سنونو مقهى فوكيت / سميرة بولمية
بواسطة admin بتاريخ 6 مايو, 2022 في 03:24 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 517.

كسرتني ” صوفينيا ” في نفق الأسئلة المظلم، فانكسرت أجنحة عصافير الفرح التي كانت تحج إلى صفصافة وجهي، وأعناق مرايا السماء التي كانت تعانق بجعات أحلامي كل صباح، ومفاتيح مملكة الذكريات التي كنا نأوي إليها كلما هبت علينا عواصف الخلافات ..

فاجأني إعصارها كما يفاجئ الوحش المفترس فريسته الضعيفة ..

 تمنطقت بحزام الليل الحالك، وغطت صحراء ملامحها القاحلة بقناع السيافين ..

 كانت أسرع من خيول الدروج، أخرجت تنانين الشحناء من أحراش أحقادها ولم تتردد في قطع الحبال التي تشد برج رأسي بأعمدة بدني، وفي إضرام نار خداعها في خريطة وجداني، ورمي تاريخ مملكة اسمي في محرقة الانتقام.

هويت كما يهوي الشهاب من عليائه، وانطفأ ضياء نجم الحياة بعروقي كما ينطفئ بريق مجده، واستسلمت روحي الجريحة في كهف الوحدة لصلاة خاشعة على سجادة رمادي، وكل همي ألا ينفضح أمري .. وألا يرى أحد ما فعله بي رصاص بنادق الغدر !! ..

حالي .. كحال غربال بالي .. يهزني هزيز ريح الغلول، ويهرسني حجر رحى الندامة ..

لم ترحمني ” صوفينيا “، لم ترحم الطفل الصغير الذي كان يعود إلى عشها آخر المساء محملا بسلال كمثرى الحنين و الاشتياق، وبرسائل التوليب الزهرية و الصفراء، ولم ترحم أناملي التي كانت تفتش عن آثار فرستها الصهباء في غياهب المجافاة والهجران، ولم ترحم طول انتظاري لها في سرادقات الرجاء، ولم ترحم تغاريد ” اللاتينو فيشر”  و ” الوايت بلو ” و ” الأسبليت ” الذهبي و الأبيض .. ، ورنين جلاجل الأنين في أفنية قصائد الهزيع الأخير.

كنت عائدا من محنة أفول فرقد أمي، الذي كان يتلألأ كلؤلؤة بيضاء في سماء حياتي، أمي التي جردها قراصنة الزهامير من تاجها وصولجانها وكنوز إمبراطورية ذاكرتها، وأسرتها في سرداب مهجور، فأنستها جنيات التيهاء صليل سيوف البطولة وهي تتقادح بين قبضات حروف اسمي المتينة، وأريج ياسمين الفرح المنبعث من شرفات أيامنا الجميلة، ومواويل مروج الحناء في مواسم أعراسنا البهية، وكلمة السر بيننا ((  ياروح ” تالايتماس ”  )) .

واتسعت هوة الصمت بيننا، فاختنقت فراشات الود التي كانت تشدنا بخيوطها الحريرية إلى فسحة الصفح والنسيان، وضاقت أنفاس سوسنات الأعذار التي ورطها سكين الشرخ في مناوشاتنا القاتمة، واشتدت آجة الخلافات بيننا وكأننا عدوين حاقدين على الشمس التي مازالت تشرق في سماء حرب باردة، و لم ننتبه إلى مركبنا الذي كان يغرق في بحر أنانيتها المفرطة، وسلطت علي كلاب أسوار الغموض التي كانت تحوط بساتين نظراتها الباهتة، فضاقت عصافير صبري من بحة التلجلج و الحيرة وهي تذبح شياه      كلماتها المتقطعة ..

على غير عادتها، نسيت ” صوفينيا ” درج مكتبها مفتوحا، هناك قوة خفية تدخلت فأزاحت الستارة عن النفق العجيب المؤدي إلى مخدع أسرارها، وفي أغلب الأحيان نكون بحاجة إلى تفسير مقنع لما يحدث حولنا ومعنا .. يجيب على أسئلتنا الكبيرة .. ويقرأ الحقيقة المنقوشة بلغة غريبة على جداريات فضولنا والتي تتفنن في تمزيق شغفنا إلى إرب صغيرة .. فهل كنت أستحق أن أكون مجرد تمثال من حجر في حديقتها المتجمدة ؟، ألهذه الدرجة أعمى إعصار العشق عروق بصيرتها فلم تعد ترى إلا مقعدها في ماخرة النجاة، ولم تعد تسمع إلا ضربات قلب ” فرانز شوبرت ” وهو يعزف على أوتار أشواق  ” سرينادة ” لحنه الغرامي، ولم أعد مهجة صباحاتها و نرجس لياليها !! .

وصفتني ” صوفينيا ” كما يصف الغريق نهايته الحزينة.

ووصفت القنطرة المؤدية إلى مدينتنا بقنطرة الجحيم ..

ووصفت تفاحة حبنا وكأنها تصف امرأة واهنة أكلت من الثمرة الآثمة..  تاه منها غزال غلواء الشباب في غابة التجاعيد المقفرة، فكانت عقوبتها العيش في حضن وحش الوحدة تحت سقف كوخ خريف الفناء .

” صوفينيا ” الجاحدة تنكرت لعرش كرز الصبوة الذي كانت تتربع صهوات عزه، ولمراجيح الفرح المعلقة في بهو حكايته المبرقشة بأزاهير الربيع، ولرقصات أناملي على حيف شهد اللهفة والحنين ..

هل كنت مجرد سمكة صغيرة تسكن بحيرة قلبها، ولن ينقلب حالها إن جرني قدر الرحيل بعيدا عنها وجردني من حق البقاء بها، ولن يعطش ماؤها في غيابي، ولن تذبل زنابق أصابعها إن مات هوائي، ولن تركض إلى حضن وسادتي إن تذكرت أنني مثل خيط دخان العناد من الصعب أن أعود إلى نفس المكان لأسجد لحطب الأهباء، كان لابد علي أن أكون حوتا عملاقا يصعب التخلص منه، يبتلع حضوره كل كبيرة وصغيرة تجول بخاطر البحيرة، ولا يترك مفاتيح أبوابه في يد رمل الفراغ، ولا يتسامح مع مسافات المستحيل، ولا يثق في متاهات الذكريات، ولا يتحالف مع مناويل الضوء، ولا يعول على علالي النسيم ..

لم تكن ” صوفينيا ” مصابة كما كانت تدعي بعلة النسيان، بل كانت تعاني من آلام لسعة نحل الولع والهيام، جربت على قلبي أقبح تجارب التجاهل، وحولتني من غيمة حرة تملك طول وعرض خيمة السماء، إلى طاحونة بلهاء مغروسة في خواء السأم، تتعارك مع ذباب الضجر ودبابير الملل وخفافيش الغم وأشباح الغسق، وترى سفينة الكون بحجم حبة فستق فاسدة !!.

فهل هناك أوصاف جاهزة لرجل أحمق أحنى رأس قوس شكيمته، وكنانة سهام أنفته لكذبة ملعونة تبهرج وجهها بمساحيق العار !! .

كم مرة نسيتني ” صوفينيا ” خارج مدينة ودادها .. وكم مرة جلست وحيدا في عراء الضياع على مقعد الشتاء أوزع قمح أسئلة المساء على طيور المطر، وكم مرة نسيت أني أحب قهوة الصباح ساخنة وبقطعة سكر، وأكره ارتداء بذلتي الرمادية في غير فصل الخريف، ولا أفتح كتاب نهاري إلا عندما أغلق كتاب أشهر اللوحات الفنية، ولا أسمح لأحد أن يفتش في أدراج خزائن حياتي، أو يتجسس على فتحات آهاتي وعلى معابر أوراقي، أو يدخل مكتبي ويشعل أباجورة التنين النحاسي في غيابي، نسيت” صوفينيا ” كم أنني لا أطيق رائحة احتراق زيت زيتونة الصبر، وركوب موجة بحر الغضب لتغيير قبلة نهر اللقاء، واستغلال سذاجة أجراس الصمت لتضليل غيوم الكلام !! 

وصلت متأخرا إلى مطارة الجواب، كجثة غريق بلغت ضفة الأمان بعدما بلعت أهوال البحر         وهمومه و دموع عرائسه وخطايا أمواجه وقسوة الملح الطالعة من جلده، فهل ” صوفينيا ” الجنة التي أحرقتني بنارها الخضراء، أم أنها اللعنة السوداء التي مسختني إلى رجل يحمل على ظهره حدبة العار، يشار إلي بالبنان وكأنني أحد أبناء وردان، نزلت علي بهلة الجعلان التي راحت تدفع بأنفها النتن قوس اسمي المكسور لتلوثه  بروثها وروث كائنات من نفس مستواها، لتصنع منه كرة تلهو بها حين يحل غول الظلام.

هل كان لقائنا به  في متحف ” أورسيه ” بباريس مجرد صدفة ؟ ..

كنا متفقين على أن عبقرية الفنان الروسي ” فاسيلي كاندينسكي ” في استخدام الأشكال والرموز في لوحته ” التركيب 8 “، وعلى البريق العجيب المنبعث من ألوان لوحة الفنان الفرنسي                                  ” بيير أوغست رينوار ” * رقص في مولان دولا غاليت *، فجأة نسيت إعجابها بـ ” فاسيلي ”                         و” رينوار “، وتعلقت كطفلة مشاكسة بميله الكبير لجاذبية ” جون الساخنة “، ولسر جمالها الفخم، وبراعة الرسام البريطاني الكلاسيكي ” فريدريك ليتون “، وكاد سعار الفضول يقتلني، ألهذه الدرجة سحرها اللون البرتقالي النابض بالحياة، والأزرق الناعم في الخلفية، أم تراها لم تعد تقوى على إخفاء إعجابها بأي شيء تلمسه أنامله الذهبية، وكل شيء تلتقطه عدسات عيونه العسلية ..

هل كانت مثله معجبة بالسكين الذي كان يذبح به نياق صبري، ومزهوة بخطيئتها مع ذئاب نظراته الجائعة ؟!..

وصرت مـتأكدا أن لقائهما لم يكن بمحض الصدفة كما أوهمتني !! ..

ولم يكن تمثال ” كيوبيد ” و” سايكي ” مجرد هدية غالية من صديقة لا أعرفها عائدة من روما، لقد اختار أفضل وأشهر الأعمال النحتية في العالم ليبلغها رسالته المسيئة لي وله ولها .. ، وعرف كيف يغرز في رخامية ظهري أزاميل ” أنطونيو كانوفا “، فتمزقت شرايين بركان غضبي، وتدفقت دماء رمادية أحرقت الحبال التي كانت تشد أوتاد خيمة جسدي ..    

تائه في قفار وحدتي، كطائر كسير، قصوا فرحة جناحيه ليصنعوا من ذكريات ريشه وسادة دافئة لأميرة مدللة ..

يتحول البيت في غياب أغاني نسيمها إلى صحراء عارية، تتسلل أنفاق أفكاري القاتمة، تارة تتحجج بجلسات تعلم العزف على آلة الترومبيت، وتارة أخرى يروق لها تقليد رقصة هداهد أناملي في فسح البيكولو ، ومنافسة صهيل جياد حريتي في ساحات المبارزة بسيف الشيش !!..

وتطورت أحوالها الغريبة، فألفت عادات جديدة كانت تضاعف من حيرتي وتضعف همة حيلتي، كلما شممت عطرها، توجهت بنظري إلى مكان تواجد حقيقة يدها، وإلى المسافة الموحشة التي صارت تبعدني عنها، وتمنعني من الاقتراب منها .. وكلما أخرجت ” الفوتون ” الياباني من الدولاب، تصلني رسالتها الصامتة، وأتكهن أنها ستنام في الغرفة المجاورة، وعندما تريدني أن أشاركها أجواء الاحتراق بنار          ” السرينادة ” أتوقع أنها ستتمنى أمنيات يصعب تحقيقها .. وستطلب مني أن أفتح لها بوابة الحديقة    السرية .. وككل مرة تعلن انتصارها الباهر علي وعلى ” فرانز شوبرت ” و على ” لحنه الغرامي “ !! .

مع مرور عربات قطار الوقت تعبت خيول فضولي من ملاحقة غيوم شكوكي، وتعقب آثار رقط أسئلة علتي، فتغيرت ملامح قصتنا الطويلة، وانقلب حالنا وضاقت أعماق بحار الوله بنا وصرنا تحت رحمة  حافة نهر اللامبالاة النحيلة !!.

كم تغير حال وجه الحياة في فصل خريف حكايتنا الحالكة..

أفل وهج كرز الشوق في حدائق شفتيها القرمزيتين، وتوقفت عصافير اللهفة عن الشدو في جنان فصولنا الأربعة، وجف عسل ساقية أحاديثنا، وانطفأت شموع لقاءاتنا، ويبس نور الصفاء في بحيرة نظراتها، وتجمدت واحة تقاسيمها، فاهتمجت زهور النقاء التي كانت ترفل في خمائل وجهها الطفولي ونبتت مكانها أعشاب داكنة، حلت عليها آفة حفار الساق والجذور الذي التهم تفاح نضارتها ورونقها، ورمان حسنها ووسامتها، وسرق منها أمتعة الربيع وغلالة الضوء الساحرة ..

كنت متحمسا لتعرية جدارية جرحي ومواجهة شياطين خصمي، ومعرفة ما يحدث خلف ظلال صفصافتي الغافلة، واستسلمت لوساويس أبالسة الشك.. يا لها من نهاية تعيسة لتلميذ القديس                            ” هنري  ميلر ” و القديسة ” سوزان سونتاغ “ !!.

كنت أتوقع أن الشيء الوحيد الذي لا نكتفي منه أبدا هو الحب، وأنها ” أوديت ” ملكة البجع، وأنا الأمير ” سغفريد ” الذي أصابت قلبه بسهمها المصوب، منذ الوهلة الأولى التي وقع فيها بصري عليها، وأن أي أحد سيحلم بأن يـأخذها مني سأعتبره الساحر الشرير ” فون روتيان “، ويستحق نهاية الموت على يد سهمي القاتل الطالع من قبضة قوسي الغاضب . 

بالغت في تقديس نظرتي إلى منازلها المحمولة على أكتاف غيوم الأحلام البيضاء، وأفرطت في بلوغ حجرات أسرارها عبر ذلك المنعرج الصعب ..

كأني كنت أضع نفسي في امتحان عسير، وعلي ألا أخيب ظن قرص شمس العناد..  

