إلى قارئي :
ها أنا أتأهّبُ للحضور بين يديك مسكونا بالبحر حَدّ الصحو وإلى منتهى موجةٍ حدَّثَتْني كثيرا عن سهر الصيّادين في لجّتِه ، وغيرة الشعراء من وضوحه وبهائه ،بل ومن غضبِه الذي يُشْبهني ، يشبه غضبي من هذا العالم الذي لم يَعُدْ يقول الانسان ، ولا صديقاً لللنّوارس والأطفال والزّهور والفقراء ؛ عالم لا يحبُّ الذي يُحبُّ .عرفْتُ البحرَ صغيرا، ولازمَني وأبي مُتعةَ الأفق المفتوح ، كمْ أدينُ لك يا أبي .
حين كنتُ صغيرًا ، كنتُ أتَسلَّى بِعَدّ النّوارس على الشّاطيء كلَّ مساءٍ ؛ تزيد سعادتي كُلَّما كان عددُها كبيرا وأحْزَنُ كُلّما تَوارَتْ تارِكَةً للمكان يُتْمهُ وأَنينَهُ الذي يَشِي بِه حفيفُ الأشجارِ وحشْرَجاتُ المَوْجِ.
وكبرتُ ، وأنا مازلتُ أُحِبُّ النّوارِسَ وأَترقَّبُ مَجيئها ، تماماً كالطّفلِ الذي كُنْتُهُ ولازَمَ قِطارَ عُمْري مُهَدْهِدًا روحي ؛ وها أنا الآنَ تصفعُني مشاهِدُ الأطفالِ في فلسطين مُغادرين عالَمَ الخيْبةِ غاضبين مِنْ ذِئْبِيةِ هذا العالَم غَضَبَ أطفالِ سطيف وقالمة وخرّاطة وساقية سيدي يوسف وبحر البقر والعامِريّة ودير ياسين … وصبرا وشاتيلا …
يرتقون إلى حيثُ محمد بودية وغسّان كنفاني ويحي المشدّ وبختي بن عودة وعبد الله شاكري وملايين قبلهم على اختلاف بلدانهم وألوانهم …
أراهُمْ واحِدًا ، وأَرى جلاّدَهُم واحدًا ، مهما تعدّدَتْ الأسماءُ وتنوَّعَت الأقنعة.
أنا ياصديقي ، متصالِح مع نفسي حدَّ الذّوَبان في دُنيا النّاس ، آلامِهموأحلامهم ، طيبتِهم وغضبهم . صديقي البحرُ ، كان أبي عرّفني به ذات صِبا كما عرّفَني القراءةَ وغرسَفيَّ التّعلُّقَ بِهِما ، تماما كما غرسَ فيَّ التَّعلّقَ ببلادي وبشُهَدائها وَحُبَّ النّاس ، والانحيازَ للفقراء و الكادحينَ والشّرَفاءِ من النخب .
أنا يا صديقي ، حين أكتب ، أفتحُ كُوَّةً في جِدارٍ يَحولُ بيني وبينك ، بيننا وعالَمٍ رَحْبٍ من المحبّة والفرح ؛ جِدار من الكراهيةِ والأوهامِ وتبعيةِ القطيع ، حيث لا مكانَ للعقلِ وللانتماء للإنسان.
أنا يا صديقي ، حين أكتبُ ، أقولُ الفضاءَ الرَّحْبَ في روحي بما يسَعُ البِحارَ ، بِحارًا من الزُّرْقَةِ المفتوحَةِ على الدَّهشةِ والمعنى؛ على تفاصيلِ عينيكَ وهُما تقولانِكَ في كُلِّ اختِلاجاتِ صدرِكَ ولَواعِجِهِ ؛ أقولُ الرّبيع الذي لا بُدَّ مِنهُ ، الماءَ في رِحلةِ الشَّوْقِ إلى مَصَبِّهِ في حُضْنِ الأزرقِ . هي رِحلةٌ يُعيدُ فيها البسمةَ للخُضْرَةِ والزُّهورِ ، البهجةَ لِسَقْسَقَةِ العصافيرِ على أفْنانِ الشجر . أقولُ أُنْسَ الصيّادينَ حينَ يحتضِنون البحرَ ليلاً ، فيُغنّون للنُّجومِ أُغنياتِ الحنين لِدِفْءِ البيت وقهوة وسط الدّار.
منذ بدأتُ الكتابةَ ، آلَيْتُ على نفسي أنْ أقرأَ كثيرًا وأكتبَ قليلا ، أنْ أكون أنا ، ولا أحدَ غيري ؛ قدْ أُعجبُ بما أقرا، لكنّي يأبى عليَّ هذا الذي أحترمُه كثيرًا ، أقصد انسجامي مع ذاتي، أنْ أكون صدى لغيري أو نسخةً منه؛ وأوَّلُ مَن أسعى لتجاوزه هو أنا .
الكتابة يا صديقي، مسؤولية واحترام للذّات وللقاريء، لذلك لا تغريني الأفكار الرّائجة بركوب موجةَ صيتِها تحقيقا وإرضاء لما يطلبه السّامعون ،ولا تلك المُغيَبةُ لامتطاء صهوتها على سبيل الكيدية وحب الظهور مخالفا للسائد دون معرفة واقتناع ؛ وأنا الذي علّمه البحرُ أنَّ السباحة فيه وسبرُ أغواره جهدٌ ذاتيٌّ عارِفٌ وهادِفٌ وجادٌّ .وها أنت تراني ندرتْ إطلالاتي في دنيا المنشور وعلى الشاشات ،رغم تواجدي الحثيث في مشهد الفعل ودنيا الناس.
أنا يا صديقي ، أكتب لي ولك ، وللرّاحلين ، وقد غُمَّ كثيرٌ منهم عليك، فلم تُتَحْ لك معرفة ما قدّموا للإبداع والثقافة والوطن، لذلك جعلتُ من عنوان القصيدة المرفوعةِ إلى أحدهِم ، أقصد الكاتب والمفكر القامة الكبيرة والجادّة المرحوم ” صالح زايد” عنوانا لهذه الإطلالة عليك ،
، تماما كما كان منّي في عنونة أوّل إصداراتي (زغرودة الماء)، والتي حملتْ عنوان قصيدة مرفوعة للشاعر والمفكر الصديق ” بختي بن عودة ” . المغدور في زهرة الشباب وقمّة العطاء .
هو الوفاء الذي رُبِيتُ عليه يا صديقي ، وفاء للشهداء ، للوطن وثقافته، للجوهر والمعنى ، للصدق مع الذّات وحقيقتها ، مع الناس وتطلّعاتهم ؛ أحاولُ جاهدًا أَنْ أُحافظ عليه في هذا الزّمن اللعوب الراشي الكَذوب الذي مُغَفَّلٌ من ينقاد له ، مُغَفَّلٌ مَنْ ينحازُ لما يفرضُهُ السّائد المُبْتَذَل ، على حساب الحقيقة والصّفاء والعقل، على حِساب الحقّ والواجب والعدل .
هذا قَدَرُ الكاتب والمُثقَّف الحصيف ووظيفته الوُجوديّة التي لا مكان فيها لما يطلبه السّامعون مهما كان الثمن ومهما حيد به عن الصّدق والصواب، لأنّي أعيش وبوصلتي ضميري ، لا وِفْقَ وجهات النّظر، إذْ لا حاجة لأي مجتمع سوِيّ بمَنْ يركبُ الثقافة والإبداعَ ركوبَ الغِرّ للأرجوحةِ : يُصَفّق حيثُ يجب التّنْبيهُ أَوْ يَعيبُ في مقام الاستحسان ، بَحْثًا عَنْ تصفيقٍ أَوْ دَرْءًا لانصِرافِ الدّعايَةِ عَنْهُ .
المُبدِعُ يا صديقي، كامِنٌ في حريتِه وثقافته ، في مدى استيعابه لمتكآت الحضارة ،في مرجعيات شعبه وحقائق الأشياء في العالَم الذي يعيشهُ ، في كتابته وإسهاماته، في ما يُضيفُ للذّكاءِ والجَمال والمحبَّة.




