(دماء الصحراء) عندما يغامر الإعلامي الجزائري / بقلم يوسف سليماني
بواسطة مسارب بتاريخ 31 أغسطس, 2012 في 10:34 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 2102.

 

كثيرة هي الهموم والقضايا التي يجد الإعلامي الجزائري نفسه غارقا فيها، ومنشغل بتعقيداتها، وهي تلتف من حوله وتضيق دوائرها عليه، ومع تواتر الأيام يزداد حرج أسئلتها ويرتفع ضغطها عبر الحيرة، التي تتركها مواقف صناع القرار، الذين لا يحسنون سوى الصمت المطبق الذي لا يدل على إجابة مؤجلة، ولا يتضمن رسالة مستترة، تلك صورة مصغرة على ما يعيشه ويعايشه الإعلامي الجزائري، ويصارع الغموض أكثر من مصارعة الرياح المتقلبة.

ومن ديجور الوضع وعتمة المشهد، يكون الإعلامي الجزائر محمد بغداد قد فضل أن يطلق العنان لقلمه، ويحرق كل أوراق التحفظ، ليغامر بالكتابة في ملف طالما كان ينتمي إلى المسكوت عنه في الثقافة الجزائرية، وبالذات ما يتعلق بملفات الأمن القومي للبلاد، ولطالما استخدمت معلوماته ورقة مساومة صنعت بها أطراف معينة نجوما من ورق تحولوا عبر تراكم المساومات إلى أباطرة ومرشدين مظللين، وحصدوا من الريوع ما جعلهم يصلون إلى مرحلة انقلاب السحر على الساحر، فتلميحات محمد بغداد كثيرة إلى مرحلة التعامل الإعلامي مع الأزمة الأمنية، والتي لم تتمكن معها التجربة الجزائرية، من صناعة تقاليد محترمة قادرة على تكوين رواسب تجعلها، على الأقل تصل إلى فهم الجماعات المسلحة وثقافة العمل الإرهابي.

في كتابه الجديد .دماء الصحراء. حروب القاعدة في الساحل الإفريقي . يرافع بغداد من قضية، هي في ذهنه اقرب إلى الحلم منها إلى الأمنية، وتتمثل في ميلاد مشهد إعلامي جزائري، يكون مشغولا بمختلف القضايا المصيرية للبلاد، ولا يعكف على اجترار المقولات الجوفاء والتصريحات العابرة، يكون الإعلامي المحور الأساسي في هذا المشهد، باعتباره حلقة الوصل بين جميع الأطراف والمناوش، الأهم لأفكار وإبداعات النخب لتجاوز عتبات المهنية التقليدية، والروتين اليومي ويتخلص من أوزار الالتزامات البيروقراطية للمؤسسات الإعلامية، التي لا تزيدها الأيام إلى تخلفا وتراجعا، عما يجري في عالم إعلام الناس فوق الأرض.

 ومن تعقيدات تضاريس الصحراء يمارس الإعلامي، موجات عنيفة من الانتقادات يصوبها نحو المنظومة الإعلامية، نفسها التي يدور هو في فلكها ويشن حملته وانتقاداته من انبهارها، أمام التقارير الاستخباراتية الغربية، التي تروج لها بطرقة غريبة جاعلة منها النص المقدس، الذي لا تملك القدرة على فهم أبعاده ولا توجس مضمونه، وهي تقوم بعملية اشهارية سمجة، فلحد الآن يصر بغداد على أن التجربة الإعلامية الجزائرية، لم تصل بعد إلى مستوى المؤسسة بالرغم من الانتشار الواسع لمنتوجاتها الورقية، ولكنها لم تتمكن من انجاز من الهياكل، والمفاهيم ما يجعلها قادرة على إنتاج رسالة إعلامية، لها صفات وخصائص معينة ومحددة، فهي تجد نفسها مجرد ناقل لما يتسرب من أخبار مجزءة وخارجة عن سياقها، دون أن تعمل النظر، في تقديم وجهات نظر ورسائل تكون منسجمة مع الموضوع  والكثير، منها يفضل أن يغرق في صناعة حملات إعلامية تتضمن الرعب والتخويف، علها تحقق كما تتصور أرباحا مادية عبر الاستثمار في الوجدان الشعبي، والمزاج الاجتماعي المشوش.

