رحلة إلى قبر جان جينيه / عبد الرزاق بوكبة*… “خاص بمسارب”
بواسطة مسارب بتاريخ 30 يوليو, 2012 في 01:02 صباح | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 2767.

 

 

 

حدثني صديقي الروائي المغربي محمد عز الدين التازي: مرّ يومان على رحيل محمد شكري فقلت في نفسي سأزور قبره، كانت روحي عشيتها منقبضة حتى أنها كانت مستعدة لأن تخرج بمجرد قبضة من يد، السيارة تتوجّه إلى المقبرة كفرس لا ترغب في الرحلة، والمطر الغزير يغسل طنجة.

مطر

مطر

مطر لا تهزمه إلا رغبتي في الوصول إلى القبر الحافي.

رغم أنني حضرت الجنازة إلا أنني نسيت أين دفن محمد بالضبط، ذلك أن هناك مقبرتين متجاورتين، وكان لا بد أن أستعين بإدارة المقابر، فتح كهل سجلات الموتى وراح يفتش فيها، لكنه لم يعثر على المطلوب، قلت في نفسي إنني لن أعود حتى أجده، هل يعقل أن يُنسى محمد ولم يمر على دفنه إلا يومان؟، الكهل الموكّل بالسجلات يؤكّد لي أنه لو كان مدفونا عندهم لما فاتهم أن يسجلوه، طالبا مني البحث عنه في المقبرة الأخرى.

خرجت.. محمد شكري لا يترك عاداته أبدا، كنا نبحث عنه أحيانا وهو حي فلا نعثر له على أثر، ثم يطلع علينا من حيث لا نحتسب، وهذا الذي كان: أخيرا عثرت على قبره وقد سقاه المطر، ورود ندية تعلو رأسه.. من هذا الذي جلبها في هذا اليوم الممطر؟، لعلها بائعة الزهور التي كتب عنها صديقه جان جينيه، لكن هذا مستحيل، وإذا بفتى يظهر لي من الجهة الأخرى.. سألته: هل أنت صاحب الورود؟، قال: نعم، قلت: هل تعرف صاحب القبر؟، قال: لا، قلت: وما الداعي إلى ذلك إذن؟، قال لي إنه مكلف من القصر الملكي بأن يرعى القبر، وبأن يجلب الورود له يوميا.

قلت للتازي: لكن شكري كان متمردا، ومصنفا خارج الأعراف التي ينتمي إليها المخزن، فكيف تم هذا الاحتفاء؟، قال: لست أفهم السبب، لكن الذي حصل أن القصر تكفل بعلاجه في المستشفى العسكري قبل رحيله، وبعد رحيله تكفل بالجنازة وبمأدبة العزاء التي كانت ملكية فعلا.

سألته عن قبر جان جينيه في طنجة، فقال لي إنه مدفون في مدينة العرائش المطلة على المحيط الأطلسي، على بعد ثمانين كيلو من طنجة، قلت: إن الشائع أنه مدفون في طنجة، لكن رغم هذا سأزوره.

ما إن ركبت الحافلة من طنجة إلى العرائش يوم 23 مايو 2012 حتى اقتحمتني رغبة جموح في الكتابة، انتبهت إلى أنني نسيت قلمي البارحة في نادي بالما حيث سهرت مع الروائي الليبي محمد الأصفر، لم أجد حلا غير التوجه إلى الفتاة التي جنبي، تعمّدتُ الوفاء للهجتي الجزائرية، أعطتني سيالة زرقاء بروح تلفها كل الألوان، لكن الذي حدث أن القلم سقط مني وتسرب بين الأرجل، ضغط الكتابة على ضغط الخجل من الفتاة، إنه تحالف ضغطين من أنثيين: الكتابة والفتاة.. لا بد أن تتصرف قلتُ لي، ولم يكن تصرفي غير أنني فتحت حديثا مع جارتي في المقعد عن نصي المجهض بضياع قلمها، هل هو قلمها أم قلمي في الحقيقة؟، ومن الخاسر الأكبر؟، هي حيث فقدتْ قلما، أم أنا حيث فقدتُ نصا، واكتشفت بعد نهاية الرحلة أنني فقدت بحديثي الحميم معها كل رغبة في الكتابة، هل كانت ستكون هناك كتابة أدبية لو لم يكن هناك كبت في الحياة؟.

كان صديقي الشاعر إدريس علوش ينتظرني في المحطة، سألني إن كنت أفضل زيارة مكتبه في معهد الموسيقى أولا أم قبر جينيه، فقلت له مازحا: البداية تكون مع الأحياء الحقيقيين، فتوجهنا إلى المقبرة المسيحية رأسا حيث قبر جان، طرقنا بابها الرئيسي فلم يردّ علينا رادّ، انتابني خوف من ألا تتمّ الزيارة، لذلك شرعت في القفز عاليا علني أرى شيئا خلف السور، اقترح علي علوش أن نلفّ من الجهة الأخرى علنا نعثر على الحارس وهذا الذي كان، فتحت لنا زوجته التي خرجت من السكن الوظيفي التابع للمقبرة التي ترعاها مملكة إسبانيا.

كانت في استقبالنا سلحفاة معمرة ودهشة وليدة، قبور أنيقة على بساطتها تعلوها الصلبان، ما عدا قبرا واحدا على الطريقة الإسلامية، إنه قبر صديقنا جان قال علوش، قلت مندهشا: ولكن كيف؟، رد علوش: إنه الإيمان الفعلي بالاختلاف، مسيحي يطلب أن يكون قبره إسلاميا في مقبرة مسيحية ترعاها أسرة مسلمة على أرض المسلمين.

هل أدّعي أنني قادر على أن أسخّر اللغة في وصف تلك اللحظات التي قضيتها في حضرة جينيه؟، مستحيل.. فالمقام يعلمك أن الخلود لأعداء الادعاء، لذلك سأكتفي بالقول إنني وجدتني أسأله: عزيزي جان.. متى ستموت؟. 

 

 

*عبدالرزاق بوكبة / شاعر وروائي جزائري

abdezak@hotmail.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقا