يشتغلون من غير ظهور بتاريخ الراحل العظيم الشيخ الطيب العقبي وعلى راسهم السيدة الفاضلة اطال الله في عمرها والمهتمة بتاريخ الشيخ الطيب العقبي وهي السيدة مريم العقبي حرم نجل الشيخ جمال رحمه الله وهو شخصية عمومية في حقل الرياضة الجزائرية السبعينية و نجلهما و بقية أبناء الشيخ العقبي …
وكل من ساهم من قريب او بعيد ليساهم في بناء هذا الجسر المعرفي- التاريخي الهام عبر هذا الكتاب في انتظار مولود جديد لكتاب بلا شك ثمين للباحث شكيب بليلي….
…………………………………………………….
(1) ص 8 من كتاب ” الطيب العقبي و عبد الحميد بن باديس – مراسلات و احداث -” للمؤلفين شكيب بليلي و سهيل شنوف- دار ثامة – الابيار الجزائر – الطبعة الاولى 2014



