تعتمد العملية النّقدية على فعل القراءة، ولهذا يسمّيها النّاقد قلولي بن ساعد “استراتيجيات القراءة”، وجاءت في صيغة الجمع لأنّها تختلف بتعدّد النص، والعملية النّقدية فاصلة في تهجير النص من مرحلة سكونية التّركيب إلى حركية المعنى، حيث تتفجّر مقاربات “المتخيّل/الهويّة/الاختلاف” كما حدّدها النّاقد قلولي بن ساعد كتيمات حفرية تتوسّم الانفتاح في النص وترتبط بأفقه كإبداعية وبراءة إنجاز.
الاقتراب من عالم الرّؤيا لدى بن ساعد قلولي، يفتح أقواسا عدّة لسوسيولوجيا الإمكان التّفاعلي مع النص، حيث يتحوّل هذا الأخير إلى فضاء متعدّد التّمظهرات، يخضع لمستويات القراءة لدى النّاقد في مقارباته التواصلية التي تنحو منحى استراتيجي مكثف بمحبّة النص، بمفهوم دريدا للعلاقة مع النص.
يبني قلولي بن ساعد علاقته مع النص وفق ثلاث مستويات:
ـ فتح هوامش متعدّدة للمقول النّقدي، تطمح في ملامساتها لحواف النص إلى إرجاء كل انفتاح ممكن قصد توتير جوهرانية النص، وبالتالي انكشافه أمام القصدية الأولى، أي القراءة.
ـ تأثيث هامش القراءة بقصدية صادمة، تدفع النص إلى تحريك مفاصله وإعادة تثبيتها وفق قوّة الحركة الحفرية في أفقه الصّامت.
ـ ربط النص بإحاطات نشأته، وتمكينه من الكشف عن أدواته الحافرة الذاتية والمستترة في طبقاته، وهو ما يتطلب عملية حوارية تستدرج الناص في أفق النص عند مستوى معيّن من مستويات القراءة إلى إدماج هويّته ضمن هويات النص المتعدّدة، وهو ما نكتشفه من خلال حوارية النّاقد قلولي بن ساعد للنص في تماهيات متعدّدة من المعنى، حيث القصدية إلى استنطاق النص، تكمن في الإقتراب العارف والمدجّج بالرّؤيا والإستراتيجية الحافرة/الصّادمة من حواف النص.
“استراتيجيات القراءة”، متن التّجربة المتحرّرة من وبائية القيمة، حين تتصدّر العمل بروح التحرّي والترصّد. القراءة المدمجة في العمل النّقدي “استراتيجيات القراءة” تتعرّف عند حقل السوسيولوجيا النّقدية المتاخمة لمرجعيات التشظّي الكوني، حيث النص لا يتمترس خلف هوية الجغرافيا المحدّدة، بل تدفعه الرّؤيا لدى بن ساعد قلولي ليفتكّ وجوديته الكونية طبقا للهامش المقولي المتعدّد الذي يحيطه به الناقد.
إن التعدّد المقولي لا يركن إلى المعنى المستساغ في ثقافة معيّنة، ولكنّه يوظّف طبقا لمنهجية تتمثل أدواتها وأفقها الحافر، حيث تنحت تبعا لفعل المناورة النصية أداة الإنصات إلى النص، وبهذا يشتغل النّبض الرّاصد لمتواليات النص على أحابيل المعنى القريب والبعيد في مستويات متعدّدة من تعريات النص واستعداده البعدي للإنكشاف، لأنّ النص متمنّعا بطبيعته.
يردم النّاقد بن ساعد قلولي مجاز الحركة، ويتعدّد بطيفية الحقيقة النّسبية وصولا إلى ما يرسم حقيقة الوضعنة في تخوم النص، وهي تقنية تنجز التواصل مع النص في حدود إمكاناته الحوارية، فـ “الحفر في الأسئلة التي أثارتها ولا تزال تثيرها الرّواية الجزائرية في راهنيتها على مستوياتها الجمالية والبنائية والموضوعاتية إنّما هو إجراء حواري..”/ص67، لعلّ هذه الفكرة تكشف عن منهجية قلولي بن ساعد في ترتيب المقاربة للنص، فهو لا يحدّد وجهته مسبقا، بحيث يستبد المنهج بالرّؤيا، وبالتّالي تصبح الإنتاجية النّقدية مجرّد تفصيل على مقاس النص، إذ نُخضع النص إلى تجريد المنهج، أو ردم جمالية النص في متاهة القولبة، فهو يحدّد تعامله النصي “بالحفر في الأسئلة” ويقارب النص بتعدّد رؤيوي يمتح من براءة النّقدي الجمالي/البنائي/الموضوعاتي، أو أحد هذه المناهج حسب بنية النص واحتمالات انفراج السّؤال عند مطالع القرائن النّصية، ولهذا فهو يفرّق بين “الدّراسة الأدبية” و “النّقد الأدبي”/ص55 انتصارا للأخير، وهو ما يجعل المنحى الحفري لديه ثقافيا بامتياز، حيث العملية النّقدية طبقا للمعايير الكونية في مقاربة النص، أصبحت تنشد الناص في تواجده الفيزيقي والتقرّب من عوالمه قصد المقاربة الانثربولوجية الهادفة إلى التفرّد في إدماج المعطى الإنساني داخل شبكة المسطور الفكري، أو محاولة المزج بينهما، كوسيلة للإنفتاح أكثر على الأسباب الكامنة خلف إنتاجية النص ومقدّراته المضمرة والقادرة على تفعيل حركته في العالم، وهو ما تحيل عليه فكرة الدّازين” أو الوجود في العالم برؤية هايدغرية، حيث لا يقتصر وجود الدّازين على “سلوك وتصرّف اتجاه موضوعات المعرفة ولكنّه الوجود في العالم نفسه للدّازين”، كما يرى غادامير، وبهذا المفهوم تترتّب إوالية نقدية تتأسّس على اختبار جدوى الناص في ترتيب حركية للنص/الذّات داخل أنساق العالم قصد بنائية جديدة للوعي المحايث للإنساني في تمظهرته النصية.
التّجريب مخاض الكتابة النّقدية عند قلولي بن ساعد، فالمقاربة النصية لا تعتمد على مجرّد انفتاح على النص، بما يعني قراءة المتاح في المعنى والوقوف عند تداعيات بعينها تبدو وكأنها نهائية من شدّة وضوحها للقارئ.
يتجاوز النّاقد بن ساعد قلولي هذا المستوى إلى ما يمكن أن نكتشفه خلف الوضوح، لإيمانه بمكر النص وعدم رسوه عند مرفأ مستقرّ للدّلالة، فهو دائم التحوّل والتعدّد، لكنّه يُظهر ثباته عند أفق قارئه تمنّعا، وهو ما يجعلني أقف عند فكرة “التّعالي النصي” كما يوظّفها جيرار جينيت، من حيث كونها تعني “التناص” بمفهوم جوليا كريستيفا، حيث يرى بأنّ الشعرية ليس موضوعها النص بل “جامع النص”، وهو مكمن الخصائص العامّة أوالمتعالية.
قلولي بن ساعد بتحكمه في تقنية التعدّد المقولي، إنّما يبني سقفا للنص النّقدي تلتقي عنده القيم المتعالية التي نبعت من مساطر نصية مختلفة، لكنّها انصهرت داخل اللّحمة السّدَوية للمعنى الجديد في فيوض المتجلي القائم عند أفق النص الخاضع لحفرياته، وتسترشد فكرة التّعالي النصي بترسيم حدود للمتعاليات، بحيث كل متعالي يبني سطحا، قياسا على المعمار الهندسي للمكان، وبالتّالي يصبح التعدّد المقولي متعاليا بنيويا يشيد سطوحا للتفاعل والتلاقي المؤدّي إلى النص الجديد أو “النص الجمع” بمفهوم جينيت.
-
تصنيفات
-
أحدث التدوينات
- مقاربة تعقدية عند ادغار موران بين الكائن الثقافي بالطبيعة والكائن الطبيعي بالثقافة / د زهير الخويلدي
- ديمقراطية النقد والناقد في كتاب “الأسوار والكلمات”[*]./ رائد الحواري
- سعيد بوخليط : نوستالجيا حكايات من أزمنة مراكش
- التجديد المنهجي في الفلسفة المعاصرة بين التغطية والانتشار، مقاربة ميتودولوجية / د زهير الخويلدي
- سعيد بوخليط : صدور “شاعرية الترجمة،حوار ذاتي لمترجم”
- ديمقراطية النقد والناقد في كتاب “الأسوار والكلمات”[*]. / رائد الحواري| فلسطين
- لغة الضاد بين التكلم عن معاناة الشعوب المضطهدة والنطق باسم الوجود الإنساني المغترب،/د زهير الخويلدي
- الشاعرة رولا سرحان تمزج عذابات الجسد بمأساة الجغرافيا في ديوانها الجديد “هوناً مّا” / فراس حج محمد
- واحد-صفر للقتيل: لكمال الرياحي لا يُمكنُنَا أن نُغطي الشَّمسَ بالغربال/ محمد بوزرواطة
- عبد الحميد بورايو حارس الذاكرة وعاشق الحكايات / محمد بو زرواطة