ويلتفت عبر صفحات الكتاب إلى المنظومة المؤسساتية الرسمية، التي ينجرف من مرحلة إظهار الأخطار المنتظرة من الجنوب البلاد، إلى التوجس من الذهنية التي تدير البلاد، وتتعامل مع مشاكلها الكبرى مبشرا في الوقت نفسه، بانهيار يتصادم مع ما أظهره من قبل من كتابات، معتبرا أن مرحلة نهاية الدولة الوطنية والكيان الأمة، قد تجاوزه الزمن وان المرحلة القادمة، تأتي ولا تجد من الإمكانيات وانجازات النخب ما يناسب رهاناتها، فهو يجزم بان البلاد لا تملك اليوم نخبا تاريخية، قادرة على تحمل تكاليف إدارة البلاد، ولا تملك من الذكاء ما يجعلها تنتج الأفكار، وتبدع في ممارسة السياسة حتى تتجاوز الكوارث القادمة، بعيدا عن انتظار انتصارات أو انجازات تاريخية، كون الأمر يتعلق بتلك الذهنية والنفسية التي استقالت منذ زمن وانهارت، لتترك الفرص أمام موجات العبث واكبر مظاهرها وأخطرها هو السلوكات الغريبة، التي تستسهل الأخطار وتتلاعب مع المعطيات الكبرى، والتحولات العميقة التي يشهدها العالم.

يعتبر محمد بغداد أن الذهنية التي تولت مسؤولية معالجة أزمة الإرهاب في الجزائر، طيلة العشرين سنة الماضية، قد فشلت فشلا ذريعا في مهمتها بالرغم من الإمكانيات الرهيبة، والوسائل الضخمة التي وضعت تحت تصرفها، وقد وصلت هذه الذهنية إلى المحطة الأخيرة، من انجازات فشلها أين وجدت نفسها أمام مرحلة جديدة من موجات الإرهاب، هذه المرة لا تهدد السلطة القائمة، ولكنها تهدد كيان البلاد وتضربها في صميمها، دون أن تجد من الأصوات ما يردعها عن السير في طريقها، ولم تتمكن من الانتباه إلى من ينتقدها، ويكشف أخطاءها ويبين انزلاقاتها الخطيرة، ويكشف لها قبل غيرها فشلها الكبير.

من يقرءا كتاب -دماء الصحراء- يجد الكثير من الجراءة في النقد، ولكنه يتلمس في الوقت نفسه حرصا شديدا في الدعوة إلى ضرورة الإسراع في المراجعة، وإعادة النظر ليس في الأفكار والتصورات، بل قبل ذلك في هيكلة النخب القائمة مع الدعوة الصريحة إلى مسح الطاولة، من كل تلك الكتل المتراكمة، وبالذات النخب التي يصفها بأنها مغشوشة، وأن يكون المستقبل ليس ميلادا زمنيا بل اشراقة جديدة، لنخب جديدة تأتي من أعماق أزمنة التيه، الذي عاشته التي سبقتها، بشرط أن تكون متطهرة من المعاصي المتكلسة في الذهن والوجدان، ومتجاوزة ذنوب الماضي وحالمة بأنوار التاريخ، وفي نفس صفحات الكتاب مرافعة شرسة من اجل إعادة الاعتبار للمهمة الإعلامية، ومنافحة من اجل تأسيس تقاليد وقيم قبل الهياكل والمؤسسات، تكون قيما حارسة للمنظومة الإعلامية المنتظر ميلادها في المستقبل . 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقا