لعلّ ما يتبادر إلى الذهن منذ الوهلة الأولى، بعد الانتهاء من قراءة المجموعة القصصية “طريق متسع لشخص وحيد حكايات من اثنتي عشرة مدينة عجيبة” للكاتب المصري أسامة علام، يتعلق بمجموعة من التساؤلات التي تكتسي أهمية بالغة في تحليلنا لهذه المجموعة من القصص. ونركز فيها على الأسئلة التالية: في أي جنس أدبي يمكن تصنيف هذه النصوص القصيرة؟، هل هي قصص قصيرة أو نص روائي؟، في أي نوع من الموضوعات يمكن ترتيبها؟، في أدب الرحلة؟ أو في أدب الهجرة؟ أو في النوعين معا؟،إن مثل هذه الأسئلة و الأجوبة التي قد تكون في متناولنا تنبئنا عن البنية الفنية لهذه النصوص.
وقبل ذلك يمكن القول، أن هذه المجموعة من القصص القصيرة أتت على شكل نص روائي متشظي، هذا إذا استثنينا بطبيعة الحال القصة القصيرة التي تحمل عنوان “حجرة الفراشات”، وهي قصة لا علاقة لها بالمجموعة من حيث السرد الخطي في هذه الرحلة الكبرى، وإن كانت تشترك مع بقية النصوص والقصص في الجو العام للحياة الحضرية الغربية. وقد جاءت المجموعة على شكل فسيفساء مركبة من نصوص متنوعة ومتمازجة، ولعل الرابط بين كل هذه القصص هو صوت الراوي الوحيد الذي جمع شتاتها بتوظيف ضمير المتكلم مما يوحي بأن ما بين أيدينا قد يمثل سيرة ذاتية أو يشبهها.
-1- الرحلة الكبيرة و البحث عن المعنى:
تبدأ الرحلة من مدينة “نيويورك” ، وهي عبارة عن 5 قصص قصيرة، ثم يعرج الكاتب على مدينة “نيو جرسي”، حيث يقدم للقارئ 11 قصة، ومن ثمة يرحل إلى “باريس” ليجعل القارئ يعيش لحظات من الحياة بهذه المدينة، ثم يعود من جديد إلى أمريكا الشمالية، وبالذات إلى مدينة “مونتريال” الكندية من خلال 5 قصص، ومن ثمة إلى مدينة “تولوز” الفرنسية بقصتين، ومنها إلى مدينة “أورلاندو” بالولايات الأمريكية المتحدة بقصة واحدة، ومنها إلى مدينة “ادمونتون” الكندية وبـ6 قصص، ليعود بعد ذلك إلى مدينة “القاهرة” بـ3 قصص، ومنها إلى بلاد الشام بقصة واحدة، ويعود بالقارئ في نهاية هذه الرحلة الكبيرة إلى كل من مدينة “سان جون- بنيونولاند” الكندية، وإلى مدينتي “ميامي” و”شيكاغو” الأمريكيتين، ويخص كل مدينة بقصة واحدة، إذا نحن أمام رحلة كبيرة تلعب فيها الذاكرة دورا كبيرا، كونها تساعد في القبض على اللحظات والأزمنة المنصرمة وأيضا فهمها. وبهذا تُنقل للقارئ التجارب المختلفة بمسعى البحث عن الذات، وكذلك نقل الصور والأفكار والتصورات التي كونها المسافر عن البيئة التي رحل إليها حيث الغرابة والدهشة والعجب، بمعنى أنها بيئة مختلفة تماما عن بيئته الأصلية، حيث الألفة والطمأنينة والحبور، وهو الأمر الذي يجعله يحن إلى أجوائها ويشتاق إلى العودة إليها.
والملاحظ أن الراوي/المسافر الذي يتنقل بين عدة بلدان، بل بين 3 قارات، هي أمريكا الشمالية التي تضم كل من الولايات الأمريكية المتحدة و كندا، و أوروبا حيث يقيم بفرنسا للدراسة، ويعود لزيارتها مرة ثانية وآسيا، وفيها يزور مصر وبلاد الشام. كان الارتحال، عبارة عن رحلة كبيرة وطويلة، وإن كانت الفضاءات محددة خلال ذلك، أما المدة الزمنية فهي غير محددة، ويمكننا التعرف عليها من خلال إشارة “الراوي” إلى الوباء العالمي لفيروس كورونا الذي تفشى سنة 2019، بمعنى أن زمن الكتابة و زمن السرد حديثان جدا، وإن كانت بعض الذكريات من المسترجعات ترحل بنا إلى الأزمنة القديمة نسبيا.
