ادوارد سعيد بعيون جزائرية ..بشير ربوح قارئا لادوارد سعيد / د- طارق بوحالة
بواسطة admin بتاريخ 4 مارس, 2022 في 02:43 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 558.

يعد الجزائري بشير ربوح -رحمه الله- من الباحثين القلائل الذين جسدوا صفة “عبر التخصصية”، فبالإضافة إلى كونه متخصصا في الفلسفة فهو مطلع على ما يكتب في الأدب والنقد الثقافي والعلوم الإنسانية وغيرها من المعارف. مما مكنه من الاشتغال على موضوعات مختلفة، نذكر منها اهتمامه بفكر ادوارد سعيد. لا سيما المباحث المرتبطة بالهوية والمثقف. وكذا مدى حضور الفكر الفلسفي في طرح سعيد. لهذا فإننا سنحاول الاقتراب من هذا السؤال الأخير،
يثير بشير ربوح في مقاله “ادوارد سعيد والفلسفة” والمنشور في كتابه “استشكالات ودروب في الفكر الفلسفي المعاصر، نوعا من المغايرة القرائية المتخففة من ثقل القراءات السابقة. فبالعودة إلى هذا المقال نكتشف أننا نقرأ شيئا جديدا ومغايرا لكثير مما كتب حول أفكار سعيد. ومما يحاول بشير ربوح مناقشته والإجابة عنه السؤال المركزي الذي يتعلق بكيفيّة استثمار ادوارد سعيد للحمولة الفلسفيّة في تحليلاته النقدية والثقافية، أيّ “فيما التقى ادوارد سعيد لمجموعة من المفردات ذات الحمولة الفلسفية والتي هي في حاجة ماسة إلى تقعيد معرفي أصيل، يخرجها من تهلهلها ويضعها في أفقها الفلسفي”1(ربوح، 2016، صفحة 15)
وتنخرط الإجابة عن هذا السؤال في صلب البحث الفلسفي الذي هو تخصص بشير ربوح الأساسي، بمعنى أنه سيُعملُ آلياته المفاهمية التابعة للفلسفة من أجل تتبع المفاصل الأساسية في خطاب سعيد والتي تمثل “المنعطف الادواردي” كما يسميه، وهو يخبرنا أن ادوارد سعيد قد “عثر على ضالته ووجد مستقره المعرفي”2 (ربوح، 2016، صفحة 15)
لم يكن على سعيد المتخصص في الأدب المقارن أن يبق حبيس هذا التخصص تحديدا، بل سعى جاهدا إلى الانفتاح على تخصصات أخرى قد يعثر فيها على مقولات يؤسس بها جهازا منهجيّا، يسهل عليه مقاربة الخطابات الثقافيّة التي تمثلها خطابات الاستشراق والثقافة والإمبريالية. وهو ما تحقق له فعلا، الأمر الذي جعله يكون رائد النقد الثقافي المقارن.
وقد “تسلح ادوارد سعيد بمفردات الأدب مطعما بها الزخم الفلسفي الذي عثر فيه على ضالته، ومن هذه المفردات الأدبية : الشرق، الخيال، الثقافة، الامبريالية، التابع.”3(ربوح، 2016، صفحة 15)
وقد تواجه قارئ سعيد صعوبة منهجية تتمثل في عدم سهولة اكتشاف الحدود المعرفية التي ترسم فكره، أيّ إننا لا نستطيع أن نكتشف المواطن الدقيقة الفاصلة بين الفلسفي و النقدي و التاريخي و السياسي و الأنتربولوجي، فـ”سعيد” ينتمي إلى كل هذا في الوقت ذاته. وكل مقاربة له بعيدا عن هذا المعطى المنهجيّ والمعرفيّ قد تُعد مخاطرة ذات مزالق معرفيّة.