اتكأت على عكاز ثقتي بصلابة تربة بنية جسدي، فجأة لمحتها تنهار من أعالي جبل الوجع، وكم آلمني ارتطام جمجمة أفكاري بصخور هاوية الانصياع، فتحولت إلى رجل من كلس تؤلمه شماتة الثقب الأسود الذي غير نظرتي لقافلة خيبتي الضالة في صحراء الحوائن ولنباح كلاب اللاجدوى ..

واستمرت في تفصيل أقنعة بيضاء لذئاب أكاذيبها الشرسة وفي تضليل أشرعة حاستي السادسة !! ..

 انقلبت أحوالي وتحولت في نفق الليل المظلم إلى كائن رخو تسلطت عليه ثعابين السهاد الضخمة، فضيعت قوافل النعاس طريقها إلي، وحولتني أشباح بئر الوساوس إلى قطعة غضار طيعة في يد أصفاد أسئلة عتية ..، وإذا بقوة خفية تجبرني على النزول إلى هوة الريب وتذوق مرارة التردد واستنشاق نتانة السأم .   

تأثرت كثيرا بصديقي “هنري” فصدقت بأن العالم / ليس سيئا / بل بريء براءة الذئب من دم نبي الله ” يوسف “، من كل التهم البغيضة التي توجه إليه بغير وجه حق، وأن الطريقة التي ننظر بها إليه             هي/ الرديئة / والتي لا تخلو من التعسف و الذاتية،  لكن ما أن انكسر الدرابزين المثبتين عند رؤوس درجات صبري، حتى صرت أنظر إلى المستقبل كنظرتي لمرآة زائغة !! .

كم تمنيت لو أنني لم ألتق بها.. وليتني بقيت وفيا لإحساسي القديم، أنني سنونو حر، يعشق الأغاني التي مزقت الخيط الرقيق الذي كان يربط أجنحة حريتي بأجنحة السرب ..

ما الذي تغير؟ ..

لم أخف على أحلامي أنني لم أثق يوما في جيوب جلابيب البحر، ولا في مجالس الرمل، ولم تغرني أغانيج عرائس اللؤلؤ المكنون، ولم تهزمني طلاسم كنوز الحنين، ولم أجزع من رنين جلاجل موج الأشجان في آذان أصداف الوداع، ولم أتكلم يوما اللغة التي تمجد قبضة مارد النسيان، ولم آكل سنابل صبري في هاجرة القيظ، ولم أكسر مزامير هجرات روحي في قفار الإبلاس والخذلان .

ليتني لم أتوقف عن جمع العالم في صور فوتوغرافية أعيد فيها تركيب الزوايا المعتمة ..

 أنا التلميذ الغبي الذي لم يستوعب دروس معلمته ” سوزان سونتاغ ” ..

 أنا الخائن الذي غدر بعهده لها ..

مازلت أركض في فراغ التيهاء مفزوعا من عجزي و قلة حيلتي، كتلك الطفلة الفيثنامية الجنوبية    ” فان شي كيم فوك “، التي                  كانت تركض بأقصى سرعتها في اتجاه الكاميرا بعد أن تعرضت لقذيفة        ” نابالم ” أمريكية، أحرقت ثيابها وجلدها ..

أنا أكثر ألما منها لأن من أطلقت علي قذيفة ” نابالم ” هي من كانت تضع الكالا البيضاء والزهرية والسوداء في مزهريات الشوق، لتزين بها شرفات قصر الأحلام .

و لن تكتمل فصول روايتي إلا بوجود المراسل الصحفي الأمريكي ” نك يوت ” لينشر صورتي في صدر الصفحة الأولى من صحيفة ” نيويورك تايمز “، و أنا عاريا من كل أوراق الأكاذيب التي كانت تستر شجرة جسدي الشاحبة، وسيتوج للمرة الثانية بجائزة الـ ” بوليتزر “، وسيكون لصورتي حظ أفضل صورة صحافية لعام الرمادة، وتأثيرها سيفوق تأثير مائة ساعة تلفزيونية في تحريض الرأي العالمي ضد جريمة إنسانية تدنى لها الأجبنة !  . 

كنا نحلم بأن نعد الشراع ” لإيثاكا ” الجميلة، ولم أكن أعلم أن فهود المتاعب ستلاحق عربة أحلامنا التي بالغت خيول أخيلتها في تحديد معالم الخريطة المؤدية لكنوزها المدفونة بقلب هذه الجزيرة  الأسطورية ..

وظننت أن جنون أطياف الصيف ستقربنا .. وأحاسيس هذا السفر الخرافي ستريح مراجيح أنفاسنا، وستقربنا من منابع أشواقنا القديمة، وأن همس كمنجات التوق طوال هذا الطريق الطويل سيعيدنا إلى حرارة اللقاء الأول!!  .

كم علقت آمالا كبيرة على هذه الرحلة، وعلى الحكمة التي كنت سأظفر بها بهذا المكان الذي احتضن صرخة ميلاد ” أوديسيوس ” ملك ” إيثاكا ” الماكر، وصاحب فكرة الحصان الخشبي الذي تسبب في هزيمة الطرواديين .

فاجأتني عاصفة مرض غريب حطت بأجنحتها الداكنة على قلبي الواهي، كما فاجأ ” بوسيدون “   ” أوليس” بعقوبة الضياع في مجاهيل         البحر عشر سنين لاقى فيها أهوالا كثيرة ، بسبب سمل عين العملاق  ” بوليفيموس ” الوحيدة ..

أدركت من صقيع صمتها ، وطريقة جلوسها ، ومن رائحة التجاهل واللامبالاة في تصرفاتها ، ومن تبرم البرد في صحار يديها القاحلتين ، أن الشمعة التي أوقدتها في محراب فؤادي قد انطفأت ، وأني مثل رغوة صابون ساذجة أتبخر في مجاهل خواء رهيب ، وكل شيء من حولي بنيته بعرق محبتي وإخلاصي تهدم واستوى بلحية الأرض، وراحت كلاليب الرمل تنهش لحمي المتفحم، وتلهث في شغاف قلبي  المتعفنة، وليس أمامي إلا أن أسند جسر جسدي المنهوك لحكمة نهر الحياة لعلي أستفيق من كبوتي !! ..

عضت براكين السعير رمان حديقة فؤادي فاشتعلت نيران الفتنة في قصب الظنون، ورفعتني  جرافات همومي، ورمت بي لمجة سائغة لهراميس ملهوفة تزأر في مأسدة الظلماء .

أتعبني غياب ” صوفينيا “، وأثقل كاهل مشاعري شعور بائس أنني جندي ملغم مستعد لخوض غمار معركة النهاية، ونسف حصن ذاكرتي بذلك المكان الذي انكمش وتضاءل ولم يعد يسع حتى أجنحة نوارس أنفاسي، وحين توقفت حمائم قلبها عن زيارة حمائم قلبي، ابتعدت دندنات أكرينة صوتها عن حقول سمعي، وانقطع  مطر رسائلها عن سقي شتول الرجاء العطشى بأرضي الحائرة، ولم أعد أعثر في الصباح على آثار حوافر فرستها الصهباء في برية لهفتني ..  

لقد غيرت “صوفينيا ” موطن جنتها .. وغيرت قمر فارسها بشمعة صغيرة أشعلتها في حجرة  الظلال                       

اضمحل ظلي في غرفة العقاب وكأني رجل من غبار .. ولم تتردد أشباح هوسي من ذبح أوتار ربابة     التأني بمبضع الشماتة، و هي تردد صدى همساتها الشبيهة بهمسات أقحوان يتغنج في شرفات العشاق.

كأني أسرفت في الشرب من كأس الهذيان !! ..

أحرقت جذوات حمى الريبة آخر ثمار فصل الثقة، فهل حان وقت تجريدها من تاج سيدة الدار، وهل صار من حقي عليها أن أصدق شهادة مرآة الحقيقة وأكذب شهادة مرآة الفؤاد ؟ .

للعاشق نهر من صفاء، ما أن تبرد نار العتاب حتى تغطس الحبيبة في مياهه المسالمة لتغسل وجهها الملطخ بأتربة عراك ديكة عنادها بديدان تفاح الملل ..

وللمدنف قلب مفروش بحرير المودة، وصدر ترتل في محاريبه صلوات الصبر،  يتحمل دوران أجرام الأمزجة حول كوكب الأهواء، وتنهيدات الفصول الأربعة في شهقة المتيم .

كنت خائفا من أزيز رياح الوحدة، ومن قسوة سياط الندامة، ومن قهقهات خطاطيف الخواء في جوف الليل، ومن الأدخنة المتصاعدة من مداخن غفلتي، و من أذقان الهواجس الملتصقة بزجاج نوافذ هيبتي، و من ثرثرة ذكريات الفخار في مأتم المودة.  

اختبأت في علية قلبي كما يختبئ الفأر من صاحب الدار حتى لا أسمع مواء هررة المرح وهي تلهو مع كتاكيت ركبتيه، وأطفأت قناديل نباهتي حتى لا أرى جنادب الرغبة وهي تحوم حولهما، وحتى لا أسمع صرصرة أشواقهما وهما في غمار ترنيمة الشغف !! .

كنت أظن أن من يحب تاريخ الوستارية وأزهارها الأرجوانية والزرقاء والبنفسجية والبيضاء،        لا يكذب على مصابيح القلب المتوهجة، ومن يقطع تذكرة سفر ليرتوي من نهر ” جورج زامفير” وهو يؤدي بآلة ” البان فلوت ” معزوفته العظيمة ” الراعي الوحيد “، لا يذبح أوتار كمنجة الأشواق، ولا يدير بظهره لقمر النجاوى، و من يحفظ أشعار ” مارينا تسفيتاييفا ” : (( ياسنابل القمح الروسي ))                     و(( تقبلي انحنائي )) ، و(( خلف نافذتي )) ، و(( أعطيني يدك على مدى هذا العالم )) ، ومن يؤمن بأنه على بساط السمر يكتمل المعنى الكريستالي لجاذبية رمانة ليل الوداد، و من يشقى من أجل وضاءة قصيد مرهف يشعل في ديابيج الوله نيران رجل مغروم، لا يغدر بميثاق الوثاق المقدس، وبلذة الشهد في مغارة المطهر، و لا يشيد أبراج أحلامه فوق رميم المدينة التي قصمت أظهر أبعرة الصبر.

لم تتعب ” صوفينيا ” من حمل هوادج خطاياها وجر عربة طريقها الوعر، ولم يصعب عليها سرقة عقد النجوم من سمائي، وما أن غفي الفرقد حتى زينت به  جيد أكاذيبها المتجعد، غير أنها لم تتمكن من خداع القمر الذي لم يبرح شرفات مدينة وجهي المهجورة، وظل حارسا وفيا لخيط الضوء المتصاعد من شمعة أمل منهكة تتصدر حجرة قلبي الباردة.

لم يكن يهمها إن مزقت شرشف تخت الصمت، أو غرزت سهام انتقامي في أفئدة ستائر الغسق، أو أفرغت جم غضبي في علب الدواء، أو صرخت في وجه بجعات الشمس، أو تعاركت مع أشرعة سفن الليل، أو لففت حول رقبتي حبل الموت، أو تطلعت إليها كما يتطلع الطفل الأخرس إلى حركات الأفعى المجلجلة. 

كنت أشبهها بجنية الحمى التي كانت تزورني وهي تحمل بين يديها مجمرة الأوجاع، فترتعش لرؤيتها عصافير رويتي، وتتجمد ينابيع الماء بدمائي فور سماعها خجيج رياح حنجرتها .. وتستسلم إشارات هذياني لصعقة قسوتها، لتبدأ حفارة الآلام العملاقة في حفر أنفاقها بأراضي الجرح.

لم تهتم لحالتي، ولم تبذل أي جهد لانتشالي من جب الوحشة الذي ألقتني بين أنياب دياجيه رياح  السقم، واستعملت كل مخالب دهائها لفتح صدفة حلمها، وعرفت كيف تستغل غروب شمس حضوري لتستولى على صدفة حلمي !! .

وعلى الرغم من الصعوبات التي اعترضت رحلتها  إلا أنها تمكنت من تسلق جبل الضوء فتربعت على عرش الألق، وتوجت بتاج أميرة ” لوك كاجوال ” فذاع صيت/ البليزر / و / البنطلون / بنقشة / الكارو/ و الفستان / الميدي / القطني الذين استعانت في تصميم موديلاتهم بمجرات خيالها، ورصيد معرفتها ودرجات مهارتها.

يا حكايتنا البائسة .. !!

واسيت نفسي بمقولة السياسي البريطاني ” بروك جورج ” : (( مأساة الحياة ربما في آلا يحدث فيها أي شيء )) ، فقررت أن أتحمل ما حدث معي وما يحدث وما قد يحدث .. !!.

لم أكن أعلم أنني محدود الذكاء، سهل الاستغلال، وأن أول طعنة تلقيتها حين أوهمتني أن نجاحها هو نجاحي.. !!..  

لم أطلع أحد من قبل على علاقاتي المتينة بالفنان ومؤلف قصص الأطفال ” ديك برونا “، وحدها      ” صوفينيا ” كانت تعلم عمق إعجاب هذا الرجل الهولاندي بأعمالي الفوتوغرافية، وكان من الصعب إقناع ” ديك ” بالحديث عن أرنبته البرتقالية ” ميفي “، ذات الأذنين الطويلتين التي كتب عنها في أكثر من مئة كتاب.

ورحبت ” غارديان ” البريطانية بالمقابلة التي أجريتها مع هذا الطفل الكبير، ومنه تعلمت كيف أتحرر من كل القيود في مدارات / الجرافيكس / وكيف أحب الألوان الفاتحة جدا، و الحوار المدهش بين الأزرق و الأخضر و هما يحومان حول بعضهما البعض، وكيف أجد أنسب درجة من الأحمر و الأخضر والأصفر و الرمادي و البني التي صارت تعرف بـ ” ألوان برونا ” .

وكان من سابع المستحيلات أن يقبل ” ديك ” بفكرة إعادة رسم ” ميفي ” باللون الزهري ووضعها على علب طعام تلاميذ المدارس.

ولم أخيب ظنها ككل مرة .. عدت إليها محملا بكنز ” ميفي ” وبرسالة قصيرة من ” ديك “..

استمتعت كثيرا وهي تتسلق سلم ظهري حتى بلغت قمة برج الضوء ..

وكم تلذذا بطعم كمثرى النصر وهما يحاولان الإجابة على كل الأسئلة الموجهة إليهما على مرأى   ومسمع ” ميفي ” الزهرية .. !!..             

