النص رواية كتبتها امرأة، فيدخل بذلك في إطار الأدب النسوي، والملاحظ أن البطل الراوي ـ وهو بطل عليم ـ عارف كل خبايا الحدث، وما يتعلق بحياة الشخوص المتعددة، وأن غالبية السرد يتناول ما له علاقة بالمرأة، في مختلف مراحل العمر من: طالبة جامعية، وأم وجدة…
ويظهر ذلك في الجزء الثاني الخاص بالبطلة ـ ريتا ـ وجزئيات حياتها.
وكأن الكاتبة ـ رينيه الحايك ـ أرادت إلا أن تجعل الرجل، ركيزة لتناول حياة المرأة، اللبنانية خاصة؛ إذ أحداث النص تدور في بيروت وضواحيها، وبعض بلدان الخليج… والبطل مع أنه يعيش في محيط يتواجد به الرجال والنساء على حد سواء، وأن له علاقات مع المرأة؛ إلا أنه لم يتواءم مع وضع رجل اجتماعي، إلا بشكل بسيط ـ خفيف…
وزوجته الأولى ـ ريتا ـ بنت معه علاقة صادقة، قابلها هو بفتور وابتذال ـ وربما إعراض ـ أدت بهما إلى الطلاق. بعد مدة من برود العلاقة بينهما، جالسها ليقول لها:” أرى أن حياتنا مع بعض، ما عادت ممكنة، أنا لا أحبك، أعتبرك بمنزلة صديقة.” ص166. هذا لما باشر ربط علاقة مع زميلته ـ لينا ـ انتهت بالزواج، وصارا يعيشان حياة الأزواج؛ وكانت أكثر تقبلا لأهله من ـ ريتا ـ وعنّ بينهما مشكل، له علاقة بالأبناء…
فالزوجة ـ لينا ـ استجابت لغريزة الأنثى، وفطرة الأمومة ـ في نيتها ورغبتها أن تصير أما، مثل أمها، ولكن البطل الراوي، لم يكن على وئام مع الفكرة؛ وأظهر نفوره أكثر في حالات استضافت ـ ريتا ـ ابني جارهما، ماتت أمهما تحت قصف إسرائيلي على المدينة، فوجد هو الأمر مملا، مزعجا.
قد يرى البعض أن البطل الراوي هذا، قد أصيب بلوثة عقلية، فصار يتخيل أمورا، لا مكان لها في منطق الأشياء ـ لها علاقة خاصة بزوجته الأولى ريتا ـ فكم من مرة، تصور أنه سيلتقيها في عطفة شارع، أو محل عام ما، هي إذن قابعة في لا وعيه، ولمجرد شيء أو حدث ما تخرج إلى واقعه، وتدخل مسرح الأحداث الدائرة حوله، ولكن الواقع يصدمه بلا جدوى أوهامه، فيكبت في نفسه، ذلك الجو الذي عايشه معها، وهي تظهر إعجابها بأشياء شاهداها معا، فعندما دخل بيت أحد أصدقائه، ورأى بعضا من أشياء ـ لا تزال على حالها كما رأياها معا ـ أحس بطيفها يدغدغ بصره، ولكن الحوار بين الحضور، انتزعه من حلمه اللذيذ، فتمنى لو أنه لم يعد إلى هذا المكان، لأنه ذكره بجرح يسكن عمقه…
ويعد حادث السيارة، الذي عاشه، وأجبرته أمه وأخته على البقاء معهما في البيت العائلي، بعد مغادرته المستشفى من غير إذن طبي؛ اشتدت به الهلوسة التي تعيده إلى الماضي البعيد غالبا؛ ففي إحدى المرات عاش كابوسا ـ خلال نومه ـ جعله يرى ـ ريتا ـ في ثوب مألوف لديه، جالسه على كرسي في بيت ـ فادي ـ وبذلك استرجع معرفته هذا الشخص، وكيف أنه بدوره تزوج امرأة كان يراها أكبر منه لمجرد أنها أطول منه قامة؛ وكيف أنها تركته بعد اتهامه بالخيانة، وسافرت مع ولديها إلى أستراليا.
تحيل الكاتبة الكلمة لراو آخر، بالأحرى لراوية، هي ـ ريتا ـ فتقدم هب كذلك تفاصيل عن حياتها في أسرتها، وخلال حياتها الزوجية مع إبراهيم، والمطبات التي لقياها، ثم تعود إلى فترة فتور العلاقة بينهما، والتي انتهت بالطلاق…
يبقى أن الكثير من الأمور، ذكرها إبراهيم، وأكدتها هي كذلك. ومنه يبدو أن هلوسته بمرأى ـ ريتا ـ أو لقياها، لم عن شوق إليها، وحبها بل ربما عن توجس و تردد، وخوف من انكشاف الأمر.
السرد في رواية ـ حياة قصيرة ـ
اعتمدت الكاتبة طريقة ـ سأسميها طرقة التمديد من الطرفين ـ كيف ذلك. جعلت البطل الراوي، يروي على محورين أساسيين: ينطلق من اللحظة ـ الآن، الحاضر، فيعود إلى الخلف، باسترداد أحداث ـ أو ما يسمى الفلاش باك ـ يروي عن صباه، حياته خلال الدراسة، حتى يصل إلى تخرجه، مع الأحداث التي واكب ذلك، وف مقاطع أخرى، نجده يغوص في آنه ـ حاضره، فيسرد عما يعايش، وما يعاني، ليحاول مد الخيط إلى مستقبل يجهل عنه كل شيء، ولكن يتخيله، في ظل الحرب التي تخيم على لبنان، و على بيروت بالخصوص. من خلال تخطيطه مع أصدقائه، إقامة شراكة، فيساوره الشك والريبة، لما بجد نفسه في المكان الموعود لذلك…
ونفس الطريقة تحدث مع ـ ريتا ـ في الجزء الثاني من النص…
العنوان: حياة قصيرة. لماذا!
البطل الراوي إبراهيم. الذي لم تصرح الكاتبة باسمه، إلا عند الصفحة ـ 86 ـ
فتفاجئ القارئ، بقول الأم:” ولِمَ يا برهوم، تدع بيتك ينهار هكذا؟”، من قبيل التدليل،
لاسم ـ إبراهيم ـ وهو الذي وصل به الوضع، ليعاني أمراضا مزمنة، تكاتفت ضد جسده، بسبب التدخين والشراب المفرط، فارتفع ضغطه الشرياني، وضعف قلبه، وكذلك أمه، تعاني أمراش الشيخوخة، والدوالي.
وكذلك بالنسبة لأسرة ـ ريتا ـ فأخواها ـ ساندرا وجورج ـ ماتا صبيين ـ صغيرين ـ بأمراض متشابهة، وهي نفسها، بعاداتها المشابهة لعادات إبراهيم: إدمان التدخين، والشراب، فتموت هي أيضا بضعف عضلة القلب
بالإضافة إلى توجس كل سكان لبنان ـ بيروت ـ من الموت تحت القصف، في أي لحظة، مع الإشارة إلى أن الكاتبة، وظفت شخوصا كثيرة في النص، يصعب حصرها وحصر دور كل منها في الحبكة ….



