الرواية سيدة هذا العالم / د.طارق بوحالة
بواسطة admin بتاريخ 2 مارس, 2022 في 02:26 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 777.

كتاب “الرواية مملكة هذا العصر” للمثقف والباحث الجزائري حميد عبد القادر الصادر عن دار ميم للنشر 2019 من الدراسات المثيرة والمتميزة، ويكمن تميزه في المهمة التي تصدى لها، وهي إثارة قضايا وأفكار عديدة ذات الصلة الوطيدة بجنس الرواية على المستوى العالمي أو في السياق الجزائري، حيث نعثر على كثير من الإشكالات في هذا الكتاب التي تحتاج مساحة أوسع للقراءة والتحليل، لهذا سنحاول في هذه الإطلالة المقتضبة التركيز على مناقشة بعض العناصر الإشكالية التي تضمنها الفصل الأول من هذا الكتاب.

ويعد حميد عبد القادر من الأدباء والمثقفين الجزائريين الذين يشتغلون على الكتابة الروائية منذ نهايات القرن الماضي، إذ يملك في رصيده مجموعة من الروايات منها: الانزلاق عام 1999، ومرايا الخوف 2005، وتوابل المدينة 2013، ورجل في الخمسين 2020.

كما ينخرط حميد عبد القادر من الجهة المقابلة والموازية للكتابة الروائية في كتابة سلسلة من المقالات النقدية التي تشترك في “موضوع الرواية” وشواغلها عربيا وعالميا. وقد امتد هذا الولع بفن الرواية إلى إصداره لكتاب آخر جديد يحمل عنوان: فضاء العجائبي: في أفق الرواية اللاتينو-أمريكية 2021.

يسجل الباحث في الفصل الأول من كتاب “الرواية مملكة هذا العصر” مواقف نقدية مثيرة كان هَدفه هو الخروج من حدود الآراء المكرسة والمكرورة التي تشكلت منذ سنوات عديدة عن جنس الرواية، وتحديدا داخل الدرس النقدي الأكاديمي. ولعل أهم آراءه ما تعلق بمقولة أن الرواية قد حق لها أن تكون مملكة هذا العصر بامتياز، بل هي سيدة هذا العالم، ويعود سبب هذه السيادة إلى كون الرواية قد تمكنت من تجاوز الكثير من العثرات والعراقيل التي واجهتها طيلة مسارها التطوري، ولم تستسلم أو تفسح المجال واسعا لأجناس أدبية أخرى رغم المزاحمة المستمرة من قبل الشعر.

والرواية عند حميد عبد القادر ليست فنا منحازا، بل هي ذات روح ديمقراطية، لأن لها القدرة على نقد وتجاوز الراهن نحو تصور آفاق واسعة ومختلفة ومساحات واسعة ورحبة، وتقديم أصوات أخرى مغايرة للسائد. لهذا فهي النوع الأدبي الأكثر انتصارا للإنسان.

ولا يعني هذا الانتصار أن الأجناس الأدبية الأخرى لاسيما الشعر قد خذلت الإنسان، بل إن الرواية قد وجدت في الإنسان على مر العصور والمراحل نواة فاعلة تسهم في تشكيل معالمها وروحها، ومن جهة أخرى يبدو أن الإنسان هو الذي عثر في الرواية عن متنفسه ومخرجه باعتبارها الجنس الأدبي الأكثر مقاومة لتحديات العصر ومتغيرات الزمان والمكان، وهي الأقدر على إعادة تمثيل هذه المهمة في أحسن وجه.

لهذا فإن هذا الانتصار هو الذي كان سببا أساسيا في جعل الرواية الجزائرية -مثلا- عند الجيل الجديد تؤمن برفض مقولة “البطل النموذج”، وتتجاوزها إلى وضعية التعبير عن اليومي والمعيش والهامش والمهمش على حدّ سواء. وهو ما يبينه حميد عبد القادر في قوله: ” رفض هؤلاء الكتاب التصرف بشكل بطولي، ولم يبدوا أبدا أي رغبة في تقليد برومتيوس حتى يسرقوا النار. فقط أن يكتبوا وهم باقون في الساحة رافضين الصعود إلى الأولمب مدججين بالبطولة. لقد نقل هؤلاء الروائيون الجدد البطولة من الروائي البطل إلى بشر عاديين، بطولتهم الوحيدة البقاء في الحياة والتشبث يها وسط القسوة والمعاناة.” ص 14.

أما في علاقة الرواية بالسياسة فقد حاول الباحث أن يناقش بعض المقولات الرائجة عن هذه العلاقة المثيرة، إذ كيف لخطاب جمالي يهدف إلى أن يكون بروح ديمقراطية أن ينخرط في ممارسة السياسة. هذه الأخيرة التي يرى الكاتب أنها إذا ما خالطت الأدب فهي بمثابة طلقة نارية تعكر صفو عزف موسيقي. غير إنه يواصل حديثه مبينا أن المبدع لا يمكنه أن يتخفف نهائيا من موضوع السياسة أثناء ممارسته للكتابية الروائية.