خارج قفص جرحي حاولت مرارا ترتيب خزانة الذكريات، أنا الذي تعبت من جلدات سياط أسئلة العقل والمنطق، ولم يكن بمقدور شتاء الصمت البارد الذي سكن مفاصلنا أن ينكر جلساتنا المتكررة تحت ظلال بيلسان عهدنا المقدس، ومبايعتنا لشعلة الحب المتقدة في معابد صدورنا، وحرصنا على صون ذلك الخيط الإسمنجوني الذي يربط روح الأقحوان بقلب شقائق النعمان، وأن لا معنى لرقصة القديسة دون زفرات جمرات القديس، و لا طعم لشهد الحياة دون صلصلة  أجراس الفرحة في فراديس مقلتيها.

كنا سر الضحكة التي ترصع سقف السماء الثامنة بلآلئ البحار السبع، نصعد بأجنحتنا المبرقشة بسحر ألوان الخيال إلى ملكوت أحلامنا، تلوح لنا ” الزهرة ” بشالها الناري، وتسمعنا كمنجات    ” فوبوس ” و ” ديموس ” أرق الألحان، ويعتذر المريخ منا بسبب وجهه الملطخ                         بدخان الحرائق، ويسلم علينا ” أورانوس”  و هو يداعب أنفه الكبير المغطى بالجليد، ونهيم مع أشجان كينارة ” زحل ” المتوجة بإكليل الدهشة المرصع بماسات السبع حلقات ..

ما أن تغلغلت ” صوفينيا ” في غابته المسيجة  بأسوجة الضباب حتى تسلحت بنبال الغش، وبترس التحايل، فتاهت مني كما يتيه الحمل الوديع في طلامس الصحراء، فتشت عنها طويلا في مجاهل جرحي حتى انكسرت مصابيح الأمل بصدري، وامتلأت بشعور غريب تفرق في دياجي شرايني كدود جشع التهم  آخر ما تبقى في جرار الجلادة  من تين الصبر ..

كلفني حبها حفر خنادق الشقاء في يهماء الجفاء، وجمع حبات رمال الضياع في أكف رياح الشراسة، والدوران حول مدارات ذكريات الغمم، وشرب دموع الحنظل في كؤوس النقمة.

 و لم تكلفها جريمة قتلي الكثير من الجهد و التعب، ففي الوقت الذي خمدت روح جذوة الحياة بعروق أشرعتي، كانت منشغلة بغرس ياسمين عنفوانها في بساتين غزالها المليح !!.

من بإمكانه تحمل سماع عويل أحصنة جناني الجريحة  في أبهاء معاقل الليل المنبوذة، وحشرجة عصافير قلبي المذبوحة بسكين الخداع وهي تتمرغ فوق رمال الظلام، و هجيج نيران الحسرة المشتعلة في قلب ملك سلبوه تاج عرشه وصولجان سلطانه في محرقة الانتقام ؟ !..

 ومن سيقوى على مواجهة خنافس الغصص المعربدة في مدافن صدري، وتهشيم حدبة الهم المتسلطة على ظهر قارب عمري ؟ ! ..

لم يخطئ حدسي يوما ريح ” أريناس “ !! ..

وردة الطفولة البريئة التي عادت من رحلة غيابها الطويلة، لتبشر مدينة صبري بمكان ” تيناس “، المفتاح الذي انتظرت قطرات صيبه كما ينتظر الغريق لحظة الخلاص من دوامة الغرق، ولم تغير روحها البهية ثوبها المغزول بخيوط سحر ” توسمان “، أنا الذي تورطت في حب الياسمين الأبيض وكانت نهايتي على يد سيوف الأنانية، وانتهت ملحمة ذكرياتي في أغباش أجمات العداوة والكراهية  ..

راحت تبخر حجرة صدري الضيقة ببخور ” ناتير “، زهور زيتونة الجدود الصبورة .. فعثرت على حزمة رسائل أحلامي المنسية، على جبينها لاحت أنوار ” تيثريت”، تلك النجمة الخرافية التي كانت تحدثني جدتي عنها قاهرة مسافات الفراق والخيط الفضي المؤدي إلى ضفة اللقاء ..

لعلها عادت من سفرها لتجمع أوراق ” تالاسين ” أوجاعي في سلال حكاياتي، ولتعصر سيلين لهفتي في غيمة قصيدة ” فيرموس ” على مرأى نصر ” تيهيا ” وخيبة عنب أنفاسي، ولتمسكني من كمنجة يدي المقطوعة الأوتار فتحلق بي على صهوة نغمتها اللازوردية إلى موطن ” تالا ” لتشرب شحارير جرحي من ينبوع تراتيلها، على أمل الشفاء من عضة مدية الغدر، لنبعث معا في مهد ” تيفاوين ” أولى أنوار بزوغ فجر البداية من أعالي جبل اليقين، فينسينا سحر بياض ” لإنتماين “، ثلج الخلاصد، وما صنعته بنا ضغائن سهام البهتان .

تنير لي ” أريناس ” شموع ” توناروز “، توسع سواعد الأمل الطريق المؤدي إلى عرائس                     ” تودرت “، كل شيء كما تخيلته، العربة من الكريستال، و العرائس من ذهب، يحملن فوق رؤوسهن طيور ذات أجنحة من سندس، تستقبلهن حارسات سرادقات ” تافوكت ” لتهبهن أحصنة من اللجين الخالص، وشيلان من الحرير المطرزة بخرز المرمر و اليشم  والفيروزج، اعترفت ” لأريناس ” أنني ابن ” تازيري ” وتفاصيل فجيعتي منحوتة على جبينه المحوط  بأسوار من ضياء صلاته في محراب الله، وأنني أنا من ملت قليلا بحروقي البليغة نحو جدع  نخلة الحقيقة لأسكت أنين أوتاد خيمة جسدي المنهكة، ولأواجه أشباح الخوف التي استولت على سراديب تفكيري، ولأدرك عمق الهوة بيني وبين ما أريد .. وأن روحي تتخبط  في دوامة لا قرار لها، تارة أشعر أنني نملة جبانة، لا أقوى على النظر إلى اللطخة السوداء التي تشوه نظرتي إلى مدائن الحياة، تارة أخرى تتقمصني روح فرس رخو العنان لا يملك إلا أن يكون رهن إشارة رغبات أحناشها ..

مازلت أنظر إليها بعين ذلك الطفل البريء الذي اكتشف أنها غيمة بيضاء ترتدي حلة من خيوط الذهب، وتزين جميرتها  بالفيروزج المبطن برقة الياسمين والسوسن، وأحببتها أكثر حين شهدت لها نساء القبيلة بأنها أميرة ” تانيرت “، لجمالها الخلاب علاقة متينة بجمال الأرض في فصل المحبة، وبجمال السماء وهي تتمنطق بحزام نجوم الوضاءة في أعراس بنات نعش الكبرى، وكنت ألمح نسيم الصباح وهو يتودد إليها، والكل يعلم أنها ” ماتيا “، سيدة النساء المعجونة بصلصال الياقوت وماء المرجان، تفرك لؤلؤ الوماق في كفوف الأقحوان، وتبسط معنى غنج الغزلان في رقصة فراشة حول خاصرة زهرة أوركيد عاشقة !!.

جمعت ” أريناس ” ريش أجنحتي المبعثر فوق أسطح العناء، وبللت شفاه رمانة قلبي العطشانة بريق عسل تقواها، كقطرة ” تيموما ” ضمدت جراح بئر حنجرتي، واقتلعت كل أعشاب المرارة التي غمرت مزامير صوتي، ودثرتني بلحاف حنانها وحيائها، ” ماماس ” الحنونة، أخفت آثار سياط الدهر الموشومة على جدارية ظهري ببردة ” تافسوت “، نهرالربيع المقدس الذي جرف أوحال المشقة، ورمال وحصى الشدة، وطواحين الرياح الحطوم التي عصرت زيتونة ذاكرتي في أفواه غربان القحط حتى جفت ينابيع قلبي، وجحور النسيان التي لدغتني أفاعيها فأصبت بمس لعنة الخراب !! .

إنه فصل ” أريناس ” المخضب بعطر التوليب، ينعش أوتار عيدان مرابع وجداني، ويهز حبال أجراس أبراج المسرات، بين أساريرها وأسارير لويزيانا إيريس شبه كبير، وتربطها علاقة متينة بالنرجس جونكويل، تتسع أحداق البحر في مقلتيها، يتزمل جمالها بغلالة ” تيفان “، الخير الذي بدد سلطان خفافيش العتمة، تدندن في مغارة الرجل الوحيد نشيد طائر الجنة المتشبث بغصن شجرة الوعد القديم قدم نهر البراءة في رياض مهجتنا !! ..

أيقظني حفيف أجنحة قصيدتها من غفوة الموت، وغمرتني ألوان طيفها بأحاسيس    ” داسين “، مشاعر أرجوانية  تدفقت                        مشاعر أرجوانية  تدفقت كالشلال الصاخب من قلب غزالة شاعرة، كادت أن تذيب الجليد الذي طمر حقول أبجدية بهجتي، وكاد حضورها البنفسجي ينتشل جثتي المتعفنة المرمية في عراء البلاء .. وكانت كلما تحركت أرض نوائبي و أوجاعي تهدهدها ببلاسم ” تانيلا ” ..

أي سر تخبئين يا زهرة السوسن ؟؟ ومن أي سحر صنعت هالة رونقك يا قزحية الماء ؟؟ ..

وأي قتيل هذا الذي سالت دمائه في معركة العناد، ولم يتفطن لغروب شمس الوداد ولم يعلم بموته الأخير إلا من طيور الذكريات ؟!..

ومن أين لك بكل هذا الذكاء الذي مكن أسراب فراشاتك البنفسجية  من مواجهة جحافل     ” صوفينيا ” التي استولت على آخر                  قلاعي، وتمكنت من نفي خيول عزتي وعزوتي إلى غياهب المنافي، وأعلنت موتي أمام ميمنة جيش الخيانة .. ، لأبعث في كنف زهرة الوضاءة والدهشة محوطا بميسرة    الحظ، وقلب الصدق، وبعناية شرنقة أرجوانية مبطنة بدفء إبريسم حاكته مغازل ملاك                         يدعى ” أريناس ” .

ركب الشتاء عربته الباردة وراحت جياده الرمادية تشق طريقها وسط أنفاق صدري المسدودة..

أخرجت سنابل يدي الداكنة من جيب كفن الوهن ولوحت للجالسة بالقرب من سنونوات وحدتي بمنديل المطر المعطر بعبق العودة إلى ديار الحياة !! ..

تجملت ” أريناس ” بخلخال الصبر فخبأت داخل هودج حلمها كثبان فجيعتي وجبال وحشتي، ولم تبرح يهماء جرحي المحاصرة بصبار الفظاظة والمجافاة ..

 تشبثت بحبال ساعديها كما يتشبث الغريق الكليل بطوف النجاة .. وانتبهت إلى الشبه الكبير بين تضاريس مجرة أمي وتضاريس نجمة ” أريناس ” ..

التقت الأرواح في ملكوت الألم .. فأعادتني ” أريناس ” وأنا محملا بحقيبة خطواتي المرعوبة      إلى موطن البدء !! ..                 

و كما عودتني..  لا حياة مع أبارص اليأس ..

ولا سلطان لليل القنوط في حضرة شموع الأمل ..

ولا طعم لشهد الهناء في غياب تراتيل صلوات قديس الحب..

” أريناس ” ..

خفقة الحب الأولى .. ورعشة رمانة القلب العامرة بلآليء الشغف .. وهزة خصر قصيد الولهان الذي شيد قصور أحلامه في خيلان الجمال .. ورقصة غجرية عاشقة على جمر الكبرياء ..

” أري .. “

سجدة ماء  النهر المقدس .. وتلاوة روحانية لآيات متزملة  بديابيج الأبدية .. وبشائر نبوءة نبية حطمت أصنام الفزع وأطفأت نيران جحيم التعب ..

وأنا ذلك الطفل الأشقر الذي عاد من قفار اللاجدوى إلى ملاوز جنينة السلام، وهو يجر أحصنة جسده المثقوبة برصاص الغدر!! .

انتهى فصل الحلم سريعا .. وطردت مرة أخرى من قصر الماء بجنة الأمان إلى زنزانة ضيقة بجحيم  السعار !!..

لم أتوقع أن سر ارتفاع درجة حرارة جسم ” أريناس ” وشعورها المستمر بالضعف و العياء سببه السموم القاتلة التي تنفثها في عروقها أنياب ” اللوكيميا “، وليس وقوفها طوال النهار بمخبر صيدليتها ..

من الصعب محاولة تشغيل بوصلة العقل لإنقاذ روحين من الغرق في قاع اليأس .. 

أو هكذا خيل لي . !!.

“أريناس ” الواقفة على أرض مملكة أمنياتها التي لم تتنازل عنها رغم مرور آلاف السنين، لم تخف عني سعادتها حين استطاعت أن تكسر أصفاد ضياعي وتحملني على ظهر مركبها، وتسافر بي بعيدا عن خرائب الخيبات .. ، وصارحتني أنها كانت تعلم بهذا الداء اللعين الذي لم ينجح في التأثير على ما رسمته فرشاتها الجامحة، وأنها مثل النملة القنوعة، سمحت لنفسها أن تعيش داخل دائرة حلمها بعيدا عن قيود المستحيل، واكتفت بأن تكون غيمة خفيفة رافقتني في رحلة قصيرة، وعلمتني أن أجمل أيام العمر تلك التي تبعث من رماد النهايات ..

قالت .. ستكمل الطريق لوحدها لتثبت لبحر الحب .. أن للأنهار الصغيرة قدرة عجيبة على تغيير مجرى الحكايات . !!..

ضممت ” أريناس ” إلى جدران قلبي  المتصدعة وكأنني أودعها الوداع الأخير .. وشممت في مدافن أنفاسها رائحة صبار الموت. !!

لقد تطاولت على أحاسيس الأكاسيا، حين تجاهلت عبق الصدق الطالع من أهازيج نظراتها الهادئة .. وخنت رقة كـناري الجلوستر المعشعش على حواف لهفتها !! ..

لم أكن أر ما كان يجب علي رؤيته قبل انطفاء وميض فوانيس الأمنية لآتيها بما كانت تنتظره من ربيع رجل خجول وهي الجارة المفضلة لورود جنة عدن ..

كان ينقص قيثارة غبطتي وتر براءتها ليكتمل عرسنا في أرجاء قريتنا المسالمة ..

وكم كانت تنقص مباخر جرحي ابتهالات الهاجرة، لأدرك في عمق وهدة التلاشي كم أن بعض المشاهد ليس لها أي تفسير .. وكم أن لهيب جمر أسئلتي كلاب معركة هائجة !!.. 

لا أنكر أن بعض المشاهد لم يكن لها أي تفسير .. لكنني كنت بعيدا .. بعيدا .. كخيط دخان متشبث بجيد سماء منهمكة بتطريز أكمام فساتين لمزن غضيضة الطرف سترافق موكب المطر إلى حفلة الأوبرا الشتائية الشهيرة .

