يشتكي الكثير من الأدباء و المثقفين من قلة الاهتمام بما ينجزونه من مؤلفات وما يبذلونه من جهود فكرية مضنية و متعبة و مما يعانونه من تهميش و إقصاء، فيقارنون بين ما يتلقاه لاعب كرة القدم من أموال طائلة وبين المغني الذي تنظم له الحفلات ويكرّم أيما تكريم.. فالأديب/المثقف يسهر الليالي لكتابة النصوص والتفكير في قضايا الأمة والمجتمع، و ذلكم بعد سنوات طويلة في التعلم و المدارسة، و بعد أن يبلغ منه العمر مداه، ثم يأتي شاب – على الأرجح- أنه قد غادر مقاعد الدراسة مبكرا و لا نعلم إن كان يملك مستوى فكريا ما، فيسطع نجمه في عالم الرياضة أو الغناء ويتحول في ظرف قصير من الزمن إلى شخصية مهمة تتابعه الملايين…و بطبيعة الحال فالوضع مأسوي بالنسبة للكثير من الأدباء و المثقفين و يحتاج إلى وقفة طويلة، بل إلى وقفات.
- أولا: عندما نحاول طرح هذه المسألة، لا بد لنا أن نعتمد على ما قدمه علماء الاجتماع و الاقتصاد و الإعلام من منجزات بحثية و بمختلف تجلياتها. و في هذا السياق، يمكن النظر إلى العلاقات الإنسانية من باب الهيمنة و الوجاهة اللتان تميزان الممارسات الثقافية ومنطق التمايز الاجتماعي، و بالتالي الكشف عن آليات اشتغالهما.
- ثانيا: يوجد في كل مجتمع فئة مهيمنة و فئة مهيمن عليها، و هذا الاختلاف هو المبدأ القاعدي للتنظيم الاجتماعي، و يتوقف ذلك على أوضاع و إمكانيات مادية أو معنوية و استراتيجيات الفاعلين (أدباء، رياضيين، فنانين، مغنيين، و غيرهم من الفاعلين في الحقل السياسي أو الديني أو الاقتصادي،… )
- ثالثا: ينتظم الفضاء الاجتماعي وفق بعدين، الحجم الكلي للإمكانيات المكتسبة وكيفية توزيعه بين الفئات الاجتماعية المختلفة فيما بين الرأسمال الاقتصادي (ثروة، أجرة شهرية، مداخيل) و رأسمال ثقافي (معارف، شهادات و العادات ذات السلوك الحسن)، و هنا يكون الفرز بين المال و بين الثقافة، بين “التجارة” و”العفة”. و لعل من المتعارف عليه تتمثل في عفة و عدم اكتراث الأديب/المثقف بالمنفعة المادية، بينما يبحث رجل الأعمال والتاجر على الربح بمختلف الوسائل. وكل فاعل اجتماعي يبحث عن الوجاهة و عن اعتراف الآخرين سواء بما يملك من أموال أو بما يملك من معارف و شهادات.
- رابعا: تتم المواجهة بين عالمين متمايزين، عالم الثقافة و الفن و عالم التجارة، أي بين كل الفئات التي تنتمي إلى الحقل الاجتماعي الواسع.
مع العلم أن الحقول الاجتماعية هي أساسا فضاءات للتنافس و للصراع، حيث يملك كل حقل قواعد اللعبة الخاصة به، ففي الحقل الإعلامي تتحكم فيه وسائل الإعلام الكبرى وبعض الصحافيين الذين يتصدرون المشهد الإعلامي و الأحداث، و المهيمن عليهم هم الصحافيون البسطاء، و الأمر نفسه ينطبق على الحقل الأدبي حيث يتم الاعتماد على الرأسمال الثقافي و الرأسمال الاجتماعي (شبكة العلاقات و أراء النقاد و التكريمات والأوسمة و الجوائز و العلاقات مع القراء، و عدد المتابعين و المعجبين في الفضاء الأزرق، و غيره من الفضاءات الالكترونية…). وقد نجد فاعلا ما ينتمي إلى عدة حقول لكنه لا يملك المرتبة ذاتها إلا في حقله الأساسي، فالأديب و المثقف و الأستاذ الجامعي هم في وضع المهيمن عليهم بالنسبة لرجال الأعمال في حقلي السلطة والمال، لكنهم يهيمنون في الحقل الثقافي بالنسبة لجميع الفئات الأخرى بسبب رأسمالهم الرمزي. و قد نجد مثقفا مهيمن عليه داخل الحقل السياسي حيث يخضع لتوجيهات رجل السياسة الذي قد لا يملك إلا القليل من المعارف الثقافية لكنه يتحكم في الشأن السياسي و يوظف كفاءة وخبرة المثقف لإعداد المشاريع السياسية بغية الاستمرار في التحكم في سلطة القرار داخل الأجهزة الحزبية أو داخل المؤسسة الإدارية.
هذه المبادئ القاعدية لإمكانية تحليل المفارقات الاجتماعية و التمايزات الثقافية بين الحقل الثقافي و الحقل الرياضي و الحقل الفني (الغناء)، لا تنسينا أننا في زمن الليبرالية الجديدة التي تسندها عولمة متسلطة، حيث للمال سطوته و لرجال الأعمال حضورا مميزا وكبيرا و على جميع المستويات و منها اقتحام الحقل السياسي و التأثير في مجرياته. و نجد أن كرة القدم مثلا قد تحولت إلى رهان سياسي (“معركة”أم درمان الكروية مثلا كانت مناسبة للسلطتين المصرية و الجزائرية معا للاستمرار في الحكم). و تمثل أيضا كرة القدم رهانا تجاريا يتم استغلاله كواجهة إعلامية بغية الاستثمار الاقتصادي في مجالات أخرى. فالإمارات العربية قد تجاوزت بلد مثل ألمانيا في الاستثمار فيها بشراء الفرق الكبرى و باقتحام عالم الإشهار. ودولة قطر بقنوات شبكة “سكاي” الإنجليزية و “بين سبور” الرياضية احتكرت بث المقابلات الرياضية الكبرى وهي بذلك تجني الأموال الطائلة). تحولت كرة القدم التي تتابعها كل الفئات على اختلاف مكانتها داخل الهرم الاجتماعي (و بالملايير و في كل العالم: (“الكلاسيكو” الاسباني)، إذ تحول لاعب كرة القدم، بناء على ما يقدمه من نتائج ونجاحات، إلى أيقونة إعلامية وطنية و دولية. و في الحقل الرياضي أيضا، هناك المهيمن و المهيمن عليه داخل الفريق الواحد (رئيس الفريق، المدرب، اللاعبون،…) و بين الفرق الكبيرة و الفرق الصغيرة، المهم أن كرة القدم أصبحت جزء لا يتجزأ من اللعبة الاقتصادية و السياسية بتأثيرها الكبير على الناس و الأموال الكثيرة التي تصرف لأجلها، و كذلك الأموال التي تجنيه الفرق و الإدارة التابعة لها كثيرة كذلك، مع أن الإشهار الذي يرافق الإعلام الرياضي قوي جدا. و قد نجد فرق رياضية تملك من الأموال الطائلة تفوق ميزانيات بعض الدول الصغيرة، و تصدر دولة البرازيل اللاعبين إلى أوروبا و تجني المال الكثير، كما تفعل الشيء نفسه فرنسا، و هذا ما يجعل لاعبي كرة القدم من أغنى الناس ماديا. لكن بدأت هذه اللعبة التي تحدث انفعالات كبيرة لدى الجمهور الرياضي، تتغير لتشكل ما يسمى برأسمالية كرة القدم، و أضحت الألقاب محصورة و محتكرة في عدد قليل من الأندية الغنية. مما دفع باللاعبين للمطالبة برفع رواتبهم مع إضافة أموال الإشهار، فقد أصبح ما يستفيد منه لاعب خلال أسبوع واحد أكبر من راتب موظف في شركة عادية لعشر سنين، “غاريث بيل” مثلا يتقاضى 470 ألف دولار أسبوعيا، وهو ما يبلغ ضعف راتب رئيس الوزراء البريطاني السنوي”. وتقول الكاتبة الكويتية عالية شعيب: “نحن شعوب لا تريد التفكير وتشغيل المخ؛ لذلك نجد زحامًا على مباراة كرة في حين المكتبات فارغة والرائج في المعارض كتب الأبراج والتنجيم والطبخ وكتب السحر والشعوذة”. مما يعني أن الثقافة العارفة قد فقدت مكانتها تزحزحت إلى مرتبة أدنى، و حلّ محلها التسطيح الفكري والفراغ الثقافي.