يجب أن نفرق بين ممارسة الحكم باعتباره أحد صور السياسة وتجلياتها، وبين السياسة كطريقة مُنَظمة للعيش ضمن محددات خاصة تتجلى بواسطتها مقولات متمايزة، قد تقترب وتتفاوض، وقد تختلف وتتعارض. لهذا لا يمكن للكاتب والمبدع والفنان والمثقف التخلي نهائيا عن موضوع السياسة، وليس بالضرورة أن يكون ممارسا لها من قريب أو من بعيد.

ويرى الفرنسي جاك رونسير أن الأدب ليس وسيلة تسهل للمبدعين طرح مواقفهم السياسية، بل إن للأدب شكلا من أشكال السياسة خاصا به، وهو ما يجعله يقترح مصطلح “سياسة الأدب” ويعني بذلك أن الأدب يمارس السياسة بوصفه أدبا.

ويثير الكاتب أيضا نقاشا حول قضية العلاقة بين الشعر والرواية، حين يرى أنه لا وجود لما يسمى عند بعض المثقفين بحرب الرواية ضد الشعر، وأن ذلك يرجع إلى تصور خاطئ. وقد استحضر موقف الرواية عند الغرب من الشعر، قائلا: “أعتقد أن الرواية الغربية، وهي تضع الشعر تحت إبطها، تصرفت بحكمة، ورؤية، وبروح إنسانية، لم تتصرف وفق روح رؤوفة إلى درجة أن نجاح كل رواية أصبح مرتبط بمدى وجود لغة شاعرية بين ثناياها.” ص 34

إن كل صراع بين الشعر والرواية هو صراع مفتعل، لأنهما قد يختلفان في المنظور العام، وكذا في اللغة المستعملة، أما القول باللغة الشاعرية المبثوثة بين ثنايا الرواية فهذا أمر آخر مرتبط بموضوع الشعرية وليس بالشعر. ويمكننا أن نستحضر في هذا السياق موقف جون بول سارتر الذي يرى فيه أن الشعر لا يتضمن مواقف والتزامات واضحة، لأن لغته الخاصة لا تسمح له بذلك فهي تحجب ذلك، وتدفع بالقول الشعري إلى الغموض.

ويعرض حميد عبد القادر علاقة الرواية بروح المدينة، عندما يلجأ إلى استدعاء تجربته الروائية من خلال روايته” توابل المدينة” الصادرة عام 2013، وكيف لها أن أعادت تشكيل ملامح المدينة التي ينتمي إليها الروائي. وهي ملامح مزدوجة تحيل على الوجه المستنير المفقود، والوجه الشاحب الذي أصبحت تتلون به مدننا.

كما يقارب حميد عبد القادر العلاقة بين الرواية والإيديولوجية بالعودة إلى السياق الروائي الجزائري، مبينا أن الرواية الجزائرية في الخمسينيات كانت “رواية ثورية تسرد معاناة السكان الأصليين، وتكشف فظاعة الوضعية الاستعمارية، فاندرجت ضمن المجهود الفكري للتخلص من الاستعمار (محمد ديب، مولود فرعون، معمري، وآسيا جبار).” ص 17.

لعل أهم إشكال نقف عنده في هذا الرأي أن النماذج الروائية التي ذكرها كانت تكتب بالفرنسية باعتبار اللغة هنا بمثابة سلاح للتعبير عن حالة الشعب الجزائري الذي كان يعاني من ويلات الاستعمار الفرنسي. بمعنى هل يمكننا أن نصف هذه النماذج الروائية بأنها نصوص متخففة من الإيديولوجية؟

ولكن الرواية الجزائرية حسب حميد عبد القادر قد أصبحت بعد الاستقلال رواية ” .يسارية …تسعى للمساهمة في بناء المجتمع الاشتراكي في الستينيات والسبعينيات، فغرقت في الهمّ الأيديولوجي، وخضعت له.” ص17.

نتفق مع هذا الرأي باعتبار الرواية الجزائرية في الفترة الاشتراكية قد غرقت في الهم الإيديولوجي، كونها أخذت على عاتقها مهمة الانخراط في التوجه الاشتراكي الذي كان نسقا عاما منسحبا على الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وهو ما جعل الأدب وجها تعبيريا للنموذج الاشتراكي. أو ما يطلق عليه بالواقعية الاشتراكية.

تبقى هذه الأفكار المبثوثة في فصل كتاب حميد عبد القادر الأول عبارة عن نماذج فقط، لا يمكنها أن تغطي الدراسة كاملة، كون الباحث قد خصص الفصول الأخرى لمناقشة جملة من القضايا والأفكار المرتبطة بالرواية العالمية شرقا وغربا. وقد أبانت هذه المتابعة النقدية عن معرفة واسعة يمتلكها الباحث حميد عبد القادر، خاصة ما يخص تفاصيل الرواية العالمية.

اترك تعليقا