السرد العنقودي و رحلة البحث عن العالم الممكن
حوارية المرجع و الدال
الأستاذ : اليامين بن تومي ·
( الجزء الاول)
تعتمد الرواية· ترتيب الخراب الذي يسكن العالم الطبيعي ،نوعا من إخصاب المحكي ،مسافة للحلم ،و أخرى للبحث في اللاتجانس بين عالم مرجعي/الواقع و آخر دال منفتح على الحركة ،حيث يتوسع الفضاء و يأخذ أشكالا إلغازية تارة و أبعادا ضيقة تارة أخرى ، لا وجه واحد للفضاء فهو أوجه متعددة، مسكونة بالانفتاح و الضيق من جهة المجال. لكن أن تلعب الرواية على تقنية الفضاء الذي يحيلك على فضاء آخر أكثر ضيق حيث تكثر الوضعيات السردية التي يتخذها السارد نتيجة تغيير الأدوار الساردة ذاتها فتتسع الدائرة من جهة الوضعيات السردية .وتتعقد العلاقة من جهة أخرى ،تحتاج إلى شبكة مفاهيمية موسعة لفهم طبيعة الحركة التي يتخذها السارد في النص حيث يصبح الكاتب جزء من تقنية لعب الأدوار ،هنا فقط تتماوت فكرة المؤلف التي بات يروج لها عديد الدارسين فيما يشبه المسلمة النظرية وهي نوع من الممضُوغات النظرية بدافع منفعي على مستوى النظرية السردية لِلَعْكِهَا ،و لعل هذا ما جعل ناقدا من طراز عبد الفتاح كليطو يرفض هذه الوضعية القرائية للنص .و يبدو من وجهة نطره أن هناك علاجا تسطيحا لمسألة موت المؤلف ذلك أن النقد المعاصر قام على إخلال وظيفي نتج عنه إسقاط النص الشفوي على النص المكتوب ،حيث لا يمكننا نسبة النص الشفوي إلى سند في الغالب أما النص المكتوب فهو ذو نسبة أكيدة و يعبر عن تلك العلاقة :”بأرستقراطية المكتوب و ديموقراطية الشفوي “[1].
مع رواية الحالم نجد أن سمير قسيمي أعادنا إلى ذلك النقاش من نسبة النص لمؤلفه وتجاوز الترف البنيوي الذي جعل النص صنما معزولا عن أي ميتافيزيقا حيث تعتمد الرواية اللعب على النسبة وهو مقولة ثقافية مهمة تشتغل على طول الرواية ،حيث يتماوت النص في بداية على منع أنطولوجي نتيجة الاقلاب لإثارة المتلقي بين عدد من المثيرات التنبيهية و الإغرائية لكن سرعان ما يستفيق القاريء على وهم النسبة إلى تعديل في وضعية السارد من كونه “ريماس ايمي ساك ” إلى ” سمير قسيمي” .تلك الوضعية الإقلابية ركزت الغياب في النسبة إلى تحقيقها في الضرورة .
و هنا يعيد سمير قسيمي ترتيب تجربته الروائية قاطبة و يشتغل على اللغة حيث يولد التسريد لعبة الاحتمال و البحث عن مرجع ما في الفضاء ،إننا أمام نص معقد ومتشابك ،نص رحالة في أمكنة المدينة المختلفة ،نص لمواطن عارف بأمزجة المكان بانفتاحه و انغلاقه ، نص متعدد يشبه اللعبة الروسية عن الصندوق الكبير الذي يختزن داخله صناديق كثيرة .
تبدو الرواية ؛رواية سياحية في الأزقة والحواري و المقاهي إنه بحث عن مكان محتمل هو في الغالب مكان استذكاري ،عملت النوستالجيا على إشباعه حد التخمة تحول مع التسريد إلى غائر في الدلالة ،مكان صنعته المخيلة المشبعة بالاستعارات و الكنايات ،فضاء من الاسمية المفقودة ،لا محددة و أمكنة لا معينة نوع من الغنوصية اللامتناهية في الدلالة ،لا مرجع محدد سوى الدال العائم على سطح الحكاية .
مع سمير قسيمي تجاوزت الرواية الجزائرية إحراجاتها البنيوية و الايديولوجية حيث تصبح اللغة بيت الحكاية و بيت اللغز ،تشبه المتاهة الهرمسية حين تضيع الرسالة في البحث عن عالم هو في الأصل مفترض ،تأتي الكتابة في شخص “ريماس ايمي ساك ” لتنقذ العالم من الفوضي و الغرابة لتصنع علاماتها التي يهتدي بها القاريء للتعرف ،نوع من كشف المخبوء داخل الرواية .
الرواية سياحية بمعنى مدهش حيث تعرفك على شوارع و ازقة العاصمة في غير تحديد فكلها عالمنا الخاص و لكن ريماس ايمي ساك لا يوجد إلا في اللغة ،لعبة التحويل التي تجعل القناع يشتغل بحماسة لدرجة أن سمير قسيمي يتماهي مع لعبة الدور التي يتخذها “ريماس ايمي ساك” الذي يمثل سيميائيا “سمير قسيمي” نوع من تدمير الكينونة ،حيث الذات مجالا للحكاية ،تنقلب السيرة الذاتية إلى نوع من الحكاية المتراكبة التي تعبر و لا تعبر عن الذات .نوع من التلاؤم و اللاتلاؤم يتحرك السرد بانتاجه منعطفات وتحولات في بناء الشخصية من الذات الإشارية المفضية على خارج السياق النصي إلى الذات الساردة /المؤلف النسبة في المرجع ؛سمير قسيمي .
إن الرواية تشدنا فيها عبقرية عالمين ؛حقيقي عالم سمير قسيمي و متخيل ريماس ايمي ساك و منهما تشتغل العوامل المكنة لتستعير بنية حكواتية متخارجة من عالم مرجعي خارج السياق النصي و عوالم متخيلة نتيجة دخول الإطار العام للحكاية إلى الوضعية بين عالمين وهنا تضيع الحدود في اللاتحديد و تأسس جمالية مثيرة عن أي عالم يتحدث السارد .حيث الإطار العام للحكاية لم يكن حكاية ” الحالم ” هي قصة في الحكاية الإطار ” الثلاثون ” وهي حكاية نصية تنفتح على مجموعة من الحكايات تتشابك فيما بينها في شكل سرد عنقودي حيث تقودك كل قصة أن تنفتح داخلها قصص جزئية .حيث تمضي الرواية في حالة تنكير مقصودة في رحالة البحث عن عالم ممكن هو في الأصل محتمل فقط لا وجود لنقطة ثبات واحدة و لا حكاية واحدة و تتشابك المسرودات في تسارع لا يمكن فيه أن تمسك بخيوط الحكاية إن لم تقرأ الرواية قراءة بحثية حيث تسجل الأحداث و التراكمات على ورقة جانبية لتفهم لعبة الرواية .ويمكن أن نسم هذا الأثر كما قال امبرطو ايكو بالأثر المفتوح وهو انفتاح داخلي وخارجي .
الرواية “الحالم ” مثقفة جدا مشبعة بأسماء الكتاب والروايات تنم عن مرجعية لا محدودة لمنطلقات السارد الذي ينحت سرديته في تناص عجيب مع النصوص الكثيرة من الأدب العالمي تعطي رؤية عميقة عن العالم الترندستالي /الميتافيزيقي الذي ينهل منه الروائي ،استطاعت الرواية من خلال كثرة الإحالات أن تبني لها جنسية خاصة ما يمكن أن أسميه “الرواية الأكاديمية ” من جراء الإحالات الدقيقة المختلفة التي تتوزع بشكل موضوعاتي على مستوي الرواية .إنها نص منفتح خارجيا على النصوص و داخليا على الحكايات الصغيرة الموجبة لوصل الحكاية الإطار .
في الأثر المفتوح :
ويعتبر كتاب “الأثر المفتوح ” L’ouvre ouverteفي بدايته كما يقرر المترجم انه كان عبارة عن مقال في المداخلة التي قدمها في ” المؤتمر العلمي الثامن عشر للفلسفة عام 1959و التي كانت حول مشكلة الأثر المفتوح وقد كانت هذه المداخلة بمثابة البذرة التي تشكل كتاب الأثر المفتوح “[2] ومع أن عمل ايكو يقتصر هنا تقصيه عوالم روايات جيمس جويس إلا انه وسع المفهوم الانفتاح على حقول معرفية كثيرة كالموسيقي و الفنون التشكلية و التلفزيون و الأزياء وغيرها مما يكشف عن الحراك الدينامي لمفهوم الانفتاح الذي طوره ايكو في كتابه المذكور ، وهنا نطرح تساؤلا منهجيا الأثر المفتوح باتجاه من ؟ إنه انفتاح باتجاه القارئ ليعيد بناء الجوانب اللامنظورة في النص ،ملأ شقوقه و فراغته من خلال ترتيب عوالمه .
و هنا وجب -في تصوره -ربط العقل بالفضاء الأول باعتباره آلة التمييز و الوضع و الاصطلاح ، و الثاني ؛ بوصفه الوجود المادي .و الوضع الترابطي يعكس العلاقة الجدلية حول أولية العلامة؟ لعل البحث في هذه العلاقة يفضي إلى كون العلامة ذات طبيعة خلافية جدلية لا تنتج قيمتها المعرفية في المحصلة إلا في البعد التواصلي هذا البعد الذي أعطى قيمة على معنى وجود الإنسان بعد الدور الذي لعبته المسارات الكبرى للتفلسف الغربي ،والتي رمت بالإنسان إلى أحضان الأداتية و التي أفرغته من محتواه الدلالي. و يتم هنا ربط السرد بالعوالم الممكنة .
من خلال هدا الربط تتحدد العوالم الممكنة في كونها علامات تحمل معاني لا متناهية فيما يقوله امبرتو إيكو :” إنها تحاول أن تفسر العالم كأنه كتاب و تفسر الكتب كأنها عوالم “
· La sémiosis hermétique , dès le début s’est manifestée a deux niveaux interprétation du monde comme livre et interprétation des livres comme monde »[3]“
· إن العالم/العلامة بهذا التحديد ينزع إلى كونه لا يختلف كثيرا عن المسرودات ذلك أن السرد لا حصر فهو لا نهائي و بالتالي :”فهو حاضر في كل الأزمنة و في كل الأمكنة و في كل المجتمعات ، السرد بدأ مع تاريخ البشرية ذاته…”
· Le récit est présent dans tous les temps , dans tous les lieux , dans toutes les sociétés , les récit commence avec l’histoire même de l’humanité …[4] “
· و لما يكون العالم هو النص السردي المفتوح كما يقول إيكو”الأثر المفتوح” l’ouvre ouverte ذلك أن: “مفهوم الانفتاح له علاقة بالمؤول الذي يستهلك الأثر أو النص أو الخطاب “[5]
· و التأويل ينطلق أساسا من العلامات التي تسبح فوق المسطح للنص و القارئ يعمل على ملأ الفجوات أو إنطاق المسكوت ، ذلك أن العلامة هي الفعل التأويلي للعالم ، هذا الفعل يشد الإنتباه إلى موضوع ليصبح علامة تحيل على موضوع و هكذا لا نهائية من العلامات…”[6].
فمفهوم العلامة عند بورس ينبثق من المعنى المحدد آنفا للسيميوزيس الذي يعني عنده فعل العلامة. la sémiosis ou l’action du signe
و عليه فإن فعل العلامة l’action du signe هو الجامع المحدد لصيغة ثلاثية عند فلسفة بورس للعلامة: الممثل ، الموضوع ، المؤول ب :”و هذه هي العلاقة الثلاثية الأصلية (…) و أي شيء يحدد شيئا آخر هو (مؤولة) بحيث إن المؤول يحيل إلى موضوع و هذا الموضوع يحيل بدوره إلى آخر بنفس الطريقة، أي أن المؤول أصبح هو نفسه علامة و هكذا إلى ما لا نهاية”[7]
و عليه :” فإن النص الأدبي المفتوح يمنح متلقيه نفس القدر من الحرية أو أقل منه قليلا لتتمكن من التموقع في وسط شبكة من العلاقات النصية “[8] أي أن العلاقة مؤلف/نص صارت رؤية تقليدية لا تفي حاجتنا في تفسير العلاقات الدينامية النصية ، وهي رؤية تصادر إرادة القاريء في إعادة إنتاج النص لذلك أصبحت معادلة قارئ /نص هي المعادلات التي تنفتح فيها الدلالة على أكثر الاحتمالات المعنمية و الدينامية لإعادة بناء سيناريو أمثل للنص فيلج النص مرحلة إعادة تأويل المعطيات الموسوعية له بإعادة قرائته انطلاقا من البني السوسيو ثقافية المخزونة في النص .
لذلك يقدم ايكو لكتابه ” الأثر المفتوح “بمقدمة نظرية محكمة ومعقدة في آن تشرح مفهوم الأثر المفتوح .ومن ثمة شعرية الانفتاح وهي عنده تلك التي تعطي :” أهمية لأفعال الحرية الواعية عند المؤول و أن تجعل منه المركز الفعال لشبكة لا تنتهي من العلاقات ” [9]أي أن النص يكون في اتجاه التعدد اللانهائي للقراءة ، هنا ينسف ايكو المعني الحاف / الأصلي الذي بني على نظرية قصد المؤلف ففي في تصوره كل نص يختزن داخله عددا لا نهائيا من الفراغات تحتاج إلى إعادة ملأ ليدخل النص في حالة من الدينامية اللاتناهية .
فالقصود عملية يحورها القاريء لأفقه هو /أفق القراءة الذي يبين علاقة النص على عالم جديد /تحديد خارج المعني الحرفي له .واعتبار القاريء لمنظور معين في النص لتدعيم شبكة قرائية في شقها الايديولوجي التي يفترضها القاريء فهو يكشف زاوية من النص تخدم رؤيته ومصالحه يقول :”و القاريء يعرف كل جملة و كل شخصية تخفي دلالة متعددة الأشكال يتحتم اكتشافها وهو يختار حسب حالته الذهنية المفتاح الأفضل بالنسبة إليه و يستخدم الأثر بشكل يمكن أن يكون مختلفا عن الشكل المتبع أثناء قراءة سابقة ” [10]إلى أن يقول :” إنه نظام الأثر الفني يلتبس مع نظام المجتمع الامبراطوري و الثيوقراطي و القوانين التي تنتظم القراءة هي القوانين ذاتها للحكم الذي يقود الانسان في جميع أفعاله من خلال تسطيره الأهداف التي ينبغي أن يصل إليها وتقديم الوسائل للوصول إلى ذلك “[11]
بمعني أنه المفهوم التقليدي عن الأثر الأدبي باعتباره وحدة مادية مغلقة على معناها لم يعد لها أهمية في النقد المعاصر ، بل صار النص سرا نحاول كشفه وتعريته و البحث في شقوقه الرفيعة اللامنظورة ومن ثمة البحث في بياضاته .
وهنا نجد امبرطو ايكو قد حلل مفهوم الأثر المفتوح بناء على تقصيه لمفهوم آخر وهو الغموض لذلك نجده يطرح تساؤلا جوهريا ” هل حقا يملك المؤلف قصدية رمزية وميلا نحو الغموض ” [12]انطلاقا من القاعدة التي بول فاليري عندما قال :” لا يوجد معني حقيقي لذلك تناول تيندال أن الأثر الأدبي :” هو جهاز يستطيع كل شخص منا أن يستخدمه كما يحلو له إن هذا النمط من النقد يري أنه الأثر الأدبي يشكل تتابعا ممكنا من الانفاتاحات و احتياطات لا ينفذ الدلالات و في نفس الاتجاه تسير الأعمال الذي تدور حول بنية الاستعارة و حول أنواع الغموض المختلفة التي يمنحها الخطاب الشعري “[13]و لعلنا نفسر كل هذا مقولة مالارميه التي ذكرها امبرطو ايكو ” إن الكتاب لا يبدأ و لا ينتهي أكثر من ذلك فإنه يبدو كذلك ” [14]و الأثر يتحرك نحو القاريء و ليس باتجاه المؤلف ، فالأفق الجديد هو الذي يرسم عناصر التحول في الأثر انطلاقا من تفجير البني الممركزة في النص و تأويل العناصر و العلامات الرمزية الكامنة فيه المنفتحة على العالم .
- رواية الحالم موضوع البحث ،سمير قسيمي ،الحالم ،منشورات الاختلاف /الدار العربية للعلوم الجزائر / بيروت ، ناشرون .الطبعة الأولى 2012. ·
-عبد الفتاح كليطو ،الأدب والغرابة . ص : 97، 98.[1]
ص: 17._امبرطو ايكو ، الأثر المفتوح ، ترجمة عبد الرحمان بوعلي ، دار الحوار للنشر والتوزيع ،دمشق الطبعة الثانية 2001[2]
[3]-umberto eco ; les limites de l’interprétation .édition trasset 1992.page : 125.
[4] -roland barth ; l’aventure sémiologique , édition du seuil paris page :167.
-امبرطو ايكو ، الأثر المفتوح ، ترجمة : عبد الرحمان بوعلي ، دار الحوار سوريا .ص :8.[5]
[6]-charles.s.peirce ; écrit sur le signe , edition du seuil paris , page : 126.
-أحمد يوسف ، العلامات الواصفة .ص:56.[7]
_ايكو ، الأثر المفتوح . ص : 9.[8]
__المرجع نفسه . ص: 17 .[9]
_المرجع نفسه . ص: 19.[10]
_المرجع نفسه . ص: 20.[11]
_المرجع نفسه .ص:23.[12]
_ المرجع نفسه .ص:24.[13]
_ المرجع نفسه .ص:29.[14]




