صدر عن دار نوميديا للنشر و التوزيع بالجزائر رواية جديدة للكاتب الروائي ياسين نوار ، هي “أم النسور”، 2022،وفيها عودة للتاريخ الجزائري، وتحديدا زمن مقاومة الاستعمار الفرنسي، من خلال نموذج معركة وقعت في منطقة ام النسور، ولاية قالمة، شرق الجزائر، أثناء عمليات نقل الأسلحة بين تونس و الجزائر،علما أن الرواية تحصلت على المرتبة الأولى وطنيا في مسابقة نظمتها وزارة المجاهدين عام 2021.
تتحدث الرواية عن حصار فرضته القوات الفرنسية المستعمرة، ضد مجموعة من المجاهدين الجزائريين، في فترة أواخر الخمسينات من ق 20، او لنقل بين 1956 و1959، حيث كانت قوافل نقل الأسلحة نشطة ومتنقلة عبر الجبال من تونس للجزائر، مرورا بقالمة وغيرها من الولايات…وتقول كتب التاريخ بأنه وقعت معركة كبيرة بأم النسور عام 1958 بقيادة المجاهد علي زغدودي المدعو بلخير، واستعملت فيها فرنسا قنابل النابالم والغازات السامة، وارتقى فيها 45 شهيدا منهم القائد زغدودي…
وهذه مرجعية تاريخية انطلق منها الكاتب جامعا الحقيقة و الخيال لبناء روايته،وفي الرواية يكتشف البوليس السري وأعوانه الخونة نقاط تحرك المجاهدين، وتبدأ الأحداث السردية في التطور، ونجد الروائي يمنح الكلمة للمحورين: محور ضباط وقادة الاستعمار ، ومحور الثوريين الجزائريين، فيعبر كل طرف عن فكره ومشاعره وأحلامه، ويتجلى التباينو الاختلاف بينهما تجليا في الخطاب وفي الرؤية.
يستعين الروائي بشخصيات فرنسية تنقل محاولات فرنسا توقيف وحصار الثورة الجزائرية، باعتماد شخصيا عسكرها( الرائد لوتراك، النقيب كلود ريفو…)، وفي المقابل شخصيات جزائرية تدافع عن الأرض وتضحي بكل ما تملك لتحرر الوطن(سي السبتي، سي الطيب، سي مختار…)، فيمكن لقارئ الرواية أن ينتقل بين مجموعة من الأفكار والقيم والوقائع…حيث تتصارع وتتباين القناعات و المشاعر، بين محتل غاصب يسعى للقبض على المخربين( كما تصف فرنسا المجاهدين، وتطلق عليهم كذلك الفلاقة)، وبين وطنيين أحرار، يحاولون نقل الأسلحة على البغال، ويعبرون عن أحلامهم ومحبتهم لوطنهم، في ظل معاناة كبيرة في الجبال ( الجوع، البرد، المرض…) .
يقول الرائد الفرنسي لوتراك في مونولوق داخلي:” غدا او بعد غد سنضرب الثورة مرة أخرى من حيث لا تتوقع، في عقر دارها، سوف تكون هده القاضية الثانية بعد الإمساك بالمدعو بن مهيدي وإعدام زهانة و ديدوش..”( ص 24)، وتزداد الرواية في تعقيد الأحداث وتشابكها عندما يأتي عمي أحمد (أحد سكان المنطقة ودليل طريق قافلة السلاح)ليخبر القائد سي الطيب بأن عيون فرنسا كشفت تحركات القافلة…فتستعد فرنسا وتبدأ مهمتها ثم يطلب ضباطها الدعم العسكري.
الجزائر والمقاومةّ:
وعبر كامل الجزائر الرواية يفتح السرد ملفات كثيرة من تاريخ الثورة التحريرية الجزائرية، وملامح المقاومة الروحية الثقافية، إلى جانب الممارسات الاستعمارية الهمجية العنيف ضد الأهالي ن فنج في الرواية مثلا:
-1- الحديث عن قصص نفي الجزائريين إلى أماكن بعيدة جدا، مثل كاليدونيا (ص30).
-2- وصف مساهمات ووقوف الأهالي إلى جانب الثورة ومساعدة المجاهدين وإيوائهم (ص 51-52).
-3-كشف المخططات الفرنسية لحصار الثورة وخنقها وفصلها عن الشعب، ترهيبا وترغيبا(تقديم المواد الغذائية والادعاء بمشاريع التنمية).
-4- تعاطف بعض الفرنسيين مع الثورة ومعاناة الأهالي، وهو ما تجسد في أحاديث الجنود ورجال الميدان في مختلف صفحات الرواية، حتى أن الرائد لوتراك يعبر -في حوار ذاتي- عن رفضه ممارسات وأوامر قادته في باريس(ص65).
والحقيقة أن هدا الجانب انتبه له الدولة الجزائرية والباحثون من خلال الاهتمام بمن ساعد الثورة من الأجانب الفرنسيين أو الأوربيين عامة،أو الاشقاء العرب فتم تكريمهم والتعريف بهم وتنظيم ملتقيات عن أصدقاء الجزائر المناضلة الثائرة زمن الاحتلال( أونريكو ماتيي،فرانسيس جونسون،موريس أودان، هنري علاق، جاك فرجيس…).
-5- تقدم الرواية مشاهد التعذيب وأدواته من طرف البوليس والعسكر، بطريقة وحشية. كما تنقل الرواية هجومات المستعمر على القرى وتخريب المنازل بالقنابل، تخويفا وبطشا لكي لا يساعد الأهالي الثوار.
-6- تحيل الرواية لمرجعيات ثقافية دينية للحرب والصراع، وتفتح الأبعاد المسيحية التي تتأسس عيها عقيدة الضباط الفرنسيين، كما تحيلنا إلى لجؤ فرنسا للسياسة الثقافية التنصيرية والحرب ضد المدارس والمساجد ورجال الإصلاح (ص 240).
-7- تكشف الرواية كثيرا من الأبعاد النفسية، الفكرية و الأخلاقية للعملاء الخونة( الحركى)،من خلال شخصية سي مبروك سونار، وهو منبهر من القوة المادية/ العسكرية الفرنسية، وهو حاقد على المجاهدين وكاره لوطنه، يقول عن الفرنسيين:”يكفي أنهم يملكون مدافع رشاشة تقذف الحمم الحراقة، إنها دولة عظيمة العدة و العتاد…”(ص112).ويقول عن نظرة الأهالي لأعماله:” لا تعنيني قواعدهم ولا طقوسهم وعاداتهم، المهم أن انتسب إلى الدولة العظمى وأصير جزءا لا يتجزأ من كيانها الساق”(ص113).
ملامح أخرى…
وفي سياقات عديدة من رواية أم نسور نجد وصفا وسردا لبطولة وبسالة المجاهدين ، ونجد حديثا نفسيا فرنسيا فيه الاضطراب والخوف والفزع والتساؤل عن جدوى الحرب والتواجد في ارض يقاوم أبناءها ببسالة ويرفضون التراجع و الاستسلام، كما نجد التأسيس الديني الإصلاحي للثوار وإرتابطهم بقيم الاصلاح الديني لجمعة العلماء المسلمين ومنهم من درس بمدارس ومساجد الجمعية.ليؤكد الكاتب إسهام رجال الجمعية في الثورة ، عبر خطاب العقيدة الاسلامية(الجهاد-الشهادة-الوطن…)، ونحن نعلم أن من الشهداء من كان من رجال جمعية العلماء(العربي التبسي، رضا حوحو…).
وتكشف الرواية ممارسات المؤرخين ورجال الإعلام بفرنسا، أثناء نقل الأحداث وكتابة تاريخ الذي حدث في الفترة الاستعمارية، لتشير- في العمق الدلالي والتداولي للقراءة- لأهمية نهوض كتابات جزائرية موضوعية، في سياق الحرب الثقافية ومواجهة خطاب الفكر الكولوني وأقلامه.
من المنظور الفني هي رواية تتحرك في المكان المفتوح غالبا ( تضاريس الجبال والقرى والطرق ،وتتجه نحو شوارع فرنسا …)، كما تدخل أكواخ الفلاحين وكتاتيب القرآن، ، أما في الزمان فهي تتحرك بين الماضي (استرجاع الشخصيات لبعض الأحدث) والحاضر)زمن (المعركة و الحصار) وتسشرف القادم(أحلام الاستقلال)، وتعتمد شعرية السرد أحيانا عند الافضاءات الذاتية (مثل حديث المجاهد سي الطيب عن الوطن و الشهادة في صفحة 226….)، ويمكن أن يدرس الباحثون في سيمياء الأهواء في الرواية، وسيجدون الكثير من العلامات فيها.
أخيرا..
هناك الكثير من مستويات القراءة وأبعادها لم نقدمها هنا، لأن الرواية هي ملحمة “أم النسور”، وملحمة “نقل السلاح برا في الشرق الجزائري”، و هي ملحمة “المواجهة الجزائرية للبطش الاستعماري”، وتحتاج لوقفات فنية وسردية وفكرية أخرى، سيقوم بها غيرنا من القراء و الباحثين….،ونحن ننصح بقراءة هذه الرواية.



