الكتابة مهنة شاقة، ومُتعِبة ،والكُتّاب الحقيقيون يُدركون مدى صعوبتها ولذَّتِها في آنٍ معاً، لذا تراهم يشتغلون لساعات طويلة دون كللٍ أو انقطاع ، مع ما يَسْتتبِع ذلك من أتعابٍ صحية تنعكس على العينين و البدن والأعصاب، الكاتب الجزائري الراحل “مرزاق بقطاش” هو واحد من “هؤلاء” مِمَّن يكتبون باستمرار دون توقف،نُشدَاناً للتنوير والمعرفة، وفي هذا السياق أتذكّر مقولة الكاتب الأمريكي “أرسكين كالدويل”(1903-1987) الذي يقول:” إنّ التمرُّن على الكتابة وامتلاكِ ناصيتِها يبدأ بالعمل اليومي والمواظبة والديمومة في الكتابة بلا انقطاع”
تكاد هذه المقولة على صعوبتها تنطبِق على الكاتب مرزاق بقطاش(1945-2021)، فالكتابة لديه كالتنفُّس تمامًا، بدونها يُحِسُّ الكاتب بالموت والاختناق، لذا نراه ،ينتقِل من مرفأ إبداعي إلى أخر دون أن يُحدِثَ له ذلك ارتباكًا أو ارتجَاجًا في عوالم الأفكار والتصوُّرات ،ولئن أبدع “مرزاق بقطاش” في الكتابة القصصية والروائية وحقَّق فيها أشوطا كبيرة أهَّلتة لارتياد الصدارة في حقل الرواية الجزائرية مع ثلّة من الأسماء الوازنة كوطار وبن هدوقة والأعرج واسيني ، أو وَصَل من خلال تُرجماته البارعة إلى الذروة والقمة . فإنَّ كتابته للصحافة من خلال عموده الأسبوعي” أبجديات” تمتاز هي الأُخرى بمذاق وطعم خاص، لها سحر أخَّاذ، وأسلوب جذَّاب يأخذ بتلابيب القارئ بسهولة إلى ضفاف الانفتاح والمعرفة الجادة.
وبالعودة إلى عموده الأسبوعي ” أبجديات “، نلاحظ هذا الدَّأَبُ والحِرص طيلَة خمسة عُقود من الجهد والمواظبة الأسبوعية في الصفحة الأخيرة من أسبوعية المجاهد ، ثم –تالياً- عبر صُحف ومجلات وطنية أخرى( صوت الأحرار، المُحقِق، المسار المغاربي..الخ) ، ظلَّت ” أبجديات” راسخة في وجدان وذهن أجيال مُتعاقبة عبر السنين،فتعرّفت عن كثبٍ، على قلم رصينٍ يتحَكَّم في أدواته المعرفية باقتدارٍ ويعرِض لبضاعته بمزيد من الحصافة والوعي والذكاء،مع إبداءٍ لِوجْهة نظر تنطوي على أبعاد عميقة بعيدةَ الغَور ورؤية جادة تستبطِن كافةَ القضايا والمسائل الحيويّة المطروحة،لازلت أذكُر أول مقال قرأته له في عموده الأسبوعي “أبجديات” وما يزال عنوان المقال يرِّن في تلافيف الذاكرة و يأبَى الانفلات،يتراءى لي العُنوان بخطٍ أسود فاحم وبالبند العريض “أندري زخاروف” (1921-1989) من عالم فيزيائي إلى بوق صهيوني، في تضاعيف المقال يَبْسُط- بقطاش- بطريقة مُشَوِّقة وبأسلوبٍ واضح شراسَةَ الآلة الصهيونية التي استطاعت تحويل عالم فيزيائي-حائز على جائزة نوبل (1975) في السلام- يهتم بدقائق الكون ومُجرياته إلى مجرد بيدق صهيوني ، أضْحَى مجرد عميلٍ و آداةٍ طيِّعةً لخدمة الدعاية الصهيونية المُغرضة،
لا شك أن لكتابة “مرزاق بقطاش” سِحرها الخاص نظير تأَلُقِه في كتابة العمود الأسبوعي من حيث التأثير في القُرَّاء ، بأسلوبه العذب وعباراته ومُفرداته الواضحة، التي لا لُبْسَ ولا غموض فيها، ويتأتَّى هذا العمق الذي أشرنا إليه ،إلى تلك الحاسّة المعرفية القوية والإلمام الواسع لدى صاحبها، وانفتاحه الشامل على شتَّى الفنون والمعارف الإنسانية المتعددة كالموسيقى والرسم ،والسينما والفنون جميعها،عندما يقف “القارئ” على عموده “أبجديات” يُحِسُّ دون كبير عناء بالغبطة والانتشاء،لأنّه أمام قلم واعٍ يُدرك حِرفته جيدًا ويُتقن فنَّ المقال بأسلوب مدهش، وطريقة صحفية مُتفردة قلَّما نعثُر عليها في صحفنا الجزائرية، اليوم،رغم تعدُّد عناوينها وكثرة الأقلام التي تتناوب في الكتابة فيها، مع ما يطبع أغلبَ هذه المقالات من هزال معرفي أو استسهالٍ لغوي و وتقعير أسلوبي يَمجُّه الذوق .
احتراف الكتابة وتملُّك ناصية اللغة والتعبير الصادق، جعله يُضاهي أقلامًا عربية له صِيتها في كتابة العمود الصحفي كالكاتب الفلسطيني “خيري منصور” أو الكاتب الليبي “أحمد إبراهيم الفقيه” أو الروائي اللبناني “إلياس خوري”
كان “مرزاق بقطاش” رحمه الله يُدرك أن للصحفي الجزائري دورًا رياديًا ينبغي أن يضطلع به، وأنَّ للكتابة مسؤوليةً كبيرة تقع على عاتق الكاتب،ولا يُمكِن له أن يتخاذل أو يتراجع عنها بأي حالٍ من الأحوال، وقد يُحسُّ بوخز الضمير إن هو تقاعس عن أداء دوره الحقيقي كما يلزم، لذا كان حريصاً على إبداء وِجهة نظره،مهما كلّفه الأمر، مُلفِتاٌ انتباه الناس إلى الجوهري من قضاياهم ومشاكلهم الحسَّاسة.
للإشارة تمّ عام 2007 جمع مقالات الكاتب المتفرقة في المجلات والصحف في مجلدين اثنين يحتويان على أكثر من 1400 صفحة،موزعة عبر 348 مقالاً ،وهو عدد ضئيل قياساً بحجم المقالات التي انضوت تحت عموده الأثير “أبجديات”.ما يعني أن الجهد ينبغي أن يتضاعف أكثر لنشر مقالاته المتبقيّة في هذه الصحيفة أو تلك ..




