زعيم الأقلية الساحقة” جملة عنوانية اختارها الروائي عبد العزيز غرمول لتكون فاتحة نصيّة تؤم متن الرواية الصادرة عن دار/ القرن الواحد والعشرون/، كنص مصغّر يلبي الشروط السردية من زمن ومكان وشخصيات وحدث، ويدفعنا للوقوف على المجازات التالية׃
تركيبيا׃ جملة ابتدائية تتكون من مبتدأ ومضاف وخبر وصفة.
دلاليا׃قامت الصفة بتقييد معنى النص، وصرفه إلى دلالة مخصوصة تتعلق بزعيم أقلّية ساحقة، أو نافذة ، والجملة في ظاهرها تبدو مستعارة من الحقل السياسي وتستجيب لإحدى وظائف العنوان الموضوعاتية ، ونعني بذلك احتمال غلبة أفكار سياسية أو وسط سياسي.. في جلاء غارق في الصراحة والتعرية، يشي بصراع طبقي أو سياسي، وهي إشارة أولية تزكي التخمين بان الرواية ربما رواية سياسية.
لكنّ الروايات السياسية عادة ما توظف الأقنعة التراثية والمجازية والتاريخية للتعبير عن القضايا السياسية.
فهل ينحى غرمول هذا المنحى؟
إنّ العنوان يشير بداية إلى مرجعية لغوية كمنطلق أساس يجيز الولوج إلى مرجعيات أخرى.. وإيراد المفهوم الاصطلاحي للكلمات مهم بعد الأهم.. ذلك أنّ هذه الملفوظات -هنا- تتموقع بين صدى لمفهومين.. لغوي واصطلاحي، وتركيبها على هذا النحو يجسّد الحضور المادي للكلمات بقصدية واضحة لتكريس المعنى المتعدّد للكلمة الواصفة (الساحقة) ذات العلاقة بكلمتي (الزعيم/الأقليّة)
مما يجعل العنوان تركيبا واصفا.. لكنه غير حيادي، باعتباره بوصلة النّص الذي يمثل علّة وجوده أو صيغة موسعة له.
والكلمات زعيم/ أقلية/ ساحقة/ تعني:
ـ الزَّعِيمُ : هو الضامن والكفيل أو الرئيس، وفي اللغة المعرفية التي يوازيها الاصطلاح – والكلمات هنا كلها مصطلحات مهاجرة إلى الحقل السياسي- المأخوذ من العرف السياسي الزعيم هو الفرد الذي يُنتخب لقيادة حزب في مجلس النواب أو الشيوخ، ولا يحتل أكثرية المقاعد فيهما.
أو الفرد الذي ينتخب لكي يقود حزبا في مجلس النواب أو الشيوخ يحتل أكثرية المقاعد في الهيئة.
وكلها ألقاب توحي بأنّ الزعيم – مهما كانت صفته- شخصية مركزية أو على الأقل مهمة في الرواية فهو:
- زعيم للأقلية الساحقة.
- رئيس للأقلية الساحقة.
- سيد للأقلية الساحقة.
- نقيب للأقلية الساحقة.
وهذا التعدّد في صفة الزعيم هو إشارة تقودنا إلى أن الأسماء في فضاء هذه الرواية قد لا تهمّ كثيرا، فربما هي تشير إلى المواقف أكثر منها إلى أسماء الأشخاص.
لكنّ بعض الأهمية يتأتى من كون بنية العنوان ككلّ بنية وصفية فالزعيم هنا زعيم مخصوص فهو زعيم الأقلية الساحقة.. وهنا كذلك تكمن بعض القصدية، فهذا الزعيم الذي لا تصريح باسمه أو بجنسيته هو في الحقيقة مظهر من مظاهر القتل الرمزي له، وعدم الاعتراف به، وبواعث هذا التخمين عديدة ومتباينة.. أولاها الوصف المتعدّد كما أسلفنا ، والمتضاد أحيانا، لأنّ كلمة الزعيم في بعض المجتمعات مثل التي ينتمي إليها الكاتب تعني الدكتاتور.. فالقذافي وصدام وجمال عبد الناصر زعماء.. كما أنّ مانديلا وغاندي ولوثركينغ زعماء كذلك…
وهذا يجرنا إلى البحث حول ظروف إنتاج النص ؟
ـ أمّا أقلية فتعني أقل عددا من غيرها، أي أنّها تتعلق بالعدد وتختص بالبشر – كما كلمة (قليل) التي تتعلق بغير العدد- وفي الحقل السوسيو اجتماعي تعني طائفة من الناس تجمعهم، رابطة اللغة أو الدين أو الجنسية، ويعيشون مع طائفة أخرى أعظم شأنا وأكثر عددا، وبحسب سياق الجملة، فقد أخذت معنى الأغلبية، إذِ اللفظ هنا إبدال للمعنى تعدّى معنى الأقلية أكثر من كونه عكس الأغلبية، وفي الاصطلاح كذلك إشارة إلى طائفة تفعل فعل الأغلبية كقصد من الكاتب بتمرده عن المعنى للحرفي للكلمة وإلباسها المعنى الذي أراده.. إضافة إلى المعنى الذي تستمده كذلك من إضافتها إلى الصفة (الساحقة).