ففي الولايات المتحدة الأمريكية التي تدور الوقائع في مدينة نيويورك، يقدم لنا المؤلف مجموعة من المواقف على شكل لوحات فنية ومناظر طبيعية وحالات إنسانية، وهي الأشكال والصور التي تعج بها المدينة في اختلافها وتنوعها وتناقضاتها. ويقوم الراوي بهذه الجولات نهاية كل أسبوع، أي بعد تفرغه من العمل، فيطلع القارئ على مجموعة من الأوضاع الإنسانية و الاجتماعية التي تبدو غريبة. و منها لقاؤه مع فتاة صماء هاجرت إلى هذه المدينة، وتحمل هذه الفتاة دمية “ماريونات” تلاعبها، كما أنها تحكي بواسطة جهاز تسجيل حكايتها الحزينة، ثم زيارته لسوق “البراغيث” الشعبية التي تُباع فيها السلع القديمة و بأثمان زهيدة، فيشتري منها صورة لزوجين، فتتحول تلك الصورة إلى كابوس يؤرقه ليلا، فيعيدها إلى صاحبها. كما يتناول بالحكي لحظات الانتظار في محطة القطار ،حيث يقوم بنوع من الملاحظة الدقيقة والتأمل العميق في أشكال وملامح رواد المحطة، إذ يلاحظ أن كل واحد منهم يعيش في عزلة كبيرة عن الآخرين، الذين هم “في مدينة لا تحب أحدا”، وفي شقته التي استقر بها بعد بحث طويل عن مكان يأويه، يأتيه كل ليلة صوت “سوزي” عبر الهاتف، فيؤثث لياليه ويكسر ضجره و وحدته الرتيبة. أما قصة “الجرامافون” الذي اشتراه من محل لبيع التحف القديمة، والذي يبوح من خلال الأسطوانة بسر خطير تمثل في اعتراف بارتكاب جريمة قتل، تجعل منه يعيش ارتباكا وقلقا كبيرين.
يتضح من خلال هذا الجزء من المجموعة أنه على الرغم من أن مدينة تعج بالحكايات والعجائب والغرائب، فنهي مدينة “لا تحب أحدا” و لا تلتفت لأحد، فتترك كل واحد من سكانها يعيش في عزلة قاتلة، و وحدة غريبة، خاصة إذا كان هذا الشخص من الوافدين الجدد عليها، وبخاصة إذا أتى من بلد آخر، هذا بالإضافة إذا كان الوافد على المدينة لا يحمل ثقافة أهلها.
أما بمدينة “نيوجرسي” يحدثنا عن سيدة شقراء جميلة تصدمها سيارة كانت تسير بسرعة فائقة، وهي السيدة ذاتها التي شهدها قبل ذلك بمدينة باريس، هل وقع ذلك مصادفة أم مجرد خيال جامح لراوي يحب الحكايات؟، وقصة الكاتب الذي يحب طيور النورس، وقصة صاحب السيرك الذي يشبه الأمير فيليب و زوجته التي أخذت اسم إليزابيث، وزيارته لجارته العجوز، وعثوره على قلب مرمي في الشارع، وهي قصة عجيبة وكأنها ترمز للوحدة، وموت قطة بالسرطان، ودخول عشرات الفراشات إلى شقته،. هناك مدن أخرى من الولايات الأمريكية المتحدة زارها أو أقام بها مثل مدينة “أورلاندو”، حيث يزور حديقة “ديزني لاند” و يختار شخصية بندق اللطيف، وفي مدينة ميامي يلتقي بسيدة آسيوية تبحث عن ابنتها المسروقة من مدينة هونج كونج، وفي مدينة شيكاغو وبإحدى المقاهي يتذكر صديقه الكاتب محمد المنسي قنديل، هذه مجموعة من القصص والحكايات التي عاشها الراوي تدلنا على حياة مغترب في مدينة كبيرة جدا تزدحم بالبشر الذين أتوا إليها من كل مكان ومن مختلف القارات، مما يعطي للمدينة طابعا ثقافيا متعددا.
أما في مدينة “أدمنتون”، يقص الراوي حكاية الأرواح الطيبة التي تراها كل عائلة، ويبحث الطبيب في موقف آخر عن شخص يثرثر معه لكسر الوحدة و الرتابة، كما يتخيل عجوز في كوخها تغزل ملابس لطفل من نسلها، ويتحدث عن شيخ يعيش الوحدة ويقضي يومياته باصطياد السمك، ويروي أيضا قصته – لما كان حارسا بإحدى العمارات حيث تأتيه سيدة طاعنة في السن وهي راهبة تحكي للطبيب قصتها مع هذه المدينة، وأيضا قصة “جنازة” لطفل متشرد يقوم بها السكان الأصليون للمدينة، بالإضافة إلى قصة قط يعيش في العيادة الطبية وقصة حراسته للمرضى الميؤوس منهم. وفي جزيرة “سان جون نيوفوندلاند”، أي أثناء حضوره أحد المؤتمرات العلمية، تمنح له رقصة من قبل زوجين مسنين على شرفه بصفته شخص غريب عن هذا البلد.
وبفرنسا التي طاف فيها مدينة باريس التي تتعدد بها القصص، حيث يحكي عن صديقه الطالب المصاب بمرض التوحد، والذي يتحدث ليلا مع حبيبته الوهمية، مع قصة الرسام التشيلي الغريبة الناشط بحي “القلب المقدس” (ساكري كير)، ويذكر لقاءه الوهمي مع الفنان التشكيلي الإسباني (سلفادور دالي) الذي حرّر كنيسة “نوتردام” من المسوخ، واستحضر كذلك أحوال صديقة قديمة كانت إيقونة في الجمال وأصبحت تبيع الورود التي تجمعها من صناديق القمامة، لكنها تعيش حياة سعيدة على الرغم من البؤس و الحرمان، و في مدينة “تولوز”، يتذكر قصة “الفيلا” التي وجد بها امرأة ميتة، إذ تأتيه هذه الأخيرة كل ليلة في الأحلام، كما يتذكر قصة الشوكولاتة الغريبة.
و بعد هذه الرحلات والإقامة في البلدان الغربية يعود إلى المشرق العربي وبالذات إلى مدينة القاهرة وإلى بلاد الشام، وهي أماكن للألفة والحبور، ففي بلاد الشام يروي لنا ما شاهده وما سمعه من حكايات عرضها الحكواتي على الجمهور، وفي القاهرة يصف الراوي شعوره بتلك العودة، ويحدثنا عن اليمامة البيضاء التي تسكن في شرفة البيت العائلي وكذلك زيارته للأحبة في القاهرة.
وفي هذا السياق، نجد أن الراوي المسافر من مكان إلى مكان، غير مكلف بمهمة، أي البحث عن سر خفي أو عن شخص مفقود، أو عن كنز على غرار روايات “المغامرة”، التي يتعرض خلالها البطل إلى العواقب والإكراهات. وهو أيضا غير مكلف بالاستكشافات والخوارق و العوالم الغريبة على غرار رواية “علم الخيال”، أو مكلف بالتجسس على بلد ما على غرار رواية التجسس، أو مكلف بالبحث عن المجرمين على غرار الروايات البوليسية،وهي روايات مرتبطة في غالبيتها بالفضاءات الحضرية، حيث الدهاليز والإسرار والفنادق والهويات المزيفة والملاحقات، إلى غير ذلك من الأجواء حيث الارتياب و الشكوك… ، بل هو يعيش يومياته كما اتفق و وفق الظروف المحيطة به، وهي غالبا ظروف غير قاسية أو مؤلمة له. مما يعني أن الكاتب خلق لنفسه نوعا جديدا من الكتابة الرحلية، وهي كتابة متميزة وفريدة، تذكر برحلة ابن بطوطة و”ماركو بولو” وغيرهما من الأدباء من أمثال الفرنسي “أندريه جيد “و الأمريكي “أرنست همنجواي”، والعربي نجيب محفوظ، الذين أبدعوا في موضوع الرحلة في هذه الحقبة المعاصرة.