كنت طبلا أجوفا في يد ريح ماجنة، أبحث لعناكب حماقاتي عن أعذار واهية في مزود أفكاري البائسة، ولنبال تصرفاتي الطائشة عن مربط الهاوية ..

أخبرتني أمي أنها لم تكن مجرد غزال صغير يحرك ستائر شرفات الفصل الخامس، بل كانت بحجم ذلك النجم البنفسجي الذي يجمع خطوات الأرض في جيوب عباءات الأحلام، وينثر قداس أفراحه في حقول أمانينا ..

 ولم تفلح عصا ” أريناس ” السحرية في تحويل سحالي وتنانين المتاعب إلى فراشات شفافة تعيد إلى مزامير أيامنا بهجة الحياة ..

هزمتنا سيوف القدر في معركة غريبة أدركت فيها حقيقتي البائسة .. أنني فراغ مدينة هرمة آيلة للسقوط والاندثار في مجرة النسيان ..   

 ولم تسكت غربان النحس عن البكاء في مفازة ضاحية ظلال الضياع ..

ولم يفارقني ذلك الشعور الرهيب أنني مكبل بأغلال ” صوفينيا ” ، وعاجز عن الخروج من متاهاتها المظلمة، و قطار رأسي يركض في أنفاق اليأس، بينما أجنحة جسدي قابعة في إحدى زوايا دهليز الوهن تنتظر عودتي من رحلة المستحيل !! ..

*********

أغلقت بوابة قلبي في وجه جوقة الشتاء .. وقسوت كثيرا على قصائد الزنبق المبعثرة فوق ألحاد الذكريات ..

لم يعد بمقدور سجادة الهواء المعتصمة بغرفتي أن تحمل رائحة دخان سجائر الضجر المنبعثة من مدخنة  صدري .. ولم يعد بمقدوري إغراء أنسام النعاس، بعدما سقطت كل قلاعي في يد قراصنة الأرق !!..

 كان علي أن أشعل النار في دردارة  أوجاعي، لتبعث من رمادها  أشرعة سفينة روحي المكفنة في سعوف الفجائع .. وأخبئ ليل خيباتي في حقيبة السفر، ولا أفكر في ذئاب الوحدة التي تنتظرني هناك !! ..

على رصيف المشي الشمالي في الشانزليزيه، رحت أطلق سراح أحصنتي الملجمة بألجمة التبصر، المسرجة بسروج التأمل، الواقفة بيني وبين جبروت انكساري حتى لا أظلم عبقرية ” أندريه ” الذي حظي بإعجاب الملك ” لويس الرابع عشر”، وكم مرة مزقت غيوم أنفاسي بمشرط  قسوتي لأمسك بفراشات مبتغاي المحلقة في مجرة من أحاجي الدانتيل القرمزي، المبطنة بسحر ستان الدهشة الخرافية ..

وكان علي ألا أتوقف عن الركض خلف عربة الهروب، كي لا تدوس علي نعال الهلاك، وأخترع لنفسي ليلة قصيرة أنهي فيها علاقتي الوثيقة بكل الليالي الطويلة التي حبستني في قفص الظلماء، وأطلقت علي كلاب البلايا المسعورة، لأصبح مالكا لأرض صغيرة بحجم أجنحتي الباهتة، وملكا على سماء بعرض جباه مرايا الصبر الكامدة، أفترش سترة الماء الفضفاضة وأنام كما ينام الطفل البريء في مهد البدء .

لم يخالجني ذلك الشعور المشحون بأهازيج الانتصار، ولم أقوى على التخلص من حدبة العار التي تسلطت على أسطح ظهري وصار لها شأو عباءة ظلي الداكنة ..

جربت ترتيب حجرة روحي المهملة، نزعت لوحة العناكب الداكنة المعلقة على  جدار مزاجي الشاحب، وتخلصت من مزهرية الخريف النحيفة ومن بقايا وليمة الأحزان، أغلقت خزانة الحكاية القديمة وفتحت شبابيك قلعة وجداني المتحجرة، لأصافح شمس بداية مشرقة، وارتميت في أحضان نمارق الأماني عساني أستطيع أن أستعيد صولجان هيبتي الهاجعة على تخت الانكسار..

حاولت التصالح مع أجنحة قلبي المتعبة الساجدة تحت أقدام سفح هضبة الجرح ..

نفضت غيمة رأسي الرمادية  في باحة العراء وتفقدت أقفاص جسدي المخبئة في سرداب من فخار ..

أمسكت جيدا بعصا الصباح الندية، وتفاديت نظرات أبوام الضباب الشزراء، و تحججت بالمسافة المستحيلة التي تفصلني عن مبتغاي، كي لا أسلم على تمثال زهرة جولييت المتعجرفة .. 

اندهشت من سحر حديقة ” التويلري ” التي ابتلعت دون أدنى عناء الدخان المتصاعد من أدخنة حيرتي، وأنستني طيور الأوز و النورس أوجاع عضات أنياب كلاب الوحدة، واستأنست بغناء مزامير عنادل الماء ..

 ولم أكن أعلم أن زهور الليلك الأرجوانية التي تمسكت بتربة رئتاي ستتفتح في فصل الدهشة،  بمتحف  ” دي لا أورانجيريه “، وأنني سأعترف أمام ” كلود مونيه “، الأب الشرعي للانطباعية ، بعبقرية فرشاته التي تفننت في رسم تفاصيل حبه القديم لميناء ” لوهافر ” على لوحة قماشية                              (( إنطباع ، شمس مشرقة )) (( Impression, soleil levant )) المفتونة باللون الرمادي المزرق، و المشعة بوميض البرتقالي الجريء، وهو يشق طريقه وسط حكاية قاتمة ملفوفة في دمقس الضباب ..  

هل هذه هي الطريقة المثلى التي يعبر فيها عشاق الألوان عن عشقهم الأبدي للمدن التي لم تكن مجرد حجارة تستمد قوتها من صلابة الأسوار، ورصانة الردهات، ومتانة الجدران، وهيبة الأبواب، ونفوذ النوافذ والشرفات، ومن جسارة الشوارع والطرقات، ورهبة المسالك و الممرات.. مدن بعمق فلسفة الأم الرؤوم  التي احتضنت صرخة ولادتهم الأولى ولم تبرح باحة الذاكرة ..؟

وكم أشبه ” مونيه “، شمس مدننا مدفونة في جوف مغارة أعماقنا المغمورة تحت مياه الظلام !!..

وكم تشبهني عجلة ” فيريس ” الدوارة، ترى حواري حديقة  ” التويلري “، وعناقيد عنب الحب المتدلية من عرائش بساتين باريس، وقوارب نهر السين، وزوار متحف اللوفر، ولا تستطيع أن ترى تجاعيد الضجر المحفورة على وجهها الفولاذي والعرق البارد يتصبب من جبينها الحديدي !!.

فتشت في مقبس الخلاء عن رماد تلك النخلة الخرافية، التي كانت تحرس جياد قدر ذلك الرجل الذواق الذي لم يتردد في البحث عن نجم صغير في مجرة ” برنار باليسي ” الذي أبدع في رسم تفاصيل حديقة     ” التويلري ” على نمط الحدائق الإيطالية، وعن حبات رمل في البصيلة العليا من بنكام المعماري العبقري   ” اندريه لونوتر ” .. وعن المخبأ السري لمذكرات الملكة ” كاترين دي ميشي “ !! .

اعتقدت أن رياح البعد ستنجح في إطفاء قناديل حضورها المشتعلة في غابات الذاكرة.. وأن تلك الزاوية المبطنة بفراء الفرار بمقهى ” فوكيت ” ستريح ثيران رأسي من عناء الدوران حول ساقية  المتاعب ، وستخلص مرافئ جسدي من جور سفن فصول الأتراح الغامقة .  

تجللت الأرض بالمخمل الأبيض وتغطت السماء بوزرات الصرصر ..

لم أخلع خوذة المحارب ..

كنت أعلم أن نيران الحرب لم تخمد بعد !!..

وأنني عدوه اللدود ..  وبيننا خصومة كتلك التي بين ملائكة الخير وشياطين الشر ..

 لهذا رحت أتعارك مع جنود عناده في قفص الصراع المدلهم ..

كنت أركض بالساعات في ميدان ” الكونكورد ” كجواد جامح لا يعترف بمنطق الحدود، ولا يخضع لجبروت القيود، حتى أعدم بنظرات مسلة ” كليوباترا ” الجريئة وحش الخوف الذي لم يتوقف عن مطاردة غزلان خطواتي ..   

أيعقل .. يتعثر الجواد الفطين في قلب عاصمة النسيان، ليسقط الفارس مرة أخرى في بئر ذاكرة الأسقام فتستيقظ في عروقه دماء وصية الجرح !!.. 

أيقنت أنني رجل لعنته تعويذة حرب شرسة تخفي نبالها وسيوفها و حرابها وأدرعها و مجانيقها في قلعة صدري المشرعة الأبواب ..

لهذا مددت أوتار كمان يدي المكسورة لـ ” وتر القيثار” المخبئ في غيمة ” بيلا أخمدولينا ” المبللة بعطر خزامى الشعر، فأنقذت شماريخ أزهار الأمل من سياط ليل باريس المتغطرف .  

سرقتني “بيلا ” من نفق الحيرة و حلقت بي حيث موطن نجمتها الخرافية وأرض أيقونتها المنحوتة بأزاميل الحرية، فغرقت في قصائد هذه الحسناء الروسية الثائرة كما تغرق القنينة الفارغة في قاع بحر أشعل في فناء ذاكرته شمعة أسطوانية لعاصفة عابرة ..

         لا تحزن لأجلي .. سأبقى على قيد الحياة

         أكثر حنانا من ممرض يخيط الجراح الطازجة

         تحت انفجار قذيفة مجنون،

         تحت النجوم اللامعة إلى الأبد

         بطريقة ما .. سأبقى على قيد الحياة ..

ألف مقهى ” فوكيت ” تقاسيم سنونو غريب يفتش في حقول الغربة عن قمح الطمأنينة و الأمان بعيدا عن ضوضاء صمت الوحشة، وعجيج أسراب خطاطيف الترحال، وجلبة موسم جني ثمار أشجار  الضياع.

ولم يألف إحساسي نظرات سوسناتها العطشى لرشفة ماء من عيون طاعتي !!..

كم تمنيت دق المسمار الأخير في نعش رضوخي .. لتتضح رؤيتي أكثر ..

كيف لي أن أعرف أنني تخلصت من آخر خيط  كان يشد رمانة قلبي إلى جلنار قلب تلك المرأة التي غطست قبل سنين في بحيرة وجداني، كي تبحث عن فردة حذاء أحلامها البنفسجية .. عثرت على ما كانت تبحث عنه .. و لم تبصر الضوء المنبعث من جبين ” بيلا  ” التي كانت تجالسني في خلوات مناجاتي لآيات السكينة لتغمرني بدفء أغاني حدائقها الخرافية، و لم تستنشق عطر السرمدية الطالع من جمرات أشعارها !! .

شعرت بالخوف على مفتاح مدينة وحدتي، وخفت أكثر أن يشاركني أحد أسرار حجرتي المظلمة..

لا سهم بكنانة محارب خسر كل معارك حرب الخراب العظمى التي قطعت أصابع يديه بسيف  الهزيمة البتار ..   

وكأنني أنا المقصود بكل ذلك الاهتمام المزخرف بالخضل الأصيل ..

استنجدت برماح التجاهل لأرد خطر غاراتها المباغتة ..

كم أزعجني  صرير بوابة إصرارها .. لهذا تعمدت خنق نهر حديثها ببعض المفردات الضيقة ..

ومع ذلك كانت متفائلة !!..

حاولت إغرائي بالزنبق الثامل في حديقة شفتيها المخملية ..

وبالصعود إلى علية لهفتها العارية ..

تركت ” بيلا” وحيدة على طاولة المساء .. أطفأت نار سيجارة حسرتي في كأس فضولها        وهربت .. !!

خطر ببالي أن أرتاح قليلا من سماع أزيز خنافس الصمت، وطقطقة حجارة الضجر في قاع ظلمة بئر النهار .. كأن أجرب شرب قدح من قهوة الأسبرسو في شرفة غيمة بيضاء تطل على نهر النسيان، لأمزق نبض عقارب ساعة الأوجاع المعلقة على حائط  ذاكرتي المنبوذة .

أرشدتني بوصلة فضولي إلى مدينة  ” شامونيه ” ..

حنت جبالي المطأطأة الرأس إلى رؤية قمة ” دي ميدي ” الرائعة .. إحدى سلالم قمم جبال الألب الشهيرة، ولم أحسب أي حساب لنفحات الصدفة التي جمعتني بها ثانية .. لكن هذه المرة لم أتجاهل عطش شفاه سوسناتها الناعمة التي أوقعتني في أحابيلها !!.. 

بعد مضي ساعات قليلة على لقاء ترياقات مطرتها بتنهيدات هشيمة أوجاعي المسمومة .. اكتشفت أنني لم أبلغ قمم ” دي ميدي ” كما كنت أحلم، بل بلغت قمة جبل ” كوليندا ” الكرواتية، فهل فعلا كنت بحاجة إلى سنونوة غريبة مثلي، تمسك بمنقارها البارد أغصان أصابعي المتجمدة حتى يسهل علينا أكل أشواك غابات الغربة المعبأة في سلال الوحشة ؟! .

لم تكن أول مرة أرى فيها ” مونت بلانك ” أعلى قمة في جبال الألب، أو سقف أوروبا كما يسمونه، ورفعت جيوش صرامتي الراية البيضاء حين وطأت أرجلها أرض إمبراطوريتها الأسطورية !! ..

ظلت قريبة من غطرسة الجبل الأبيض ومن عجرفة حلته المتصلبة، فجمعت عددا كبيرا من الصور لمشاهد لن تتكرر إلا في هذا المكان العجيب ..

حين تأخر وقت العودة إلى مدينة باريس لم نجد أمامنا سوى قرية ” شامونيه ” الشبيهة بامرأة هادئة تجلس في باحة الخريف على كرسي المليساء تنتظر عودة حبيبها وقرة عينها  من رحلة الصيد !! .

تركنا خلفنا الشاليهات الألبية الجذابة، والكنائس الباروكية والبروتستانتية، ونزلنا ضيوفا على نزل ريفي رائع ..

لا أدري من أين لها بكل ذلك السحر الذي جعلني أنصت إليها بكل اهتمام ، وأعجب برقصة نجوم الفتنة المنتشية على ركح مقلتيها، و فاتني أن أنتبه إلى أيائل الوقت الهائجة وهي تركض في برية الهزيع       الأخير!!  .

