إلى روح المناضل عبد الحميد مهري في ذكرى وفاته الحادية عشرة
حينما كنت طالبا بمتوسطة الشيخ الطاهر الجزائري، كان الاستاذ الشاعر السوري أحمد شامية يحول حصة اللغة العربية إلى متعة لا يقل طعمها عن الشكولاطة، وأحفظ له إلى الآن أنه فتح عقلي على أشياء جميلة جدا، منها أن الجزائريين يتميزون عن العرب بفضيلة رائعة، حسبه، هي نكران الذات، ولكنه أردف بأنهم يتميزون أيضا بآفة كريهة هي التنكر، ولأني لم استوعب آنذاك ما يعنيه، ساق لنا قولا للفيلسوف جون بول سارتر:
“لكلمة عرفان في حقي وأنا حيّ أعظم عندي من آلاف القصائد وأنا ميت”
ربما تقاطع هذا القول مع أقوال فلاسفة ومفكرين آخرين في هذا الشأن، لكن مثل هذا المعنى كبر في عقلي وصار دلالة ساطعة في تصرفات الجزائريين سلطة ومؤسسات وأفرادا،
إذ يخضعون لنظام ينتج مثل هذه الآليات والممارسات كما لو كانت مبرمجة، وإنها لكذلك فعلا ..
استحضر هذه الصورة في كل مرة مع حلول ذكرى وفاة المناضل عبد الحميد مهري (30 يناير 2012) والذي غادر دون أن يبقي أثرا لعودة محتملة.
بكى كثيرون على رحيل مهري، على قيمته التاريخية والنضالية.
حينها أبّنوه وتوسلوا بالاستعارات البلاغية حتى يرثونه ويرثوا البلد بفقدانه.
أجل، دون سابق إنذار تحول السي عبد الحميد مهري رحمه الله إلى “نبي” في قومه ورمز سامق الدلالة لدى الديمقراطيين الحقيقيين والمزيفين، ولدى المحافظين والإسلاميين والاشباه، ولدى رموز النظام ولدى الأعداء والخصوم وحتى لدى الذين يمسكون العصا من الوسط منذ اندلاع الثورة في نوفمبر 1954 وإلى اليوم.
يا للمفارقة، مهري المناضل الرمز يشيد به رموز النظام، من الذين خاصموه بشراسة ومنذ سنوات طويلة لأنه رأى أن الأزمة السياسية لا يكون حلها إلا سياسيا، وأن عسكرة النظام لن ترحم الأمة وأبناءها، وأن الحل الأمني الاستئصالي لن يخلف إلا جروحا غائرة
وأن لا حل إلا الحوار والمصالحة في فترة التسعينيات وسنوات الجمر والرماد.
ولأن الجهر بالحوار والمصالحة آنذاك كان كفرا أو خيانة دفع مهري الثمن غاليا حتى بالطعن في وطنيته وتاريخه لأنه “تجرأ” مع قوى وشخصيات أخرى على البحث عن حل سياسي آخر لم يكن متاحا داخل الوطن فاحتشد الإعلام الفاسد وأدعياء المرحلة تلك ضد “سانت إجيديو” وعقد روما الشهير.
مهري لم يكن يريح النظام ورموزه وأعوانه، كان رجلا من زمن آخر وطينة أخرى يحرج بلغته السياسية الراقية ونقده البناء وحجته البالغة، وبذلك تعرض لكافة أنواع التهميش والقهر المبرمج.
لم يصغ أحد لمهري وهو حيّ، لم يؤخذ برأيه أبدا..
لم يكن أحد ليقدر أن ينكره أو يخفيه، فقد عانى الرجل من الأدعياء والأشباه والتلاميذ في ساح السياسة والفكر السياسي، كان يدرك أنها مهمات قذرة ومؤمرات محبوكة للحد من تأثيره في الأحداث وأجيال الاستقلال التي كانت تحترمه وتحبه.
مهري كان يزعج، وكان لديه خصوم كثر في السلطة والمعارضة معا، ولم تكن أفكاره ورؤيته السياسية لتلقى التجاوب بسرعة.
كان يدعو إلى قواعد شفيفة لعمل الأحزاب، وأن تخضع الديمقراطية لقواعد جديدة دون إقصاء بما يتيح للأجيال الصاعدة أن تستلم المشعل، وأن يستكمل بناء المغرب العربي لأنه حلم بيان نوفمبر وحلم طنجة وحلم المنطقة ومستقبلها.
كان مهري يدرك أن النظام شاخ، وأن الإصلاحات يجب أن تكون جادة قبل فوات أوان التغيير ولكنه رحل.
حدث مع مهري الذي حدث، لم يكن هو الأول ولن يكون الأخير، لأن الأمر يتعلق بأنساق حكم وآليات تسيير تحشد كل أشكال التوظيف والممارسات في التسيير وتتبنى خطابا مغايرا لها من حيث القيم في العلن.
حدث ذلك التهميش والاضرار المعنوي والتاريخي لكثير من الشخصيات والوجوه وفي مختلف الميادين والتخصصات، وتمتد اليد المتنكرة إلى إقصائهم حتى في الكتب المدرسية وبرامج الجامعة.
حدث ما حدث لعشرات الأسماء والشخصيات لأسباب أو لأخرى غير أن النتيجة كانت واحدة، فكثير من الجزائريين لا يحفظون علما أو علمين من أعلام هذه الأرض، ولا يقدرون حتما منجزاتهم الفكرية والنضالية والتاريخية، ويجهلون مواقفهم وأثرهم في ميدان الوقائع الاجتماعية.
يستحيل أن يعدّ لك هؤلاء ولو اجتمعوا أسماء هذه الشخصيات حتى على أصابع اليد الواحدة.
لقد أنفق البلد وقتا هائلا في التنكر لمحمد أركون، مالك بن نبي، عبد المجيد مزيان، عبد الله شريط وغيرهم، كما قبر ذكر فضل شيوخ وعلماء الدين مثل الشيخ سحنون والشيخ عبد اللطيف سلطاني والقائمة طويلة.
لم تكن تلك الممارسات وليدة ظروف ما بعد الاستقلال ومواجهة الخصوم فحسب، لأنها مست حتى الذين ساروا في خدمة السلطة في تلك المراحل وبمجرد الرحيل يتم التخلص من ذكراهم بمجرد قبرهم، ناهيك عن أن الثورة شهدت صراعات دامية أحيانا بسبب المثقفين أو المناضلين النقديين.
يقينا، وقبل أن يرحل، رأى مهري بأم عينيه ثقافة التمرة في هذا البلد الذي يمعن في التنكر حتى لعظمائه في التاريخ فيقصيهم في الحياة، وبعد الموت يرتاح منهم ويشبعهم ثقافة العرجون.
أنفقت السلطة وقتا هائلا حتى لا تتحقق في هذا البلد توصية الشعر الذي ينسب للحطيئة:
“يا باري القوس بريا ليس يحسنه
لا تظلم القوس.اعط القوس باريها”




