عندما أتذكر عمار بلحسن تنبلج الفجيعة في أسوأ تجلياتها، ربما هو طيف من الحزن مسني و أنا استذكر غيابه (19) من خلال رسالة الوداع التي بعث بها الى زوجته … قبيل سفره للعلاج بفرنسا في شهر ديسمبر من سنة 1992، كتب عمار تلك الكلمات و الحرقة تأكل دواخله فاختار البوح متنفسا و الإعتراف خصلة، بعدما جال و صال في الحياة سواء من موقعه كزوج و أب أو من مكانه ككاتب و مثقف متنور. في آخر أيامه إختار عمار أن يعرج إلى خلاصة حياته فلخّصها في شكل رسالة و وصية تنبأت نفسه من خلالها عما قريب أنها لا محال ذائقة الموت.
ما عاناه عمار لم يدرك كنهه إلا عمار. و ما أحس به في أواخر أيامه في صراعه مع الداء اللعين جدد من كيانه المتهالك و بعث فيه آخر شعلة للبوح كزوج و ككاتب كل ذلك و اكثر نطق به قلم عمار الذي تمنطق بوحي خفي من السماء جعله يتأرجح بين الفرح و الحزن، بين الأمل و اليأس… و فيض من الأحاسيس ضمّنها رسالته التي بعثها الى زوجته و هي في المستشفى،هي كلمات من متألم الى متألم من شفيع أمل الى زوجة مكلومة بمرضها من جهة و بمصاب أصاب نصفها الآخر من جهة ثانية … كتب عمار ما كتب و هو يعيش صدمة الفجيعة بكل تفاصيلها كتب ما كتب و الدموع ترقرق من مآق شاكية باكية لما آل إليه الحال لكن زاده الخوف مما قاله الأطباء جعله يسارع الى الرحيل حاملا حقيبة الهم نحو فرنسا باحثا عن الشفاء و العلاج لتمتزج لحظة الوداع قبل فراق الزوجة و الأولاد مع أويقات التوجع و الآهات المتقطعة لتتقاطع مع عرض حال لما عاشه و أحس به مع رفيقة دربه في حياة يرى أنها ظلمته أكثر مما أنصفته أو هكذا أحس بقلب أعياه المرض و البحث المضني عن الصحة و العافية مخاطبا زوجته فاطنة قائلا:”حاولت أن أكافح و أناضل و ابني عشي معك، ولكن الزمن لم يكن لطيفا معنا،تعذبنا كثيرا و لم نكن سعداء كما يجب، كانت حياتنا بحثا و سؤالا عن الهناء و راحة البال و الفرح…”
لم يكن عمار يحلم أن الحياة يمكن أن تنقلب على المرء في إغماضة عين و تتحول الى كابوس مرعب. لم يكن عمار يحس بألم الروح و بفجيعة المحنة بعدما أن غدرت به الأيام … هكذا كتب عمار و الفجاءة تغمر قلبه و روحه مما أصابه من قروح. لكن مع ذلك يبرق أمل في أفق أعماقه النقية يخبره بما مفاده …أن في نهايات النفق المظلم هناك أمل…أمل في عودة الأمل،كما وصفه … إنتصار الحب و الحياة. لكنه ما يفتأ ينكص على عقبيه من تأثير المرض … فنزر الأمل يسير بل و غير كاف الى الحد الذي يشمله بالراحة و السكينة مع هذا المرض المخيف، “الأفق أسود و حالك هو قدري” ثم ما يلبث و تنتابه خيالات إبنه أنيس و هو يخاطبه :”لا تبكي بابا … فيروح يضمه و يملئ به صدره للحظات ! ثم يلتفت الى رفيقة دربه مخاطبا إياها :”يا أيتها المرأة التي لم تفهمني كثيرا … يتيمة و أعطتني ثلاث وجوه محفورة في ذاكرتي.. و حتى لو رحلت لن يستطيع الموت محو ضحكتها و لغتها و صراخها.”