ورغم ذلك فإنّ “ربوح” قد تحمّل المسؤوليّة كاملة للقيام بهذه المهمة، باحثا عن مواطن الفكر الفلسفي، وعن حدود الأدب في خطاب سعيد النقدي، حيث خلُص إلى أن ” من هذا التزاوج المعرفي بين الفلسفة والأدب في تجربة ادوارد سعيد، أصبح سعيدا ضيفا دائما على التفكير الفلسفي وبدأ في معاشرة النصوص الفلسفيّة في مختلف ضروبها.”3 (ربوح، 2016، صفحة 15)
ويضيف أيضا أنه “من صلب التزاوج نتج النص الإدواردي الذي حمل كل الإشراق اللغوي والوهج التعبيري والمجاز الإختراقي، وفي ذات الوقت كان لسعيد الفرصة السانحة في تمتين رؤيته المعرفية للاستشراق والثقافة والأمبريالية، المثقف، النقد، القراءة، النص، الأنسنة….”4(ربوح، 2016، صفحة 15)
وتأسيسا على هذه الأفكار ينطلق الباحث في تتبع المواطن المعرفية التي يتسلح فيها سعيد بالجهاز الفلسفي لمناقشة وتحليل ومحاورة الخطاب الإستشراقي بوجه خاص. لهذا نجده يثير السؤال الذي مفاده: “هل بالإمكان أن يأتمن سعيد على نفسه شراك المفاهيم الفلسفية.”5 (ربوح، 2016، صفحة 16)
ويحاول ربوح وصف الصعوبة التي يمكن أن تواجه ادوارد سعيد، وذلك في قوله: “ليس من اليسير أن يدخل سعيد في هكذا معركة بين الأدب والفلسفة، فإما أن يسقط في شرك الفلسفة، أو يحتفظ بمكتسباته السابقة ويحترم مباشرة شرط التماسف، ولكن هي في حقيقة التوجه معركة مع الذات المعرفية الحديثة، بمعنى أن سعيد مقبل على فهم واستيعاب وتفكيك رؤية مبثوثة في المتن الفكري الغربي….”6(ربوح، 2016، صفحة 16)
يواصل المرحوم بشير ربوح مناقشة وتحليل أسس الرؤية المعرفيّة لادوارد سعيد المشكلة عن خطاب الاستشراق، والتي لجأ فيها –كما سبق وقلنا- إلى المزاوجة بين الانتماء النقديّ الأدبي وبين المقولات الفلسفية المساعدة على كشف مضمرات النصوص والخطابات الأدبيّة والثقافيّة الغربية وعلاقتها بالشرق.
يقول في ذلك: “لسنا بصدد الحديث عن دراسة سعيد حول الخطاب الاستشراقي، وإنما نرمي إلى النبش عن تلك المهمة التي غدت عند سعيد قرارا استراتيجيا في فهم سريان الاستشراق كخطاب متماسك يعلو على نصوص الأدب والثقافة والفلسفة ويتحكم في طريقة اشتغالها وخضوعها لمنطق مهيمن قابع داخل الخطاب وعلى ذلك التقى سعيد بالمفكر الفرنسي ميشال فوكو، بعد أن صف حسابه نهائيا مع مسألة النصوص الاستشراقية.”7(ربوح، 2016، صفحة 18)
ويبين بشير ربوح قيمة ادوارد سعيد في مقابل الفرنسي ميشال فوكو بقوله: ” كان الاعتماد على منجزات فوكو مهما لدى سعيد، ولكن لم ينقص ذلك البتة من قيمة سعيد المعرفيّة في استثمار ما هو فلسفي في مجال النقد الثقافي، أو في الاتكاء عليه بغيّة مساءلة النص الغربي واستنطاقه لإخراج مخفيّاته، وإنما كان تقنيّة فلسفية عاليّة الدربة اجتهد سعيد فيها من أجل التمكن من الاستشراق كخطاب، والتعامل معه على هذا الأساس.”8(ربوح، 2016، صفحة 21)
ويعتقد بشير ربوح أن أيّ مناقشة ادوارد سعيد خارج هذه الفكرة تعتبر مناقشة في غير موضعها، وهذا موقف نقدي موفق إلى حد كبير، يجمع فيه الباحث بين اطلاعه المثير لأعمال ادوارد سعيد وبين التخصص الأكاديمي الذي ينتمي إليه. وهو أستاذ الفلسفة في جامعة باتنة الجزائرية.
ويشرح ذلك قائلا: “كل مناقشة له خارج، تعد وفق منظورنا المتواضع مناقشة في غير موضعها، وهي مقاربة طريفة في سحب الاستشراق من مجال الخطابات النصية أو الحقول الدراسية إلى فضاء الخطاب الذي يتحكم في النص.”9(ربوح، 2016، صفحة 21)
ويصل بشير ربوح في نهاية مقاله إلى أننّا أمام مثقف كوني غرف من جميع المنابع الفكريّة، الفرويدية والماركسيّة، والتأويليّة والتاريخانيّة والظاهراتيّة، وفي وسط هذا الزخم الفكري كان لسعيد بصمته الخاصة به، من ابتكار لرؤية مؤنسنة، وطريقة خاصة في القراءة الطباقية…10(ربوح، 2016، صفحة 33)
ومما نسجله في ختام هذه الورقة أن المرحوم بشير ربوح لم يكن مسجونا داخل سياج التخصص الأكاديمي، أيّ الفلسفة، بل نجده عارفا لما يوجد في كثير المعارف التي تتوزع بين الأدب والسياسة والتاريخ…، كما تبقى أعماله المنشورة والمخطوطة وكذا محاضراته التي ألقاها مسؤوليّة في رقاب الباحثين دراسة وجمعا ونشرا وتعميما للفائد

اترك تعليقا