برقية مستعجـلة
بواسطة مسارب بتاريخ 11 يناير, 2012 في 09:35 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 939.

 

      

فتيحة سبع / قاصة

متعـبة بثقـل الهمـوم و الأحـزان . . مسكـونة بنـزيـف

الجراحات . . محاصـرة بأوجاع  الزمن المروهمجية العـدوان . .

منتضـية من ملامح الفرح ، تقف أم السعـد هذا الصباح بين تضاريس

القلـق و جبال الحـيرة تسـتعـيـد ملامح قريتها بعد ليال من قصـف

المدافع والصـواريخ الشارونية ، لم تبصرغـير سحب من الدخان

باسطـة قـتامتها على الكون و الشمس غارقـة في ظلمة حالكة . .

لا أثـر لنـورها الذي كانت تستحم في دفئه و أبنـاء جلدتها . . فتكت الوحـوش بكل ما كان ينبض بالحياة .. كل أخضر و يابس .. يعـظم

الإثخان بأعماقها . . يتـنزى قـلبها دما تـشـعــر به يندلـق شلالا عبر

شراييـنها . . يـشـف عليها يأس عميـق يـرسـم تجاعـيد الآسى على

ملامحها . . تنهمـر عـيناها الذابلتـان هـيمانا زلالا. . يطـوقها الخـوف

على طفلها الوحـيـد الذي نجا من قذائـف ليلـة أمس التي سرقت أحلام

أصدقائه الأطفال ( درر الأقصى) : محمد ، إيـمان ، سلطان ، حـيدر

و جهاد و . . و. . والبقية ستأتي، قد يكـون – سعـد إبنها- ضمن قوافـل

الأطفال الشهداء للأيام القادمة. . تـشـتـد حـيرتها على فلذة كـبدها . .

دلفت إلى غرفـته وتقـدمت نحو سـريره تـوقظه بقبلاتها كالعادة . .

أفـزعها مكانه الفارغ ، فانطلـق صدى صراخها يـشـق سكـون هذه

الهنيهات . . يا ويلي ، أين إبني . . ؟ كيـف غادرالبيت دون علمي . .؟

ستسرق الوحـوش إبتسامـته . . ستـوقـف نبض بـراءتـه . . ساعـدني

يا رب في العثـور عليه ، راحت تنتحـب . . تـوزع نظرها هنا وهناك 

- 12 -

تتلهف بشـوق لتجـده . . لتحضـنـه  بين ذراعـيها . . لتخـفيه عن الآلـة

المدمرة للأحلام . .

إهدئي ماما . . لا تصرخي . . أنا هنا . . أنا هنا منشغـل بعـملي . .

هرعـت مسرعة باتجاه صوت إبنها . . وجدته مخـتفـيا بإحدى أركان

ساحة البـيت قرب شجـرة غـرسها والده منذ سـنـوات قليلـة قبل

إستشهاده في معـبر “إيـرز ” يتمعـن الشجـرة حـينا وينكب على ورقة

كبيـرة موضـوعـة فوق ركـبتيه الصغـيرتين  حـينا آخـر . . حاملة

أصابع يـده ريشـة وكأنه يـريـد نسخ  شجـرة والـده على هذه الورقـة 

و بجانبه بعض الأقلام و الأصباغ و قصاصات أوراق . .

ما الذي تفعله في هذا المكان يا ولـدي . .؟

دون أن يرفع رأسه عـن الورقـة يخاطبها : إنني منشغـل بالرسم . .

أهذا الظرف تـراه يسمح بممارسـة مثل هذه الفنـون . .؟

لا تخافي ماما إنني أرسم حلم البراءة الفلسطـينية . .

حلم . .؟  أي حلم يراودنا وسط عـدو غاشـم لا يفـقـه إلا لغـات الموت

والنار والدمار. . ؟

وحدها الحدائـق المزروعـة ببصمات الدماء تشكل طريقا إلى حدائـق

أمل كل المعـذبـين فوق أرضـنا ، وحدق في الرسم الذي أوشك على

نهايته . . أنظري ماما . . ما رأيك . . ؟

تطلعـت إليه بنظـرات سادرة : أعـرف أنك كنت تهـوى الرسم

بالمدرسـة  ، لكن منذ متى  تعلمت ممارسـة فنـونـه بهذا الشكل . .؟

منذ وعـيت قضية وطني و أدركت رسالة أبنائه بما فيهم أصدقائي

- 13 -

الأطفال الذين فقـدتهم  الواحد تلـوى الآخـر دون أن يبلغـوا رسالتهم ،

فأردت أن أنـوب عنهم في عرض أحلامنا و آمالنا بهذه الطريقة التي

تـريـن . .

شعـرت بنسمة فـرح تنساب إلى أعماقها الثكلى بالآلام . . إغـرورقـت

عـيناها دمـوعا . . تنهدت  آه ، ما أعظمك يا إبني .. و تحضنـه إلى

صدرها ثم تلتفـت إلى الرسم . . تتمعـن صورة حمامة بيضاء فـوق

تلك الشجـرة و أطفـال يحيطـون بها ماسكـين بأيدي بعضهم البعض

يـمـرحـون . . يتطلعـون ببـراءتهم الحالمة إلى حدائـق بعـيدة عنهم

ولهيب نيـران تمتد ألسنتها إليهم و تحتها إطار كبير يريـد أن يضع

داخله عـنـوان رسالته المرسـومة . .

تغـوص أم السعـد في عمـق الصورة . . تـنـد عنها تنهـيدة أخـرى

لاهـبة . . قـل لي بربك يا إبني : أين ستخـفي هذه الرسالة و نحن

مهـددون بالموت في أي لحظة . .؟

بل هو أملي . . أمل كل الفلسطيـنييـن لا أريد إخفـاءه . . سأبعـثه عـبر

برقية مستعجلة إلى الحكام العـرب . .

الحكام . .؟ العـرب . .؟

آه ، يا إبني كم أرهـقـنا أنفـسـنا بمناجاتهم . . من أمـد طويل و أهل

الضفـة والقطاع ينادون . . يصرخـون . . أينكم يا عـرب . .؟ أينكم يا

مسلمين . . ؟ فلم نسمع إلا عـويـل صمتهم يختـرق الأجـواء . . يشكل

مساحات واسعـة لأصوات القذائف و الرشاشات و يشـيد الطريق أمام

المدافع و الجرافات . . ستصلهم برقيتك . . سـيتأملـون رسمك . .

- 14 -

سيفكـون ألغاز صورها ، لكنهم سـينـددون في صمت . . سـيتحاورون

في صمت . .

هذه الرسـالـة يا أمي هي وصـيـة أصدقائي الأطفال لا أتـراجع في

عرضها أمام العـرب و المـسلمـين و إن ظلـوا ساكـتين . .

تهم أم السعـد إلى الصمت ثم تنظر إلى الرسم رافعة يداها تدعـو رب

العـزة أن ينقـذ شعـب فلسطين و تـزهـر أحلام البراءة بمسرى

الرسول الأمـين . .

                                                فـرنـدة في أفـريـل 2002

التعليقات مغلقة.