ثم يودعها أمانة رعاية الأولاد في شكل وصية يحثها من خلالها أن تعتني بهم و تلقنهم حبهم لوالدهم الذي كان شديد التعلق بهم و يحبهم و يناضل من أجل أن يعيشوا سعداء ثم يسلم لها شعلة الحياة التي بدأت تخفو بداخله قائلا لها:” كافحي لكي يستمر جسدي و روحي في أبنائي لكي يستمر كفاحي من أجل العيش و الحياة و الثقافة و الإنسان.”
خرج عمار فقيرا من هذه الحياة الفانية ولم يكن له مدخول مادي بسد به رمق الحياة – كما جاء في الرسالة – سوى مرتبه الشهري من الجامعة و منحة والدته … “لكم الله و منحة أمي و شهريتي” كانت هذه تركته التي تركها لمن بعده لكنه بالمقابل ترك أكثر من ذلك و حرص على أن يحفظ ميراثه من الزوال. نعم ، كان عمار غني فقد كانت خزائن الرجل مملوءة على الآخر و لذلك حرص على أن توزع أملاكه بالعدل كل و نصيبه طبقا لشريعة القلم و قانون الصداقة الحميمة و فريضة الثقافة والإبداع. تضمنت رسالة عمار الى زوجته فاطنة كل تفاصيل الميراث فأوصاها بما ترك قائلا:” أما كتاباتي و كتبي و أوراقي، فهي أمانة في يدك سلميها الى الطاهر وطار حتى يشرف على نشرها أو الإحتفاظ بها و تحضيرها للنشر و المحافظة عليها.”
أوصيك.. العمر حياة و موت. حافظي على كتبي و مجلداتي ( ووضع عليها خط) أتركيها لأبنائي أما الكثير فأختاري منها البعض و تصرفي في البعض الآخر بمشورة أخيك.
لك أيضا أصدقائي و معارفي: الزاوي حمزة بكل ما يتعلق بأمور مهنتي و أجرتي في الجامعة … الطاهر وطار في كل ما يتعلق بكتاباتي و تراثي و كتبي شاوريه و سلمي له الملفات و الكراسات التي تشمل كتاباتي.
بهكذا تركة خرج عمار بلحسن من تلافيف عالم لم يكن عادلا كما وصفه وحياة كلها نضال في جزائر لم تعطه سوى قرحة و وورم.كتب عمار ما كتب و هو يبكي، يد تعصر العبرات من جفون أذواها المرض و يد أخرى ترتب حقيبة الهم إيذانا بالسفر.”سأسافر غدا و بي أمل في العودة، كوني شجاعة،أمّا صامدة في وجه الزمن الغدّار، أحضني أطفالك و سيري شامخة .تذكري زوجا أحبك و أعزّك و كان حزينا جل الوقت. لكن هناك أمل في النفق المظلم…هناك أمل في ألا يموت الأمل. أقول لك الى اللقاء.أقبلك و أتمنى أن لا يكون هذا وداعا.أقبلك زوجتي الحبيبة(أعمر) 08/12/1992 على الساعة 20 سا مساءا .
و يتجدد اللقاء … مات عمار الشجاع و في قلبه شيء من حتى . مات و قلبه مملوء بالحب . مات من فرط الحب . مات و هو يكتب الى آخر رمق فيه الى آخر بقعة حبر من قلمه الجميل و آخر كلامه لزوجته :” إجعلي من ابنائي… أزهارا و رجالا و نساءا مثقفين نظفين و مكافحين… كما أحببت أن أكون… رغم الداء و الهم و الأيام التي لم تكن جميلة أو لطيفة.. هو القائل ” إنني الحاضر يمضي /إنني الآت الذي/ قبل أن يأتي يفوت. الله يرحمك يا خويا أعمر.






لا فضّ فوك أيها العاقل اللبق الفصيح، أنت مما أورث المرحوم زوجه و أصحابه و بنيه…سر إلى إبداعك راضيا مرضيّا
و الله إنها خصلة أعتز و أتجمل بها، و إنها لكلمات من أعقل و افصح مني…تلك التي قرأتها منك… شكرا أخي نبيل.