الصحراء كما يراها رشيد بوجدرة . . مَـــــــــــراثي للـــعدَم ومَســــالك للتيـــــه والتِرحــــال / محمد بزرواطة
بواسطة admin بتاريخ 3 فبراير, 2023 في 12:42 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 427.

إذا كانت الصحراء في رواية “تيميمون” 1994 للروائي الكبير رشيد بوجدرة ،هي المرجعية والخلْفية لأحداث روايته تلك، , فإنّها أضحت تُشكّلُ في كتابه “الشذرات الخمس للصحراء” المنشور عام 2002،فضاءً للتأمل وغوصاً عميقا في ماهيّة الصحراء والتوغـل أكثر في رمالها،وكثبانها وجبالها الخرافية التي تشكّلت عبر ملايين السنين ، مُتحدية الزمن والطبيعة و الإنسان، تــُرى كيف تَطاوَلَت هذه الجبال الأسطورية على ذلك النَحْوِ العجيب؟ وأخذت هذه الصلابة والشموخ؟

في البدْء يعترف صاحب رائعة “التطليق” بصعوبة الوُلوج إلى عوالم الصحراء وفك ِّ طلاسمها وألغازها، يقول” الصحراء ليست مُجرد كلمات حُذفَت من جُملة ،بل إنّها جملة كاملة من الحروف الهيروغليفية التي يتعذَّر وصفها” ، يقف بوجدرة مندهشا، أما عبقرية ذلك البدوي ،”المخترع” الذي اهتدى بحدْسِه ونبوغه إلى شقِّ التُرع وحفر تلك الآبارفي تلك الفيافي الشاسعة، وسط صحراءَ قاحلة وأجواءَ مُناخية جافة شديدة القساوة والقتامة، وكيف استطاع بأعجوبة وبمعجزة لا نظير لها،تكييف الطبيعة لصالِحِه والحفاظ على الحَد الأدنى من الخُضرة والإيناع وِفْقَ نظام دقيق مذهل صارم يدعو إلى الدهشة والإعجاب، يتابع بوجدرة بحاسة الفنان وعدسة السينمائي البارع مُتحَسِسًا وَقْعَ حوافر الإبل على الرمال في يوم قائظ، بحيث أمسىَ منظرهاَ، شبيهاً ، بالظلال الباهتة أو الهياكل المنخورة التي اعتصرتْها الشموس المُلتهبة على حواف تلك الكثبان الرملية التي أخذت لوناً زعفَرانياً مُوغِلا في الإصفرار، حتَّى لَيَـــــتَعَذَّر على الناظر إليها، إن كانت في حالة سُكون أم حركة، فهي أشبه ما تكون بمنحوتات الرسام السويسري “جياكوميتي”(1901-1966)، أما عن الرياح الهوجاء التي قد تستمر تسعة أيام مُتتالية دون توقف ،مُحمَّلة بالأتربة والغبار، فإنها ، تُحْدِثُ انقلاباً كونياً في الطبيعة والبشر، يتجنَّد له أهل تلك البِقاع صفوفاً مترابطة لإزاحة ما ترَاكَم من أتربة ورمال على الأحواض والبساتين والبيوت ،أمَّا ليل الصحراء –يقول بوجدرة-فهو يختلف عن النهار الساطع ،يقول بوجدرة” ليل الصحراء شهوانيٌّ وحِسِّي وماجن، بأقمارٍ تُشبه القِباب البرّاقة الزجاجية التي تُقارب حبّات “الكريستال”، إنّها الحياة التي يَجدُر بنا أن نحيَاها” وهذا الوصف لا يختلف كثيراً عن وصفه للكثبان الرملية باعتبارها امرأة ذاتَ أرداف مستديرة في حالة غواية واغراء،،فالصحراء بِشكْلٍ مَا ..هيَّ امرأة لَعُوب ماجنة تأْسِر عُشاقها” كما يقف الروائي رشيد بوجدرة عند فرقة “أهليل” حيث يتعانق الإيقاع والأهازيج مع صوت الرمال وهسيس القوافل العائدة بعد الغروب في ترنيمة أبدية، تعلنُ أن الصحرا ء تشهد أعراساً حقيقية لا مثيل لها.

مازاد الكتاب روعة رسومات الخطاط الجزائري “رشيد قريشي”، الذي أعطى لنصوص بوجدرة بُعداً جماليا إضافيا وأفصح عن مكنونات مَا تُضمِره الصحراء من أسرار وخفايا وتجليَّات.

اترك تعليقا