و في الوقت ذاته يمكن القول أن التطور الذي تشهده المجتمعات الصناعية و غير الصناعية قد جعل من العلاقة بين العمل و الترفيه في أوقات الفراغ تتغير مع ضرورة التكيف وفق التحولات الاجتماعية باستهلاك السلع الثقافية من خلال شراء وسائل الترفيه و التسلية. أصبح الجزائريون – مثل الشعوب الأخرى- يملكون جهازا تلفازيا و مذياعا (و لو أن هذه الوسيلة الإعلامية الأخيرة أصبحت لا تستعمل إلا قليلا) وهواتف ذكية و وسائل أخرى.أضحت يوميات الجزائريين –على اختلافاتهم الفئوية وأعمارهم – تدور حول متابعة الأفلام و المسلسلات و مباريات كرة القدم و التطبيقات الالكترونية المختلفة. و الجدير بالذكر أن العالم يعيش في لحظة تاريخية تتسم بوجود مفرط لوسائل الترفيه و التسلية، فيستهلك الفرد الكثير من الإنتاج الثقافي و الرياضي الذي تبثه القنوات و الشبكات الاجتماعية. و نشهد حاليا عولمة الإعلام و شوملة الاقتصاد و عولمة الترفيه والتسلية التي و تخضع لمعايير التسويق و تتخذ من وسائل الاتصال الحديثة وسيلة مثالية. أصبح كل من يرغب في التفاعل الفني أن يسجل بالأستوديو، في البيت ما يريد من أغاني أو أفلام قصيرة و يتصل بمنصات البث المتدفق (ستريمينق) لتسويق منتوجه دون المرور على الوسطاء و القيام بالتمثيل والإخراج من خلال منصة اليوتوب و ما ينجزه بعض الشباب الجزائري من موسيقى و أغاني مثل “الراي” أو “الراب” التي يتجاوز عدد مشاهديها عشرات الملايين وتجاوزت في ظرف سنة إحدى الأغاني الجديدة “و هذي ما شفتوهاش” حوالي مائة و خمسون مشاهدة إلى حدود هذه اللحظة (21/02/2021 في الساعة الحادي عشر صباحا). و يستفيد منتجو هذه الكليبات و التدوينات الصوتية (بودكاست) من عدد المشاهدات التي تحوز عليها صفحات الإشهار التي ترافق الأغاني من أموال كبيرة. فقد حصلت إحدى المغنيات في الولايات المتحدة الأمريكية بقناة “اليوتوب” على ثلاثة ملايير و ثلاثة مائة مليون من المشاهدين و على قيمة المبيعات ما حوالي ثمانية ملايين دولار.
إن الثقافة بخاصة العالمة منها و هي التي تدرس في المدارس و الجامعات، وعلى أهميتها فهي مستصغرة و لا يوليها الإعلام إلا أهمية قليلة جدا، لأن هذا النوع من الثقافة يدفع إلى اكتساب ذهنية نقدية و يتطلب جهود كبيرة في البحث و التعلم، ما لا يقبله الكثير من الناس الذين يميلون إلى تبسيط الأمور بخطاب سهل المنال و هو ما تشجعه الكثير من المؤسسات السياسية و الإعلامية بغية تمرير خطابات تتميز بالرداءة فتجلب الكثير من المتابعين مما يرفع من رصيدها الإعلامي و تستفيد بذلك من الإشهار، و هكذا يتزعزع مقام الثقافة العالية التي تملك -بطبيعة الحال- جمهورا محدودا و قليل العدد، و بالتالي قليل التأثير. و لعل هذه القلة هي التي تجعل من هذا النوع من الثقافة خاضع لهيمنة الحقول الأخرى التي لا تتعب نفسها في تكريم المثقفين و تمنحهم التعويضات المناسبة عما ينتجونه من خيرات رمزية. و في هذا السياق السياسي و الاجتماعي الذي يتحرك فيه الأديب تلعب دور النشر دورا لا يستهان به في ترقية الكتاب الأدبي ، و لكون أصحابها يخضعون بدورهم للمنطق التجاري، فإنهم لا يغامرون –باستثناء قلة قليلة – بنشر الكتب التي لا تباع كثيرا وجمهورها ضيق، فتميل إلى نشر الكتب التي يقبل عليها القراء بقوة. إن الحقل الأدبي يخضع أيضا لهيمنة من نوع آخر، الهيمنة الرمزية للكتاب المعروفين على الكتاب الذين لم يكتسبوا بعد صفة الاعتراف و الشرعية الأدبية. ولعل ضعف مرافقة وسائل الإعلام لهذا الإنتاج الأدبي تطرح مزيدا من المعاناة للأدباء، فلا يجدون صدى لأعمالهم إلا في نطق ضيقة. و تضاعف من هذه المعاناة غياب النصوص الأدبية في المدرسة الجزائرية مع حضورها المحتشم في الدراسات العليا. فالنص الأدبي يحيى ويعيش بوجود قراء يقبلون عليه، و إذا غاب دور القارئ يموت النص بين رفوف المكتبات. ولعل القارئ الشغوف بالأدب قد تصنعه العائلة ثم المدرسة و أخيرا وسائل الإعلام التي تحفزه. هل القارئ غائب؟ لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بالإيجاب، لكون القارئ موجود لكنه يقرأ بشكل مختلف في عالم طغت عليه وسائل الحديثة وسهلت الإقبال على المواقع التي تقدم له و بشكل مفرط وسائل التسلية وتلهيه عن الموضوعات الجادة التي تتطلب عزلة كبيرة و صبر جميل. إن حظ انتشار الكتابات الأدبية الجديدة و الحديثة ضعيف جدا بسبب تعقيداتها الفنية فتخلخل عادات القراءة لدى جمهور تعود على النصوص التقليدية التي تطمئنه حيث يتابع أحداثها براحة نفسية كبيرة. هذه المسألة ترتبط بنوعية النصوص، التي تنتشر بصعوبة و التي تنتشر بسهولة. وأن الكثير من الأدباء الذين عرضوا نصوصا استجابوا من خلالها إلى طلب القراءة، تحولت كتبهم إلى “بيست سيللر”، أي الأكثر مبيعا و بملايين النسخ مع ربح مادي (السلسلة الأدبية “هاري بوتر” التي تم بيع 450 مليون نسخة منها منذ عام 1997 حتى سنة 2015، و هذا يعادل 90 بالمائة من مجموع الكتب التي تم بيعها في العالم سنة 2013، حسب موقع “أمازون” التجاري). و يمكن الإشارة إلى بعض الأدباء الجزائريين الذين اختاروا “الهجرة” بكتبهم و اختاروا استراتيجيات أدبية وموضوعاتية جذابة و دور نشر ذات ميزة احترافية كبيرة سواء في فرنسا أو في المشرق العربي، قد حققوا نجاحا أدبيا كبيرا وشهرة هائلة و حصلوا على أموال معتبرة و نالوا جوائز أيضا. بمعنى أنه لا يكفي أن يكتب الأديب نصا ثم ينتظر أن يأتيه القارئ ليقتني ما جادت به قريحته، على الأديب أن يشارك مع الناشر في عملية التسويق و أن يقرأ السوق قراءة جيدة قبل أن ينشر نصه، و الآن نجد أن وسائل الاتصال الحديثة و هذه الشبكات الاجتماعية تمنحه الكثير من الفرص لكي يقوم بترقية ما ينتجه من نصوص، والتجارب التي يقوم بها الشباب في عالم الفن، كما رأينا أعلاه، قد تكون نموذجية بالنسبة للكاتب، لكن هذا لا يعني عدم كتابة النصوص الأدبية ذات البنية المعقدة، فهذا النوع من الكتابة ضروري، و إن كان صداها محدودا.
المراجع:
-1- لماذا لاعبو كرة القدم أغنياء؟ – الكميت إبراهيم
arabic.rt.com › sport › -
-2- صبحي موسي هل من مشترك بين كرة القدم والكتابة؟ | مجلة الفيصل – www.alfaisalmag.com › …
-3-Phillipe CABIN Dans les coulisses de la domination – Sciences Humaines
www.scienceshumaines.com › dans-les-coulisses-de-la
-4-Analyse | Foot business : quand l’argent ne peut plus tout
www.lesechos.fr › Idées & Débats › Éditos & Analyses
-5-Dominique Crozat, Laurent Sébastien FournierDe la fête aux loisirs: événement, marchandisation et invention des lieux. Annales de géographie 2005/3 (n° 643),