-2- الوحدة و التسكع في المدينة :
ينكشف للقارئ أن المدن و الفضاءات الحضرية، كما ذكرها الكاتب من العنوان، والتي ارتحل إليها وتجول بها الراوي، أو أقام فيها متعددة ومختلفة والتي تمثل 12 مدينة، أن الكاتب يضيف عنصرا آخر لرحلاته المتعددة، وهو عنصر العجائبية أو الغرائبية. ولعل موضوع التسكع في المدينة هو تقليد دأب عليه الأدباء منذ القدم، فقد تناوله كل من جون-جاك روسو في روايته “أحلام اليقظة للمتجول الوحيد” والروائي الإسباني “انطونيو مينوز مولينا” في روايته “المتجول الوحيد في الحشد” وغيرهما من الأدباء الذين اهتموا بهذا الموضوع، منذ نهاية القرن الثامن عشر في فرنسا و من الأدباء العرب الذين كتبوا في موضوع التجوال في المدن مثلما شهدنا لدى الطهطاوي في وصفه لمدينة باريس، في كتابه “تخليص الإبريز في تلخيص باريز” وغيره من الكتاب المحدثين، مثل الكاتب المصري حاتم حافظ في روايته “كقِطة تعبر الطريق”، و تتَّسم أغلب الشخصيات بالتيه والضياع،الواضح أن التجوال والتنزه في شوارع وأزقة المدن تحوّلا إلى موضوع ذي أهمية بالغة لدى الكثير من الأدباء منذ مدة كبيرة، إذ يظهر هذا النوع من الكتابة على شكل حوار، يشد الانتباه ويدفع إلى فضول الآخرين، من أجل “تمييز صورة المتجول في وحدته، وحتى و إن ظهر في وضع تخييلي، لتشير إلى أفق من المشاركة في الحوار”، وأحيانا تبدو صورة المدينة وممارسات المدنيَّة في هذه الكتابات الروائية “مثل وحشٍ كاسر يلتهم البشر دون رحمة”.
و الجدير بالذكر إن أدب الرحلة يرتبط بالأسفار إلى الأماكن البعيدة وغير المألوفة، وإلى المدن في الأوطان الأخرى،كما تتميز الرحلة بالمسافة المقطوعة بين فضاءين، وبين زمنين، ينتج عنها الارتحال والهجرة والاغتراب مع اللقاء بالآخر، وبثقافته مع اكتشاف التجارب الجديدة في عالم يتحرك بسرعة. وتمكن الرحلة المسافر من القيام بإحصاء ما يرى ويشاهد من أماكن وأيضا ما يبصره من الأشياء و الكائنات التي تؤثث تلك الفضاءات عبر التنقل و التجوال، مما يعني عدم وجود منطلق واحد بالنسبة له، ولعل الرابط الوحيد الذي يجمع كافة هذه المناطق المتجول فيها يتمثل في الطبيب البيطري أو “الكاتب” وهو الشخصية الرئيسية في هذه المجموعة القصصية. وهي الشخصية التي تتنقل بين كل هذه الفضاءات الحضرية من مدن وأحياء وأزقة، وتجعل منها فضاءات ممثلة ومصورة، تتداخل مع الفضاءات المستحضرة.
ولعل هذا التعاقب أو التواتر “يتوافق مع المشاعر الداخلية للشخصية ويتزامن مع الفترات القوية في تحولها النفسي”، وينقل بذلك البطل أو الشخصية الرئيسية ما يشاهده بأم عينيه من مناظر طبيعية ونماذج بشرية، فتتشكل لديه رؤية ذاتية للعالم المحيط به، فقد يلتقي بثقافات مختلفة عن ثقافته الأصلية، فيحاول التعرف عليها واكتشافها، بعد الصدمة الثقافية التي تتسبب في الحيرة وتدفعه إلى التساؤل في البداية قبل أن يعتاد عليها ويدخلها ضمن الأشياء المعتادة الممثلة في الثقافات الأخرى، فقد ينجذب إليها ويتعامل معها بتسامح كبير أو قد ينفر منها. وقد يندمج الفضاء مع الشخصيات، كما يندمج أيضا مع الأحداث أو مع تدفق الزمن. و الملاحظ في هذه القصص أنه لا يوجد تسلسل إلا من خلال الشخصية (الطبيب البيطري) الذي يمثل الرابط الحقيقي في هذه الرحلات، فالشخصية هي التي تسجل التشابهات و التناقضات في هذا “الاصطدام” الناعم بين الثقافة الشرقية التي يحملها الطبيب و الثقافة الغربية الوافدة عليه، مما يدعم ويشجع على الفضول والرغبة في اكتشاف الجديد والخارق و العجيب، وربما البحث عما يسعد ويملأ الفراغ، الفراغ الوجودي للشخصية، وهي أمور تمتلئ بها هذه القصص، وكأن الشخصية تائهة في هذا العالم الشاسع والواسع والهجين و المتعدد الثقافات، مما يجعل الشخص يتشوق في الرحلة “لأجل معرفة العالم بشكل دقيق، كما تحقق الرحلة لكي يتعرف الشخص على ذاته، أحيانا”.
الخلاصة :
يمكن القول في الختام أن الموضوعات التي تتكرر تتمثل في التجوال والتسكع في الشوارع و الفضاءات الحضرية والساحات التي يقوم بها الراوي في نهاية كل أسبوع ،وهو فترات للراحة يستغلها لكسر الرتابة والوحدة، ومع ذلك نجده لا يندمج كلية في الحياة الحضرية، بل يبقى على السطح، بسبب غربته عن المكان على الرغم من تعاطيه مهنة الطب، ومع ذلك يبدو وكأنه يبحث عن هوية جديدة أو يسعى للتمسك بهويته الأصلية في عالم معقد لا يثبت على شيء مستقر و راسخ، فالمدن المعاصرة و الحديثة تشهد حركية غير متناهية و يفقد فيها الإنسان إنسانيته، مما يدل على أن موقف الراوي من هذه الحياة الحضرية موقف أقرب إلى العبثية منه إلى اليقين، إذ نلاحظ و كأنه يعيش في الهامش، فينتقل من حي إلى حي بحثا عن شقة تليق به ومن مدينة لأخرى، بحثا عن منصب عمل و قد يجد ضالته و كفافه في أشغال بسيطة (حارس عمارة مثلا)، يقيم بعض العلاقات مع أشخاص التقى بهم صدفة، لكنه لا يتعلق بهم عاطفيا و اجتماعيا، وهي علاقات تنتهي بمجرد أن تبدأ في التبلور، فهمُّ السارد هو العيش وفق الصدفة ودون تخطيط مسبق، فالراوي لا يتعرض في هذا العالم الغريب لأي أذى إلا مرة واحدة مع صاحب الفيلة، الذي هدّده بالمسدس على طريقة “الكوبوي” الأمريكية، وفي المقابل فجميع من التقى بهم تعاملوا معه بلطف وتسامح كبيرين، وهذا يدل على أنه كان يعيش في جو مقبول إلى حد ما من الناحية الثقافية والاجتماعية بالنسبة له، و لو أنه كان يعيش في الهامش داخل المجتمع، إذ قليلا ما يتحدث عن حياته المهنية. فهذه التجارب التي مرّ بها الطبيب البيطري في مجموعة من المدن حيث الغرابة تجمع بين الانجذاب والنفور، وإن كان النفور غير واضح، فإن المجموعة تبلغ عن حالة نفسية واجتماعية لمواطن عربي عاش قدرا كبيرا من الوقت في فضاءات غير أليفة و غير مطمئنة، بل هي فضاءات فيها الكثير من العجيب و الغريب، و هو الأمر الذي لم يتعود عليه المسافر العربي في بلده الأصلي، لكنه اصطدم به في عوالم أخرى فحاول التكيف معها ونقلها بالتالي للقارئ العربي. وهي تجربة فريدة من نوعها بسبب أنها جاءت لتكشف عن الأسرار الخفية في عالم غير عالم الشرق، مما جعلنا لا نركز على الشخص المسافر، بل على تنقلاته من مكان إلى مكان ومن مدينة إلى مدينة ومن شارع إلى شارع ومن فضاء مفتوح إلى فضاء مغلق، وحيث التنوع الجغرافي و الاجتماعي و الثقافي و معاناة البشر في الوحدة و العزلة و القهر.
المصدر / جريدة الجوهورية