أما المعنى الذاتي للمتلقي فنسبيته مطلقة.. لهذا نورد الاشتغال التركيبي التالي حين نستبدل كلمة الساحقة على ضوء إملاء اللغة والاصطلاح بمعية السياق:
- زعيم للأقلية المتسلطة.
- زعيم للأقلية المسحوقة.
- زعيم للأقلية النافذة.
- زعيم للأقلية المعارضة.
وليس القصد هنا إبدال مرادف بمرادف آخر.. لكننا نضيف معان لتآويل أخرى من خلال الانزياح الدلالي للكلمة أو ما يسمى بانزياح النعوت عن منعوتاتها المتعارف عليها..وكلها صفات للأقلية أضفى على الجملة ككل صفة الوصفية.. لتقودنا إلى تصور نسيج مجتمعي بكل تشابكاته، وهي إحالة نادرة للتعريف باتجاه النص.
وحين نتجاوز الواقع اللغوي الماثل في الجملة العنوانية إلى واقع من التعديل الذي يتعدى المعدل، أو معنى المعنى فإنّ الثابت الوحيد في التراكيب هو كلمة (الأقلية) التي استعارت في امتدادها معنى الأغلبية سواء من إضافتها إلى الزعيم إذْ عادة ما يتزعم الزعيم الأغلبية.. أو بإضافتها إلى الساحقة إذ أنها تلازمها دائما في التعابير المشاعة، وهو نوع من العدول عن المألوف، كمراوغة تخفي وراءها شبه مفارقة بحصول اللامنتظر من خلال المنتظر.
إن الكاتب من خلال وصف ورسم صورة متعدّدة للأقلية يكون قد محا المعنى النقي الذي أخذته الكلمة في الاستعمال اليومي.. فالتخريج الأدبي للكلمات والتراكيب والنص هدف للكاتب كذلك.
وتتكافأ كل صور التنوع التركيبي. .زعيم الأقلية الساحقة، سيد الأقلية الحاكمة، رئيس الأقلية المهمشة
والأقلية مهما كان سيدها، أو وصفها فهي المدار الذي تدور حوله الأحداث باعتبارها أنتجت هذا الزعيم، وهي التي مارست التسلّط والقهر.. أو تعرضت لهما كما يفهم من المفهوم المتضاد للكلمات .
فالزعيم إما دكتاتور أو شخص مسالم، والأقلية تحتمل معنى الأغلبية، والساحقة تفيد الهيمنة أو التهميش.
ـ الساحقة: هذه الكلمة عادة ما تصاحب كلمة الأغلبية في الميدان السياسي، إذ يشاع القول فَاز فِي الانتخابات بِأَغلَبِية ساحقَة أي بِأكْثَرية مطْلَقَة، وفي مجال الحرب تعني : شديدة مدمِّرة وهي كلمة واصفة للأقلية التي يتزعمها الزعيم ويتعدى وصفها إلى نوع من التخصيص للزعيم وتصبغ التركيب ككل بصبغة الجملة الوصفية..والذي كلماته لا تثبت في مكانها النحوي ولا الدلالي بل تعلو بلاغيا ( انزياح النعوت) إلى تصوير لصراع ما، وكلّها مشحونة بمحمولات سياسية واجتماعية تحفز الطاقة التخييلية لدى القارئ للغوص في الجانب السياسي والايديلوجي حتى يستجلي الأبعاد الدلالية للتركيب ككل، لأنّ توظيف الكلمات بهذه الدلالة وخروجها عن سلوكها اللغوي يضع نواة الدّلالة الكليّة للجملة العنوانية، ويفترض تجاوز الواقع الماثل في الديباجة (كخطاب مستقل بذاته) إلى واقع يشير إليه كالحرية مثلا.
أليست الحرية معطى مهما في هذه الحالة؟
وهل من هذه الأبعاد ممارسة الحرية السياسية التي تتمثّل في اختيار ممثل الأقلية أو الأغلبية؟
أم هو استشراف لأوضاع سياسية لأمة ما..كالجزائر مثلا ..إذ الجملة تتجاوز شروط الزمان والمكان.؟
وتفتح أفق المتلقي لتلمس الإجابة عبر بعث النص بقراءته ..