انقضى ليل ” شامونيه ” دون أن أشعر بذلك .. لقد كنا نتأرجح كطفلين صغيرين في أرجوحة حكايتها المغرية عن فردوسها المفقود ” كرواتيا “.

رافقتني ” كوليندا ” في رحلة أشواقها إلى بلادها ” كرواتيا “، ولم تترك أي مكان إلا وأخذتني إليه ..

قطعنا مسافة طويلة معا .. كان الصمت المرصع بيواقيت الدهشة ثالثنا ..  وكنا بين الفينة والأخرى نقيس بمقياس أحاسيسنا الرقيقة سر ما يحدث بيننا !! ..

ركضنا كالأحصنة البرية وكان همنا الوحيد أن نلحق بأسراب بجعات الحرية.. وركبنا قوارب شراعية، وغطسنا في فصل الماء كما تغطس الحجارة الهاربة من رحيل قوافل الوديان، وتنفسنا جمال منتزه ” بيلتفيس ” ومنتزه جزر ” بريجوني “، وعانقنا وقار أشجار الأرز والخيزران، وحضرنا مهرجان ” سبسيلاش ” العريق، وانبهرت بمهرجان ” ديموتش “، وبمستوى الموسيقى التي تعزف  به كـ : ” الريغا ” — Reggae ، و” شكا ” -Ska- ، والالكترو- Electro -، وبوقفة الحصن العتيق الذي تقام فيه هذه الأفراح .

وتغلغلنا في جزيرة ” أستريا ” وتنفسنا عبق مدينة ” بورك ” البيزنطية، ولمحنا آثار أنامل الإمبراطور” أوفرانسيوس “على جبينها الأخضر، ومغارة ” باردين ” والكهوف الغنية بالصواعد المقرنطات، ومرفأ ” بولا “، ومدينة ” مورفن ” .. .

وأصرت ” كوليندا ” أن تعرفني على ” زغرب ” – -Zagreb، عاصمة كرواتيا وهي مستلقية على ضفاف نهر ” صافا “- ، -Savaوجبت معها أرجاء كتدرائية ” زغرب “، وتطلعت إلى تقاسيم قديسة التاريخ بمربع ” ماركو “، وبرج ” لوترسكاك “، والتحقت بموكبها الأرجواني في الساحات الثلاث، وقلت أمام التمثالين  George- Saint- وLe bien de la vie- – ما لم يسبق لي قوله أمام الكائنات الحجرية التي التقيت بها في حياتي ..

قلت : كم أنت عظيمة أيتها الروح المتبتلة  السارحة في رحاب أديرة الحجر !! .

تركت ” كوليندا ” تشاركني ضياء البهجة المنبعثة من أزرار قميص قمر ” بيلا ” .. واستسلمت لدقات قلب نوتات زهور اللوتس، والأوركيد، والكامباكا، والباشن فروت، والبرسيمون، والمسك، وأخشاب الماهوجني و الباتشولي في عطرها المفضل ” ايفوريا ” - euphoria- .

ولم تعد مجرد أغنية كرواتية بعثت من رميم ملاحم ألحان برج بهجتي .. بل صارت اللون الخريزي الدافئ الذي غير نظرتي إلى زنزانة جرحي، وإلى زاوية كهف الغريب بـ ” لوكافيه فوكيت “                       Le Café Fouquet’s)) .

تعمقت في تضاريس جوفها فعثرت على وجه الشبه بين حرائقنا المخبئة في باطن أرض الخيبة، هي مثلي نزلت من قطار الذاكرة لتحبل من نهر النسيان، وتلعثمت وأنا أحاول أن أصف لها تفاصيل اغتيال نسر الكبرياء الذي كان يحلق في سماء أنفتي، وحرق أوشام الشمس المحفورة على جلد أنفاسي، ووأد أحلام الطفل الذي كان يلهو مع هررة البراءة في برية العمر..

ولم أتردد في غلق آخر ممر كان يقودني إلى مخدع قاتلتي ..

و لم أكن أعلم أنه من السهل التخلص من جثة متعفنة مرمية في دهليز الجرح ..

كم كنت بحاجة إلى تقاسيم جديدة، وقلب جديد، ونهار جديد، وليل جديد، ووجود جديد، ووجوه جديدة، ومدينة جديدة، وإرادة من فولاذ تنسيني ملامح رقطاء كانت تراقص حرباء الدغل على حبال المكر وهي تشد بقبضة غرورها على مفاتيح قلعة روحي.

حقا للأوغاد قصص يعافها الخيال وتندى لها أجبنة الأقلام !! .

وسألتها عن اسم المكان الذي تقصده خيول مدينة النور المتعبة من هرج غبار عربات النهار، وعجيج نعال الزحام، فوجدت نفسي جالسا بين قصيدتين لازورديتين عابقتين بأريج زهرة ” البلوميريا “، الأولى تداعب قلادة من الزمرد ومن خمائل حنجرتها ينبعث شذى أنغام السوسن الكرواتي، والثانية قطعة من الزمن المزبرج  بزركون العبقرية تفنن في رسم حضورها المبهر ” يوهان سيباستيان باخ “                                     (( الحركة الثانية من كونشيرتو الكمان الثاني )) ..

وابتعدت كثيرا عن ديار جراحي القديمة .. واختصرت طريقي إلى أرض الزمرد عبر مضيق كمان “يوهان” الساحر !! .

************

كانت أول مرة تطأ فيها قدماي فندق ” باريير لو فوكويت “، واتسع صدر منظر السطح لرؤيتي المخضبة بسواد فحم الأوجاع، وانبهرت لسجدة قوس النصر في منتصف جادة الأحلام وهي تكمل بهاء الواجهات البيضاء الشهيرة لمنازل باريس، و وفاء ” برج إيفل ” لعبير زهور الرمرام  والبروق والأقحوان الطالع من  ضفائر حسناوات المساء المتشوقات لجلسات السمر المبطنة ببريق الفيروزج والكهرمان والراين .

وتفوق ذوق المهندس المعماري ” إدوارد فرانسوا ” ومهندس الديكور ” جاك غارسيا ” على ذوق فرشاة خيالي ..

 لم يكن مطعم ” لوجوي ” مطعما عاديا، لقد سرقتنا موجته الزرقاء ورست بنا على ظهر جزيرة عائمة فوق مياه مزخرفة برونق الملكيت وبهاء اللؤلؤ والموكيت، ومحوطة بأسرار العقيق والمرجان والفاريست  ..

اشتهيت القواقع بالثوم، واشتهت ” ستيك ” مع صوص الشانزليزيه ..

لم انطق ببنت شفة .. رحت أتأمل مصابيح شمس النضارة المشرقة في باحة وجهها الناصع  البياض، وقد غفت أحداق النار المتقدة بمواقد جراحي ..

وما إن أزهر جلنار حدائق غفوتنا، حتى شعرت بشال صوتها الحريري يستر ثقوب رصاص آلامي ..

كانت ليلة خرافية لا تشبه الليالي المكدسة في دهاليز العمر .. وما إن تسلل فضولي إلى سرادق أنفاسها حتى ثملت عصافير غبطتي وهي تداعب كرز شفتيها الأرجوانيتين .. 

أحمرت خدود المطر وخجل الليل من شرارات طيور البرق وانتشت أشجار الشتاء !!..

لم أشعر يومها بوخز إبر البرد .. ولم تخفني نظرات لبؤات الوحدة الطالعة من عرائن الظلام..

ظننت أنني قد تخلصت من حدبة العار التي كانت تشوه كاهلي، وأنني لم أعد ذلك الرجل الذي تطارده أشباح الفيافي لتغرز مخالبها المعقوفة في قبر قلبه الفارغ .. وأن زنابق روحي المعلقة فوق حبال الخريف قد تصالحت مع نجم الحظ ومع فراقد المسرات ..  

كم صدقت وهج حجر عين النمر المنبعث من حدقات هذه الليلة الساحرة !!..

وكم صارت دقات قلب فراشة روحها التركوازية أقرب إلي من هسيس فراشات حبل الوريد.

اكتمل وجه قمر النجاة وأشرقت في غياهب ضياعي أنوار بداية جديدة ..

وتنفست شرفات ظهري الصعداء، حين خلصتها من درقة العار التي كانت تشوه جمالها و تكبل معاصم حريتها  ..

غطسنا في بحار الدهشة وارتوت أرواحنا العطشى إلى زهري البهجة، وتعلقنا بنفس القشة، وعلت حناجرنا سقف مملكة الفرح، ودغدغت نسائم ضحكاتنا ستائر ركني المفضل بـ ” لوكافيه فوكيت ” ..

عرفت أنها إحدى عاشقات الزجاج المعشق ..

أغرت ” الفيوزينك “، وأغوت ” السانديلست “، وحرضت نيران جنونها الذي حظي بقلب  الكريستال .. وتركت آثار بصماتها اللؤلؤية على ذاكرة مسجد ” نصير الملك ” الوردي في شيراز.. ولقيت تقديرا كبيرا من مؤسسته في إقليم فارس .. وأعادت الرونق والنضارة للشبابيك الزجاجية الثلاثة الدائرية الضخمة بكاتدرائية ” نوتردام دوباري “- Notre Dame de Paris-   وشاركت في تلميع” تاج الشوك ” وقطعة من الصليب الحقيقي ” ..

وتفننت في بعث ألوان الحياة في حكاية العالم منذ الخلق حتى عصر المسيح المرسومة على خمسة عشر شباكا من الزجاج المستطيل، وفي أوردة الشباك الوردي المستوحى من ” سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي ” في الطابق العلوي بكنيسة ” سان شابيل ” –Saint chapelle- .

وأبهرت أهل المهنة حين أثبتت براعتها في ترميم سقف ” قاعة قمارش ” بقصر الحمراء ..

وفتحت لها البوابة السرية المؤدية إلى أستوديو التصوير الذي اخترت له اسم المصور الفوتوغرافي الشهير ” لويس أوغست بيسون ” ..

صارت على دراية بالدهليز الآمن الذي أفر إلى دفء أضلعه لأترجم حركات جسد الحياة، ونبضات قلب روحها، و زميم عصافير فلسفتها في مخلوق عجيب يدعى ” الصورة “!!  ..

ولم تعد كل تلك الصور المعلقة على جدران محرابي لغزي الكبير !!..

ولم أعد بالنسبة لها ذلك الحجر الغريب القابع في ظلمات الشتات !!..

 وجعلتها تندهش أكثر من جرأتي حين علمت أنني من المصورين الذين أدخلوا تقنية الألوان على الصورة الفوتوغرافية الوحيدة للملحن ” فريدريك شوبان ” .. وأول من شجع المصور الفوتوغرافي الأسترالي ” بيتر ليك “- - Peter Likصاحب أغلى صورة في العالم، فور رؤيتي لتحفته الفنية              ” فانتوم ” التي ولدت في حضن أخدود ” أنتبلوب ” المذهل في ولاية أريزونا الأمريكية ..

ووصفي لصورة ” راين 2 ” من إبداع الفنان الألماني ” أندرياس غورسكي ” ، الذي ترجم لأكثر من سبع لغات : (( نشيد رومنسي لعظمة نهرالراين )) ..

وسر احتفاظي بصورة ” البركة – ضوء القمر ” للمصور الفوتوغرافي الأمريكي                                         ” إدوارد ستيكت “، سيدة الصور التي استخرجت بطبقة ” ممحاة ثاني كرومات الصوديوم ” ..

وتاهت غزلان ” كوليندا ” في متاهات تلك الرسومات والنقوش المحفورة على جدران كهف            ” لاسكو” – la Scaux-، كما تاه الفنان ” بابلو بيكاسو” الذي اعترف حيث ذهب لمشاهدتها قائلا :              (( إننا لم نخترع شيئا )) !!.

لقد استنشقت عبق زهور العصر الحجري، واستمتعت بصهيل الخيول، و مأمأة الخرفان، وخوار الثيران، فأدركت وجه الشبه بين جداريات كهفي وجداريات هذا الكهف العجيب .. 

وصرت على يقين أن أستوديو التصوير اختراعي الجميل الذي تنشرح له صخور صدري، و تتفتح في حدائق فصوله تباريج نوار مرادي، وأنني خيط الضوء الرفيع المنبعث من فوانيس كهوف الأوجاع الذي يدغدغ تجاعيد الأوصاب المتراكمة فوق أجبنة  ذاكرة الصبار .

وأحسست بشيء لم أجد له أي تفسير حين تسللت إلى مدينة ” سيفار ” الحجرية، ولم يكن سهلا علي رؤية أرض جدود شجرة روحي الأسطورية..

ومازال عبق عنبر ” جنات ” يأسر حمائم أنفاسي، ومازلت أشعر أن لي قلبان ينبضان في مجمرة    ” تاسيلي ناجر ” ، وأني شعاع النجمة القطبية التي كانت شاهدة على ميلاد ملكوت الصخر والجان .. 

رحت أراوغ بسيف ماء الولاء حراب الريح التي طاردت أحصنة صبحها منذ آلاف السنين، وكتبت تفاصيل قصتها على راحة المخيال بحبر المطر، ليفنى جبروت ثعابين العطش المنتشرة في شوارع                 ” سيفار ” وساحاتها وأزقتها الضيقة ..

ولم أكن مجرد نغم عتيق يخرج من حناجر مزاميرها الساحرة.. كنت نقش اليقين المحفور على صخور الانتماء لحكاية لا تنتهي.. وطقوس لقاء حسناء الصلصال بحارس محراب ” تادرارت “، والسهم المقدس الذي أصاب رقبة ” أوداد ” فأطفأ غضب دمه الجوري في فوهة نيران حروب قديمة، فاشتعلت أنوار الأعراس، فخرجت كما رأيتها أول مرة من أعماق ” إهرير ” مكللة بتاج ذهب ” تيزي أناي ” ومن جيدها الماسي تنبعث رائحة بخور جنيات قصور ” دبداب ” ..

وكنت غلائل من خيوط الضوء على أكتاف جبال القمر، الذي أودع كنوز فضته في أرجوزة خصرها اللولبي المحوط بقوس فارس ” إليزي ” حامي عرش أطلانطس المفقودة !! .

**********

استسلمت أشرعة عنادي ومجاديف حذري لجنون رياح ” كوليندا “، ولم تعد لدي أية رغبة في مقاومتها ..

امتطينا صهوات السحب المسافرة جهة جنوب سيناء بمصر، ونزلنا ضيوفا على دير                                 ” سانت كاترين ” .. كان كل همها أن يسمحوا  لي بنسخة من الـ ” ميكرو فيلم ” الذي يحتوي على أهم المخطوطات العربية واللاتينية والحبشية والاتيوبية والروسية واليونانية، المتواجدة بالمكتبة الفريدة ..

وعرفت أن عينها كانت على مخطوطة ” العهدة المحمدية ” التي يرجع تاريخها إلى القرن الثاني الميلادي، أين يؤمن فيها النبي ” محمد” عليه أفضل الصلوات على رهبان الدير وعلي حياتهم .. ولم نستطع الحصول على صورة منها، وكذا على مخطوطي التوراة اليونانية  والإنجيل السينائي الذي يرجع إلى القرن الرابع الميلادي .

كانت تتحكم في إرادة الرمل الهائم في صحاري  الوقت كما يتحكم الصياد الماهر في شبكة الصيد ..

تقلق من قلق الرجل الخائف من قدر الورقة الأخيرة، ومن قسوة محكمة الذكريات ومن جبروت مارد  الليل كلما أمسك برقبة غرفتي الباردة !!.. 

كنت أظن أن التفكير في مكان آمن يأوي إليه طريقنا ليسلم من ضباع المتاعب، سيدخل السعادة إلى قلبها ..

 راوغتني كفراشة زهرية لا تريد لمصيدة الربيع أن تمسك بجدائلها الذهبية، كي تظل لونا شفافا ينبعث من شلال مخيلتي .. 

وكانت تتقن فن إخفاء خوفها علي من كواليس الغرفة الباردة !! ..

ولم يكن بمقدوري فعل أي شيء حين كنت أسمع انكسار أغصان أناملها في كف شجرة يدي.. وحين كانت دموعها تذبح تغاريد كمان صوتها الخرافي ..

واكتشفت بأن أسئلتي لم تكن ناعمة كما كنت أتصور..

 وغروري بلا معنى ..

وغموضي لا يحتمل ..

وأنني لم أغير من طباعي كي يحق لي تذوق الشهد في لذة النسيان..

وكانت لا تبالي .. كموجة مشاكسة كسرت أنف صخرة فظاظتي 

و اقتربت أكثر مما كنت أتصور ..

تركتها تنحت بإزميل عفويتها قصة ملامحنا القاحلة المعفرة بغبار الغربة على جدع جبل صمتي ..

فكرت في قلبي الذي لم يعد بحاجة إلى جوزة فرح فارغة ..

فقررت أن أفعل أي شيء كي تبعث الروح من جديد في قصائد أنفاسي الجرداء..

فتركت عقلي يتعارك مع قلبي ..

وهربت بجسدي المتعب إلى ضفة نهرها الأبيض ..

وأدت هواجسي.. وألجمت فاه شكي .. ورحبت بدعوة مأدبة النار .. والأكل من صحن الحرائق وتحمل لسعات نحل الندامة ..

أراحت عمائم سحرها ثيران رأسي الهائجة .. فاعترفت لها بأنني فريسة ضعيفة تصارع في حدقة الليل ثعبان الظلام الذي التف حول خاصرة طريق الحلم..

وكانت في كل ليلة تسلبني أسرار كرتي الأرضية التي يدور حولها كوكب شقائي.. على أمل أن أكسر مفتاح حصن جراحي أمام عينيها المطلتان على محيط أحزاني..

وانكسر آخر حاجز بيننا في تلك الليلة التي نزعت فيه ” كوليندا ” القمر من شرفة باريس وزينت به سقف غرفتي العائمة في بحر انتشى بنبيذ  ” ايفوريا “   - euphoria- الأسطوري !!..

**********

لأسباب  كثيرة قبلت دخول قفص الطاعة دون أدنى تفكير في أن أعصي لها أمرا..

مثل طفل صغير يتفانى في إرضاء نجمة الأحلام المهووسة بعطر الكمال .. التي عودته كل مساء على النزول من عرش عليائها لتقص عليه حكايات مشوقة، تفتح شهيته  للقفز من نافذة مركبة الحياة والارتماء في أحضان أمواج المغامرات العاتية ..

كنت في أمس الحاجة إلى مرآة جديدة تعكس طول صفصافة صبري، وعرض بحيرة فرحة قلبي، وعمق لهفة مزامير روحي ..

كنت أيضا بحاجة إلى الكثير من الجرأة والشجاعة للوقوف أمام كومة رماد خيبتي المذمومة،  دون أن أشعر بالقرف والاشمئزاز والضيق و الرغبة في البكاء !! .

تغيرت كثيرااا..

تغيرت نظرتي لفكرة السفر القاتمة، و لحقيبة الترحال الداكنة، ولحزم ذكريات الغريب، ولمخاوف السنونو الوحيد، ولأسئلة الصمت الصدئة في خريف المرافئ الباردة، ولحياد المدن التي كنت أزورها وأنا أحمل على ظهري تابوتا مهترئا بداخله جثة متفسخة لرجل بائس ذبح بشفرة الخيانة من الوريد إلى الوريد !! .

حدثت معي أشياء كثيرة غريبة وعجيبة..

 لم أعد أشعر بأنني من طين الأوجاع..

ولم تعد مدينة جسدي المنهكة تنام على قارعة طريق التعب..

وجلنار قلبي لم يعد يذبل في بساتين العشاق ..

وقيثارة روحي لم تعد تجهش بالبكاء في صدر دفوف الغسق ..

وعباءة ظلي الباهتة لم تعد تطيل النظر في أحذية الغرباء..

وطيور شجرة أفكاري لم تعد تدور حول فزاعة  فصول الرجاء ..

ولم تعد أسوار صمتي تحجب عني ضياء بدر أغانيها ..

ولم يعد ينتظرني في دير الليل البارد مع صحيفة عثراته الشاحبة ..

ولم أعد أسمع نحيبه في بئر الذكريات ..

أشرقت مصابيح وجهي كشموس حطت رحالها بباحة ملامحي البربرية، فاستأنس هدير النهر الأخضر برقصة سنابل الوجد في حقول المحبة ..

بدأت ربوة وجداني تتعود على غياب ضباب حيرته الرمادية .. وأرجوحة أيامي بدأت تألف أفول نجم أهازيجه الغامضة !!.. 

من أجل من نحب تتحول لوحة ” القبلة المسروقة ” إلى أجمل لوحة تجسد الرومانسية السرية          و اللحظات العاطفية الخاطفة، ويتحول ” جان – أونوريه  فراكونار ” إلى لص نبيل قضى حياته ملكا على مجرة الألوان، وأن أفضل مكان لتوديع شعلة الحياة قرية ” روكا مادور ” المشيدة فوق الجبال والصخور الضخمة، وعندما يتعلق الأمر ” بعمود تراجان ” البديع، فلا أحد يستطيع أن ينكر أنها التحفة المعمارية التي لامثيل لها !! ، وأنه من السهل جمع أنظار العالم المتفرقة صوب مهرجان نهر الكتب الأكثر إثارة بـ ” تورنتو” بكندا..، وأغرب هجرة للأسماك هجرة أسماك ” المانتا ” بـ ” باجاني ” بالمكسيك، وأفضل مشهد للأمواج أمواج بحيرة ” ميشيغن ” المتجمدة، وأقرب شخصية كارتونية إلى القلب ” أستريكس ” رفقة صديقه ” أبوبليكس “، وأبشع كنيسة ” كنيسة العظام “، وأجمل معلم بمدينة إشبيلية في إسبانيا مئذنة ” الخيرالدة ” الشهيرة.. 

 وحتى يشتد عود الذي بيننا لم يعد يوجد أي فرق بين طيور البفن الأطلسي، و طيور الطوقان الكبريتي ..

  في قلبي  محبة كبيرة للشاعرة الإيطالية ” ألدا ميريني ” ..

(( الألم :

 هوة مظلمة، انفجار،

شرارة تحرك الماضي،

كاحلان يتحطمان

من فرط ركضي خلفك،

 يا ألم ،أنت الأرنب البري الحي

 الذي تعرفه يداي

منذ الطفولة ))

وفي قلبها إعجاب كبير بالشاعر البرتغالي ” فرناندو بيسو” : ((عزلتى ليست بحثا عن سعادة لا أملك روحا لتحقيقها، ولا عن طمأنينة لا يمتلكها أحد إلا عندما لا يفقدها أبدا، وإنما عن حلم، عن انطفاء، عن تنازل صغير)) .

من أجل السماء الزرقاء المبتهجة في مدينة عينيها، وافقتها الرأي أن أحسن فيلم دراما وجريمة    “عقدة الشيطان “– Devil’s knot –، ودفنت في قلبي إعجابي الشديد بـ ” ثلاث لوحات خارج إيبينغ، ميزوري ” -–Three Billboards Outside Ebbing, Missouri ، وانحزت للرياضة القتالية ” هايكيدو” على حساب لعبة ” البولينج “، وزرنا بيت ” جوليت ” بفيرونا الذي يعود إلى القرن الثالث عشر الميلادي نزولا عند رغبتها، وكم تمنيت زيارة منزل الرسام والحفار الإنجليزي ” وليام هوغارث “، صاحب الطاقة القوية الهائلة، والتأثير العاطفي، والشجاعة التصويرية والشعور المشرق، الذي أسرني في ثلاث روائع أبدع في رسمها : ” الكونتيسة بودوار “، ” فتاة الروبيان “، و سلسلته ” مراحل الوحشية الأربع ” التي تصور قصة خيالية لحياة ” توم نيرو ” ..

وأمام تاريخ ” آنا كارينينا ” سبق لساني لسانها، فهل كانت حقا أجمل جملة كتبها ” ليو تولستوي ” : (( .. كل العائلات السعيدة تتشابه،  لكن لكل عائلة طريقتها الخاصة في التعاسة )) ، أظن أنني أقنعتها، وفي أغوار ذاكرتي المتعبة، ذاكرة ” رجال في الشمس ” لرجل برع في تصوير الجرح الفلسطيني،        ” غسان كنفاني ” الذي نجح في كسر كل الحواجز ودخول مدينة قلبي دون جواز سفر، ومازلت مصرا على أن ” غسان ” هو العلامة الخاصة التي يصعب ترجمة معانيها العميقة : (( إنني لا أريد أن أكره أحداً، ليس بوسعي أن أفعل ذلك حتى لو أردت ! )) ..

 ليتني مثله !!..

من أجل من نحب، لا حرج أن ننحاز إلى الموسلين على حساب البروكار الدمشقي، وإلى الكهرمان على حساب الجاد، جالب الحظ والسعادة !!..

وحتى وإن تعلق الأمر بأحاسيس زهرة الأوركيد و الورد و الياسمين و الباتشولي فإن عطر                 ” ايفوريا ” أرق من عطر “بلاك أوبيوم إيف سان لوران ” ..

ومن أجلها فقط أصبحت من عشاق صفائح الوافل بالنوتيلا، و المارشميلو بالمكسرات، والباستا والرافيولي، واللازنيا، ومن المدمنين على كوكتيل  ” فيرجن بيناكولادا ” وشراب الاسفندان !! .

**********

في عيد ميلادها أهديتها شجيرة ” بونساي ” ذات قوام متموج من لب شجرة الأرز اليابانية ..

غريب أمرها .. هذه أول مرة  لم تحلق معي عاليا كي تبلغ أبراج السماء التي كانت تفتح أبوابها اللؤلؤية لأقمار أمنياتنا وأحلامنا الإسمنجونية ..

كانت باردة كماسة  ترصع تاج ملكة  دفن مع صاحبته في مقبرة الملوك، ومنشغلة بملاحقة نقطة صغيرة تسبح في مجرة خيالها الحلزوني!!  ..

مضت أعوام كثيرة وهي غارقة في بحار التفكير في حلة جديدة تبهج بها ملامح الشانزيليزيه، وتنير فوانيس طريقها الوعر!!  ..

لقد تمكنت من تصميم ست نافورات مضيئة من كريستال السواروفسكي بسارية برونزية.

تضايقت من حساسيتي اللدغة  ..

 حاولت كثيرا ألا أبدي انزعاجي من لامبالاتها المفرطة، ومن غياب فراشات لهفتها في لقاءاتنا  المتكررة، ومن انطفاء شموع الدفء في مكالماتها العابرة ..

من صفات الليل الغدر بكمشة الضوء المتهجدة في دير الروح ..

صرت أفر من شبابيك نظراته العابسة، ومن أسئلة حيرته المصفدة، ومن طريقة جلوسه على كرسي    الأسى !! .. 

جربت أن أمتحن باريس، فتجردت من ترسي وسيفي وتركت فرس قوتي رابضا في غرفتي    المظلمة ..

كنت مجرد عابر سبيل لا يفهم لغة شوارع الغربة.. ولست الرجل الذي ستوقف من أجله باريس عقارب ساعتها الذهبية، وتنزل من أجله حمائم برج إيفيل لتمسح آثار تعابين التعب على مرآة وجهه المكسورة !! .. 

بحثت في وجوه المارة عن رصيف صغير يضمني إلى صدره لأرتاح قليلا من مطاردة لقالق القلق المزعجة..

عدت إلى زاويتي العابقة بأريج زهور ليزانثس ومن جبيني يتصبب عرق الضجر .. 

 لم يرن جرس الموبايل .. ولم تصلني أية رسالة .. ولم أسمع صوت طرق عصافير حنينها لباب حديقة قلبي المهجورة .. 

 جربت ألا أجرب أي شيء ..

جلست وسط كومة رماد خيبتي القديمة وبقيت أنتظر ..

انتشر في سماء مشاعرنا دخان الفتور تسبب في ظهور بقع سوداء على طلعة  نهر الذكريات، واختفاء  وميض الصفاوة التي كانت تشع من رخامية جبينها، وفي اختناق رغبة شموع رجائي في الكلام، ورغبتها في الاعتذار ..

مسخنا مارد الصمت إلى طائرين نصف مذبوحين معلقين على حبل الاحتضار، تملأ حشرجتنا كؤوس صدى نهاية حكاية تبددت صفحاتها عند مفترق طريق الفراق !! .

 روحي حزينة مثل حصان جريح يركض في برية التعب، بحثا عن نهاية تسكت غرغرة وحش       الألم ..

تحولت إلى إنسان ضرير يجر عربة محملة بحطام طواحين العجز، وغبار ساحات الإخفاق وجماجم سنين العثرات، ولا يعرف في أي اتجاه يمضي !..

كان لابد من مواجهة أخيرة أسكت بها طقطقة جمرات الحسرات المتقدة بمواقد صدري..

كم كانت قريبة من وجدان الطبيعة، لهذا اخترت قرية ” جيفرني ” وبالتحديد حديقة الرسام                     ” كلود مونيه “، المكان الذي سيشهد على خروجنا من فردوس الحب مطأطئي الرأس كغريبين لم يسكرا من نبيذ الجوى ولم يرقصا على حرير الهوى، ولم يتذوقا كرز الشفاه القرمزية ، ورطتهما عفاريت العناد في حرق عهد الأوركيد المقدس !! .

كم أحببت طريقة تفكير هذا الرجل الذي أبدع في تشييد سرداق حياته داخل قلب روضة أسطورية تنبض بأحاسيس الدهشة والبهاء، وقد تحولت مع الزمن إلى مقصدا سياحيا عالميا ..

وكم أعجبت بجرأة ” مونيه ” الذي ترك كل شيء وراءه، وراهن على بداية جديدة شفافة رفقة النباتات النادرة والزنابق البيضاء ومياه جدول ” رو” والجسر الياباني وأشجار الصفصاف ..

كنت أظن أنني أملك كل مفاتيح قلعتها، ومجرتي على دراية بعدد النجوم التي تركض في مجرتها، وحديقتي تعرف كل أسماء الورود التي صارت طوع بنانها، وأنها الجنية التي صارت تعيش في قبو خيالي مع أشعاري وصوري وخرائط رحلاتي، وحقائب ذكرياتي، وأن أرواحنا تتكلم اللغة التي انحدرت من مصب نهر السكينة والصفاء ..

مشت عصافير قلبي خلف خيط حصى قلبها فاستسلمت منارة عقلي للضوء المنبعث من تراتيل              أمانها، فآمنت برؤيتها الواضحة التي أخرجت دردارة جسدي من خندق الفراغ، ومزقت كفن الخريف الذي رسم لجثتي قبر نهايتها البائسة ..

لم أعد أعرف كيف أغلق باب قلعة الحياة وأشعل في ممر النهاية الضيق أنوار الظلام..

تفاصيل غريبة في عمق لوحة غامقة تزعج حواسي المتعبة ..

فهل حقا هي نفسها فراشة الفصل العجيب التي كانت تجمع في سلال المحبة تفاح الفرح، ودرر الشغف ؟؟ ..

وهل أفرطت في تصديق قصائد ودادها، حتى ظننت أنني سأعمر في ملكوت صبوتها كما تعمر الأرض في صبوة الكون..

لصنم الصمت رائحة كريهة لا أحبها..   

وللحرير الأبيض وجه واحد لا يكذب ..

و الرجل الذي نجى من لدغة ثعبان الخيانة لا يمكنه أن يلدغ من جحر الخيبة مرتين !! ..

خنقني دخان اعترافها وتحولت حديقة ” مونيه ” فجأة إلى مقبرة ضيقة قتلت رغبتي الكبيرة في الصراخ !! ..

بلغت مبتغاها وصار معها المال الذي سيفتح لها كل بوابات رومانيا وسيعيد إليها ابنها المصاب           بـ  ” متلازمة داون “ !!..

تطلعت إلى سفينتها الراسية بميناء قرارها الأخير.. فلمحت حقيبة ذكرياتنا وظل عباءة الوصل الذي كان بيننا !!..

شعرت بـ ” مونيه “  يصفعني .. وبأزهار حديقته تلعنني .. ولم أفهم اللغة التي راحت تتكلم بها كلاليب أوجاعي ..

لم أفكر في الطريقة التي ذبحت بها رمانة قلبي.. ولا في الحريق المشتعل بمدينة  روحي ..

لأول مرة فكرت في صحراء عقلي المقفرة ..

خفت أن ينتهي تاريخ بحاري، و مجد أسفاري، وحضارة أمصاري تحت أقدام أهوال زوبعة رملية !!..

فانطلقت أركض كسهم خرج من فاه قوس مجنونة.. ورحت أطارد أيايل هزائمي الراكضة في براري اللاجدوى، تاركا خلفي رماد امرأة حائرة لم أعد أعرفها، تجمع في شال نرجسيتها شظايا مرآتها المكسورة على مرأى زنابق حديقة ” مونيه ” الغارقة في سيل عارم من دموع حكايتنا الحزينة !! .

انتظرت من بركان جنوني ردات فعل كثيرة .. ولم أترك فهود عقلي وحيدة .. كنت أجلس معها بالساعات أراقب حركاتها و تصرفاتها..

لعله الصمت الذي يسبق العاصفة .. ولست مستعدا للدخول في حرب وشمت رياحها على جبيني وشم الخاسر الكبير ..

توقعت أن الألم الكبير.. يصنع النسيان الكبير !! ، وأنني حين سأسجن فراشات روحي داخل غيمة من الصوف الخشن سأجنب نفسي شقاء رؤية النجوم الحزينة وهي تتأرجح في مراجيح الملل، و التنصت على غيب قصائد ” سيلفيا بلات ” في حجرات الندامة، ومواجهة وحش الوحدة في شوارع الشانزليزيه الباردة . 

ضجرت من ثرثرة نمل الهواجس المتطفلة على سكون وسادتي، ومن غليل جليد الأسى الذي شل عظام تختي، و من سماع ضربات قلب عصافير ربيعها في سرداب صدري المبطن بكسوة داكنة غزلتها أنوال خريف الأسى الموحش.

**********

التقت مواويل نظراتي المجروحة بخيوط العتمة المتعلقة بحواف مواويل نظراته المكسورة، فلمحت ظل رجل عائد من حرب شرسة خسر فيها أحصنة ذاكرته، وساق أمنياته، وأجنحة فينيق اليقين، والطريق إلى بساتين المردقوش والرمان، وتعويذة الحلقة المفقودة التي كانت تربط موطن هدوئه بجنان  ماء الحنين، وبأدعية بردة الصبر وسجدة التراب ..

ضاع مني تاج عرش المعنى في فيافي اللامعنى، وضاعت مني سبل اللقاء بهذا القتيل الغريب ..

كأنه هبوة أودية الجفاء الجافة، لا معنى لشهيق وزفير أحجار ولائه المدفونة تحت رميم فنائها .. أوكأنه غماغم أشجار الرتابة الخاوية الوفاض التي ركعت لدود الفناء، لا معنى لتحية السماء لها كلما فتحت آهات الجرح شبابيك الصباح ..

لقد صدق حدسي، هو فعلا روح بيوت البرد المهجورة، لا معنى لسكوتها، ولقلق الشمس فوق قرميد سقفها، ولشكوك أقفال أبوابها، وكثرة نوم عقارب ساعاتها، وبكاء جدرانها !! ..   

عانيت طويلا من وخز إبر الشك، و من لدغات عقرباء السهاد، واحترقت حقول صبري بنيران جحيم الهيجان، وسرعان ما استجابت السماء لدعائي، فدثرتني عصافير رحمتها بغيمة السكينة .

هدأ الثور الجريح المتألم في ظلمات قفار خيبتي، وتوقف عن رفس ذاكرة الفراش، ولم تتوقف  قبرات أناملي عن سد شقوق جدران غرفة وجهي الشاحبة برماد الجرح !!..

ولم يتوقف ليل باريس عن وأد النجوم المتعلقة بحبال رقبته الطويلة، وحرق ضفائر عرائس القمر، وأساور نيازك الأمل في مقبس غضبي الدفين، وغلق كل الطرق المؤدية إلى جثة حبنا المرمية تحت أقدام نافورات الشانزيليزيه !! .

لم تعد رومانسية باريس قادرة على إسكات نحيب مشيتي وشهيق حذائي، أو إقناع غطرسة نمور الظلام، وهرهرة الرياح المراوغة، وأشباح طرقات وشوارع الذكريات المنصتة لموسيقى الشتاء، أنني لم أعد ذلك الرجل الذي كان يربي أسراب الفراش في حدائق أشعاره، ويسكب عطر جنونه في بحيرة الشغف، ويزرع على حواف حدائق الرخام أزهار الجريس و التوليب والنرجس، ويلف أقمار أماسي وجنتيها في إبريسم الشوق، وفي دفء دانتيل الفاونيا، لتبدأ حكاية أوتار كمان ضلعها مع أهازيج أوشام الرجل الأمازيغي المصاب بسهم الفراق الملعون !! .

لا أدري لماذا وهبتها بكل سهولة مفاتيح مدن ” سوزان سونتاغ “، وتركتها تجول وتصول في قلاع روحي التليدة، وسمحت لها بصعود أبراج رؤاي، والغوص في أعماق بحار أسراري الغريبة .

انتابني خوف رهيب حين تفقدت حديقة قلبي المحاصرة بأشواك قنافذ النكد .. وظلت عصافير خطاي تتعثر بذيل جبة ظل حسرتي الطويلة، وبذنوب أرضي البائرة، وبأعذار أسوجة الندامة ..

 لم أكن أعلم أن الألم الكبير بحاجة إلى رجل مجنون لا يتردد في الضغط على الزناد لإخباء لهب الحياة بعروق من كان يظن أنه مثل القطار، لا ينتظر من لا ينتظره،  ومثل الزمن لا يعود مرة أخرى إلى المكان الذي ضيع فيه ساعة السعادة، ومثل الجبال من الصعب على الرياح جرها إلى منحدر النهاية الوعر، ومثل شعاع ضوء لا يترك وحيدا !!.

أنا وحيد في جوف الليل البهيم أعانق طاولة نحيفة تستر تجاعيد جبينها المهموم بشرشف الظلام، وكأس يملؤه ” بوكوفسكي ” كلما أفرغته في فاه صحراء اللاجواب، وكرسي جلف يجلس على رؤوس أصابع قصيدة مجروحة كتبت أحرفها بأحمر شفاه نادلة قبرصية نسيت شال ابتسامتها معلقا على مشجب نظرات الصالة الكئيبة !! .

خيل لي أنني سمعت صوت انكسار رقبة سياج العتمة، تلفتت ورائي فأمعنت النظر في رمادي المبعثر على أرصفة النهاية الحزينة.. وفي غزلان برية وجهي الهائمة في غياهب الوحشة ..

لم أفعل شيئا لأوقف زحف تماسيح الخراب ..

وكنت الشاهد الصامت على حوادث كثيرة مؤلمة ذبحت غيوم الهواء الذي كان يجر سفينة رئتاي، وأغرقت أشرعة مدينتي البيضاء في قاع بحر الأهوال.

فقأت رماح رياح الأشجان عيون خيام خواطري، وراحت تلهو بأجراس جناني الواجمة، وبتفاحة قلبي الوجلة ..

تعثرت أقدام أنفاسي بظلال غابات الضجر فسقطت من يدي حكمة الياسمين ومزمار الحنين ..

غفوت قليلا في تخت الشتاء لأسكت نعيب أبوام الذاكرة ..

أيقظتني وشوشات عصافير الصمت المحلقة حول هالة ” مقهى فوكيت ” ، وتمتمات كمان                      ” موزارت ” في آذان ليالي الغياب، ورعشة اللقاء / المستحيل / في أوصال ” سيرينادا الريح “، وغرغرة رسائل الأقحوان في أكفان النسيان، ودمدمة طبول انتصار جيوش السواد على ملائكة البياض في هاجرة انكساري .

كنت دائما أقول .. لابد من وجود سرداب سري يقود خيول عربة روحي المتعبة إلى مدينة نفسي المسيجة بعريش السكينة، البعيدة عن ضوضاء مدن البشر القاحلة، وأن في أحد أدراج خزائن الزمان تسكن جنية جبارة تجيد ترويض تنانين الحيلة تنتظر إشارة من جمراتي المشتعلة تحت جلد رمادي لتخلص خطواتي من أغلال نظراته المهمومة، وتحرر قلعة  ظهري من وصايا برنوسه  الليلكي، وتغلق شبابيك صدري في وجه رائحة حضوره القوية، وفي وجه غموض نوايا حقيبة ذاكرته الكركمية، هو الذي مازال يعتقد أنه الثور الذي فتك به الماتادور في حلبة ” إدوارد مانيه ” الزيتية !! .

**********

من الصعب حمل هوادج ذاكرة الأوجاع و السير حافي القدمين في صحراء الوحدة وتحمل آلام سهام الندامة المغروزة في نياط قلبي..

كان علي أن أتعلم ” أن أحب نصف حب “ !! .. كي يسهل علي العودة من رحلة الموت إلى جزيرة الحياة ..

قد تريحني أرض الثلوج الساخنة شمال واحة الفرافرة غرب القاهرة.. وقد ينسيني رؤية درب التبانة وكوكب الزهرة أشجان رفع صخرة الآثام والصعود إلى قمة جبل العذاب..

وقد يريحني حنين دفين يجذبني إلى صوفية حقول اللافندر في بروفانس، حيث يعانق لون زهر الخزامى القرمزي زرقة السماء عند خط الأفق ..

أو قد يريحني كوب شاي من عصارة شجرة ” الأورش ” القاتلة !! ..

يا لله ..

لم أعد أعرف  ماذا أريد ؟! ..

أطيل النظر إلى طائر الكاردينال هديتها لي أواخر تشرين الثاني، وأستغرب كمنجات قلبي المكسوة بكسوة الحزن السوداء التي لم تعد تستمتع بعذوبة عزفه في أول وآخر الصفير..

تذكرت كناري ” تميرادو” الإسباني الذي كنت أفتح له باب القفص وأتركه يلهو لساعات طويلة ببالونات الحرية في شرفة بيتها المزججة بالزجاج المعشق .. وهجس نبتة البوتس الخجولة، وأنس زهرة الجيسوفيلا النقية، و إكسورا الشقية !! .

تغرب شمس الحنين في فنجان قهوتي الباردة ..

لا شيء يحرك أغصان أشجار الملل المنسية في غابات فصل الصمت الذي راح يقلب ماضي أرضه البور بأظافره المعقوفة..

توسدت غيوم رأسي الرمادية المشدودة إلى مراجيح العدم، كي ينطفئ وهج همس ربابة أصابعها            و يأفل بريق زنابق الملح والعسل في بساتين شفتيها، وحتى أبلغ أطول نهر يجتاح قارة الذاكرة .. نهر النسيان العظيم، لتباركني قبرات الكروب الهاربة من زنازين هواجر الفراق، ولتلعنني غربان وأبوام رمضاء المشقة والأرزاء  !! .

**********

حذرتني ندوب جراحي القديمة من آثار ندبة عميقة محفورة على جبين بدر جمالها الحزين !! ..

كنت أظن أن بداخلي ” بايسون ” شرس يحارب بمفرده أساطيل شتاء القسوة والوحدة، تركع له ضباع الغربة، و لا تغريه أسود الظلام ..

تكدس ثلج المرارة في علية علتي، وضاق بؤبؤ الأعذار في عين يأسي، وانهمرت على خيام ليالي الحسرة الطويلة أهاليل السهاد المقيت ..

واكتشفت مع مرور الوقت أن الأشياء الجميلة التي كان ينتمي إليها برج كوني اهتمج وجهها وفقدت بريق عنفوانها واستسلمت لأكفان الفناء، ولم تعد ترغب في الدفاع عن سفائن وجودها بموانئ البقاء، وعن ضياء ندى الرواء في خمائل قلبها الذي تناثر في مدافن الحداد. 

لا أحد دق باب مغارة غربتي ليطمئن على مرآة روحي التي كسرتها عرادة الغربة.. ولا أحد فكر في مواجهة مردة ليل باريس لفك أغلال عزلتي ..

قطعت كل أصابع لهفتي كي أنسى تفاصيل حكاية وجهها الخرافي، وكيف كانت تخبئ عليق البهجة في حقول شعرها الكستنائي وتعطر سرادقات المناجاة بشذى ” غلاديولا ” العشاق ..

لم تعد كؤوس إكسير النسيان قادرة على إخماد نيران الغضب المشتعلة بمدائن دماغي، ولم تعد لمخالب أغباش الوساوس أي سلطان على خطاطيف هذياني.

جرف طوفان الوحشة لجة جثتي، وأعلن انتصاره على رمحي المشلول، فسلمت في محفل انكساري نجاد بسالتي، وسيف جسارتي، وآخر نجمة كانت تزين طوق سمائي، وشاهدت خروج روحها من بوتقة روحي، ووقعت على خاتمة فصول حكايتنا بحبر الافتراق !!. 

لفظت أمواج البحر التي كانت تلقن دلافين عنادي طقوس السباحة في مدارات المستحيل، وبعثرت غبار رسائلي في الاتجاهات الأربع.. 

تصالحت مع أسئلة الليل، واحتميت بصلجة ذكريات ذلك الرجل الذي كان يقشر جلد دماميل همومه في ردهة  قلب ” أقولميم أفركان “، و يغسل جلابيب هواجسه في أكف بحيرة ” أكفادو” السوداء، على مرأى ومسمع السحلية العملاقة ” مرتادو”، ويستر تقاسيمه المتصحرة بأوراق أشجار الصنوبر الحلبي، و البري والنوميدي، ويسكت جوع عصافير صبابته بسحر الأرز الأطلسي، وتأنس قفار وحدته بسليل الأيائل البربرية، وبسكسكة المكاك الخرافي، وتنبش سنابك فضوله صمت أطلال ” آخام أوجهلي “، بحثا عن جذور أرضه الأولى، وهو يعلم في قرارة نفسه أنه خيط الدخان الرفيع المنبعث من غليون حارس أسرار قرية ” مهاقة “ !!.

في منتصف غابة التعب ..

اختارت أقفاص جسدي النحيفة الجلوس في إحدى زوايا مقهى ” فوكيت ” بينما اختار مركب جرحي المكدود التسكع في أزقة ذاكرة ذلك الجندي المبتور الساق .. 

مر قطار الأيام مسرعا غير مبالي بتنهيدات كمان قلبي المذبوح، ولم أتوقف عن مراقبة حركات النمل الأحمر عن كثب وهو يعبث بما تبقى في حديقة وجهي المهجورة، وفتح حقائب رماد صفصافة العمر في مهب رياح الشجن .. ، ولم تفارقني تلك الخواطر الغريبة أنني بطل رائعة ” أندريا بوتشيلي “                 (( أوراق الخريف )) – les feuilles mortes – وأن محراب روحي تابوت حزين لكل تلك الأوراق الشاحبة المتساقطة بلطف شديد دون إحداث ضوضاء، وأني آخر عاشق قتله البحر بخنجر القسوة حين راح يمحو بسعف النسيان آثار ضحكات خطى العشاق المنفصلين المعتصمة بزفرات ذكريات الرمال !! .

لم يتمكن السنونو المهموم من فك سلاسل الملل التي تكبل جيد أنفاسه والخروج من نفق الندامة المكفهر ..

ظلت رائحة طين بيوت وشرفات ” غوفي ” عالقة بأوتار ربابة الحنين، وحجر صوتي في قاع  وادي ” إيغزر أملال ” يسترق السمع لأخبار كبار عائلات وعشائر وقبائل القرى الست !! ، وظل بريق لآليء حيرتي يراقص همس ندى وفائي لحياء نخيل واحات خيالي، ويطوف بعمامات أنهار أهوائي في أماسي عطش الرمان ..

لم تتحمل أهازيج وشمي صمت هتافات ماء العفة وانفضاض زيتونة الانتماء، وذبول حقل أوشام جنيات ” الساورة ” على أكف ” تاغيت “، أنا الذي عثرت على قنديل روحي بسراديب هذه المدينة العجيبة التي تتسابق فيها خيول الليل أفراس النهار، كنت أهرول كالمجنون نحو حصن ” العرق ” لأستقبل شروق الشمس في هدوء وسكون، وأقرأ على مسامع حوريات وادي ” زوزفانة ” قصائد                               ” جوزيبي او تغارين ” و” ألقونسو غاتو “   

**********

طوى الكون ستائر الخريف القرمزية، فشرعت سواعد الشتاء شبابيك يناير المطلة على حدائق البرد والمطر ..

تجللت بحكمة رفيق حرائقي ” شمس التبريزي ” فأدركت بأن زنزانة فجائعي ليست سياج وأسوار، بل فكرة مظلمة محوطة ببراثن ضباع الآلام، ولحظات مسننة تذبح في باحات دمي زنابق الصفاء وحمائم الأمان ، ووجوه قاحلة تفوح منها رائحة الغدر !! .

رحت أجمع في قفف أحزاني رقاقات الثلج المتساقطة فوق جبين ذلك الصباح الرمادي، وعصافير ذكرياتي تدندن مع ” هاوزر ” مقطوعته الرهيبة ” أداجيو” .

تذكرت متاهة منزل ” تراكوير ” الأكبر في اسكتلندا، ووجه الشبه بيني وبين أشجارها التي عانت من شتاء قاسي أتى على ثلاثي منها ..

ولم أفعل شيئا نافعا لأغير قدر فراشات أمنياتي، التي نزلت من برج الهباء لتشاركني آلام وخز إبر الانتظار المر كما كنت أتوقع.. 

افترس وحش العتمة آخر شعاع ضوء كان يجر سرب طيور أنفاسي بعيدا عن طلاسم زوابع النقم فغمر طوفان الوحدة مدينتي المشيدة على حافة اليأس !! .

كذبت علي زنابق الحنين الجاثمة على قبر جرحي، وكذبت على قبرات حدسي، وعلى قطلب الكلام في غابات لساني حين سمعت نحيب أحرف اسمي الطالعة من حنجرة ناي مثقوب من كل الجهات .. ولم أحرك صخرة رأسي المرمية فوق حدبة ظهري، غير أن عطر زيت الباتشولي أيقظ نارها الهاجعة تحت جلد أرمدة خيبتي !! ..

وقفت مذعورا وكأنني مصاب بمس من الجن، وأمسكت برقبة موجة غضب عاتية، وحمت حول ركام أشلائي، كمركب موهون عبثت رياح ماكرة بسواعد مجدافيه وبسارية شراعه، ولم تعد بحوزته بوصلة النجاة التي كانت تقوده صوب ميناء الخلاص..

أفل نجم النضارة الذي كان يشع في سماء مدينة ” صوفينيا “، وغربت شمس الربيع التي كانت تجود بسحر ضيائها على عرش هيبتها المرصع بفيروزج القوة والعجرفة، ولم يبق من عز الملكة المهزومة سوى زمردتين تقاومان غارات الزمان من خلف أسوار قلعتي عينيها الخضراوين .

دمر زلزال الأنانية قصر الدر المكنون المشيد بأعماق بحيرة الشغف، والسلالم المؤدية إلى مقصورات القمر التي كانت تشعل فتيل الدهشة في حدائق الوجدان، وعش النجوم، وأماني الشموع، ومجد هسيس رعشة المبتغى وشهقة أغاني زهور النار البيضاء ..

 لم يتبق في صدري سوى غمد الكراهية وسيف الانتقام ..

ولم يتبق منها سوى جسد بارد يدور في مدار الخطايا والآثام .. 

أنا القتيل الذي لم ينس تفاصيل وجه  قاتله..

وهي القاتلة التي كانت تدق مسامير قسوتها الحادة في جدران مخلية جرحي..  ،

وكم مرة سجنت أنفاسي في قفص ضيق كي يختنق جمل الصبرفي صدري ..

وكم مرة قلت هذه آخر مرة ..

لكنها في كل مرة كانت تراوغني كطفلة تجيد اللعب بجدائل أفراح قوس قزح.. تعدني بتوبتها .. فأصدقها .. ثم تعيد الكرة .. وبعصا عصيانها تكسر جرة الطاعة / المرة / ..

وكم مرة سحقتني عجلات قاطرة الكربة ..

وكم مرة رمتني بسهام ولعي ..

وكم مرة أغواني شيطان سحرها اللعين المعشعش بمغارة مكرها ..

وكم مرة صدقت رسائل أقحوان نظراتها التي أوقعتني فريسة إبليس قيظها ..

أنا اليوم أحفورة جميلة ونادرة ترجع إلى فصيلة انقرضت على سطح الأرض

وتاريخ ميلادي يعود إلى العصر الذي صدقت فيه أكذوبتها الكبيرة..

فهل أستحق الماس الثمين المتساقط من شلالات دموعها ؟

وكيف سأفسر لها ما آلت إليه خزائن الغريب وأن الأمر لم يعد يستحق أية مجازفة !!

وأنني لم أعد أتقن حرفة تحنيط الجثث.. وحفر قبورعميقة في مدافن النسيان ..

لأنني ببساطة هشمت قبب ضباب الغفلة وسلمت قيصر عقلي مفاتيح مملكة قلبي ..

ولم يكن من  السهل علي حمل سر ” صوفينيا ” الثقيل على قارب ظهري المكسور وعبور محيط الأوجاع ..

حاولت أن أهرب .. لكنها كانت أسرع من بجعات البرق التي كثيرا ما أظهرت لباريس ميلها الشديد للأسود الذي ترتديه السماء كلما رقص الشتاء معهن رقصة  التانغو العارية، عادت إلي وهي تمسك بيد طفلة صغيرة يمرح في مروج محياها المشرق سرب من شوادن الفرح ..

أخبرتني أن اسمها ” أليسيا “، وان اقتربت منها أكثر سأشم فيها عطر زهور ملامحها الناعمة ..

ابتعدت قليلا من دائرة لغز ” صوفينيا “، وتملكني رعب شديد حين رسمت الصغيرة بفرشاة هدوئها ابتسامة شفافة على حواف شفتيها الزهريتين ..

لم أجد أي فرق بين غيمتها البيضاء وغيمة أمي الاسمنجونية .. المرأة التي توسدت أشواك جرحي وتجرعت مرارة العلقم بسبب ما حل بي.. واعتزلت أوبرا الحياة وفاء لطفلها الذي سقط في قعر بئر الهموم العميق ! .

وسط أعشاب هذه الفوضى الكثيفة، حاولت أن أتغلب على مارد عجزي، وحاولت جياد تفكيري المتعبة جر عربة جسدي المنهارة..

وكأن هناك من أراد أن ينفخ أكثر في ناقور عاصفة روحي لتكتمل فصول تراجيديا هذا اليوم البائس ..

أبلغوني بأن سيدة تدعى ” كوليندا ” تسأل عني !! ..

لماذا فجأة حن الجحيم إلى خيمة منفاي الباردة، وحن زبانيته لرؤية نهر ذاكرة الرمال وهو يجهش بالبكاء في حضن دردارة العمر اليابسة ؟؟ .

اختلطت على الأمور .. ولم أعد أعرف كيف أتصرف!!..

هل أضم ذلك الغزال الشارد إلى جدران صدري المتصدعة وأركض نحو مطارة ” كوليندا” حتى أنقذ قارب قلبي المثقوب برصاص الغدر من نهاية الغرق في عمق دجنة الأسى ؟؟ .

من الصعب التنبؤ بالذي ينتظرني في آخر هذا النفق المظلم !!..

أنا الذي مازلت أرجم زهور الكالا بحجارة الندامة، وما تزال هداهيد ذاكرتي تصعد إلى شرفات الجرح لتبايع غجريات كبريائي المكسور وهن يرقصن رقصة القلب المذبوح .. !!

زحزح ” هاوزر ” صخرة رأسي بقبضة  تشيلو العناد، فتحررت من أصفاد الدهشة التي كبلت أحصنة ردة فعلي، ولم أتحمل رؤية ” صوفينيا ” وهي مرمية كخرقة بالية فوق أتربة المجهول !! ..

وتضايقت أنفاسي المتقطعة من نظراتها المعبئة بسهام العتاب، و من رائحة الخداع المنبعثة من بحر حديثها الحالك، فذكرتها بنصيحة بحار لدغ مرتين من جحر امرأة مراوغة                                               (( لا تدخل يدك في فم سمكة ” الهامور” ولو كانت ميتة )) !! .

ولم تتوقع ” كوليندا” أن تتحول حدائق ذلك العاشق المكروب إلى جزيرة ” هوكايدو”، حيث           لا يمكن لثلج الهجر والغياب  ولرمل الغفلة  والنسيان أن يختلطوا مع بحر الصفح والغفران .

و لن يصعب على رجل مثلي فهم  مضمار لعبة ” البولينج “، وأحرز لأكثر من مرة  ” سترايك ” من المحاولة الأولى، و” تركي ” بعد ثلاثة ” سترايك ” على التوالي، أخذ القرار الصائب !! ..

اقتربت من ابنتي فلمحت نهر دمي الأبيض وهو يجري في عروق زنابقها الحمراء ..

تكلمنا قليلا بلغة الماء عن معنى الذي يحدث معنا ..

 فهمت أنها لم تفهم  سر الشبه الغريب بين النمش حول أنفها الصغير وأنفي الكبير .. لكنها عانقتني كما تعانق شمس الربيع أزهار الثلج !! ..

 شعرت بدفء عجيب يتسلل جدران قلعة روحي الباردة.. هو نفسه ذلك الدفء الذي كان يدغدغ أوتار كنارة وجداني، حين كان حضن أمي يغمرني بأريج زهور فريسيا البرية المتبخترة في حقول جدائلها    الذهبية  ..

أدركت وأنا أحاول إصلاح ما أفسدته قسوة سنين البعد، أنه لم يعد بيني وبين أراضي القرار الصائب أية مسافة !! ..

خبأتها في حقيبة قلبي وركبنا معا نفس القطار، واستودعت  شراع رحلتنا رياح الأقدار على أمل أن نلتقي في المكان الذي ستختاره لنا فراشات النقاء !! ..

ليتني أستطيع أن أصف لذة شهد الأبوة..

حقا الأمر يستحق ألف محاولة !! .

اترك تعليقا