ووعي القاريء هو الكفيل بإخراج كل تلك المضمرات و النظر في تلك المنظورات وعليه فالأثر المفتوح في الدرس النقدي على مستويين :
ــ إنتاج الأثر /المؤلف /انفتاح داخلي مشروط .
ــإعادة إنتاج الأثر /القراءة /سلسلة لا متناهية من القراءة ؛انفتاح كلي .
و بحسب ايكو لم يصل مفهوم الانفتاح إلى الحيز النظري المناسب إلا مع انبثاق المذهب الرمزي و أفول المذهب الرومنسي ، و لقد طور ايكو مفهوم الأثر المفتوح بناء على النقاشات الجمالية التي فتحتها جمالية التلقي أو ما يسمي علم تداول النص .
ولم يتوقف ايكو عند هذا الحد فقد فتح في كتابه بعدا جديدا عن الأثر المتحولة أو المفتوحة باتجاه نشاط تعاضدي دؤوب ، حيث انتفح أكثر و بعمق على عديد الاتجاهات السيميائية من خلال تحصيله لفهم دقيق بنظرية غريماس في تقص الدلالة و تدقيقات بيرس حول دينامية التأويل .
و لقد قدم لنا في كل ذلك فروض نظرية محكمة حيث عرض لمختلف الاتجاهات السيميائية السائدة و التطور الذي عرفته اللسانيات عموما من الاهتمام الذي كان مركزا حول الجملة إلى الاهتمام الذي تركز حول الخطاب ، لكون الأخير يهتم بالمقول او التلفظ أي الظروف التي تم فيها القول يقول :” لقد ارتسم منحيان في السيميائيات النصية ونموها المطرد و لسوف نحددها باعتبارهما نظريتين تسودان إلى الجيل الأول و الثاني ، إلا أن تحديدنا هذا لن يكون تسلسلا فالجيل الأول بحسبنا هو الذي كان متطرفا ومجادلا عنيفا ضد لسانية الجملة أما الجيل الثاني فهو جهد على العكس في أن يصهر وجهتي النظر صهرا حذقا وذلك حين راح يمد جسورا بين دراسة اللغة باعتبارها سيستاما مبنيا يتقدم التفعيلات الخطابية و بين دراسة أنواع الخطابات أو النصوص باعتبارها نتاج لغة تم التكلم بها أوهي قيد التكلم بها ” [1]لقد اهتم ايكو في كتابه القاريء في الحكاية بمقولات الجيل الثاني لأن الطرح النظري الذي يريد بناءه هو ايجاد علم التداول النصي أو جمالية التلقي .
ويحاول ايكو من خلال عدته النظرية : النص والموسوعة أن يحدد سمة لازمة بالنص من كونه معطي كسول يتطلب من القاريء تعضيدا من خلال ملأ البياضات نتيجة للخزين الدلالي الذي يحتفظ به المقابليات ،و ذلك حسب الإطار السيناريو الذي تم استعماله أو ايراد للتعبير عن الحاجة .
و لقد احتكم في بناء تصوره هذا في بيان اشكالية التعضيد التأويلي على مقاربة بيرس السيميائية بالإضافة إلى بناء تصور للعوالم الممكنة بالمفهوم السيميائي ، يعتبر ايكو بيرس أحد منظري الجيل الثاني ،و بين لنا نموذج بيرس التأويلي وحركة التعضيد مرتبطة أساسا بأشكال التأويل الانهائي وهي سيرورة لامتناهية من العلامات يقول ” عن العلامة هي الشيء ما بإزاء الفكرة التي تنتجها و تحول فيها …” [2]فالعلامة ليست ” وحدة مغلقة فالعلامة أصلا حالة ظرفية لحظة في نسق لا متناهي من الاستعمالات للفكر ” و العلامات لا يكون لها لها معني إلا داخل ” أكوان السيميوز في ملفوظات و اثباتات و أوامر و تساؤلات وتنتظم الملفوظات في نصوص أي ضمن خطاب ” فالدينامية السيميائية هي التي ترتكز أساسا على دراسة حياة السيميوز هذا الأخير الذي يعد فعل العلامة كما يقول بيرس .
في تفجير العلبة السوداء:
ترتكز الأرضية السردية على معامل مسردية منفتحة من التعضيدات التأويلية لعتبات الكتابة وهي عتبات توجيهية على مستوى الرواية تشبه الترميزات التي تلعبها إشارات المرور في الحياة العامة .حيث تكثر الحوارات المباشرة من قبيل “س” و “ج” التي لا تكشف عن موضوع ممكن بقدر ما تساعد القاريء الافتراضي على التعرف هذا الأخير مشوب بالحذر،و اللعب على الرموز و الفوضى حيث تتناسل الحكايات في حلقات عنقودية لا متناهية و تدميرية للحدث الأول مكا تكاد تنتهي حكاية حتى تبدا اخرى ،فالسرد هنا أقرب إلى الأحجية القديمة عن الصندوق الكبيرة الذي يختزن داخله صناديق صغيررة تأخذ في الضيق ،كلما فتحت صندوقا أغراك على فتح آخرين حلقة لا متناهية من التسارد الذي يشعر القاريء أنه في عملية اكتشاف وتجوال جميل نوع من المغامرة التي يكثر فيها التنافس بين سارد ذكي وقاريء متعرف يبني ذكاءه لعبة معقدة من بناء العالم و ترتيب الخراب الذي يرسمه اللامتناهي السردي .
مع سمير قسيمي تصبح الكتابة عبارة عن رحلة متعددة في عالم المرجع ،البحث عن نقطة متناهية للحكي حيث المكان الأصل ،العود الأبدي على المكان المحتمل ،أرض متحركة لا تهدأ و لا ستقر كلما تقترب تزداد بعدا نوع من الترحال الصوفي في عالم يعج بصور المعشوق إنه البحث عن عالم منفتح ومحتمل موجود في العالم و بعيد عنه داخلي وخارجي قريب ويعبد ،منظم وغائر ،فاقد لسمة التحديد و التعيين متلاشي سرعان ما يحجب .
فالحق لقد اعادني سمير قسيمي إلى ذلك السؤال المرجعي ما معني أن تكتب رواية بهذه الطريقة ؟رواية لا خطية هي ما أسميه “السرد العنقودي،حيث تتماوج الأصوات وتكثر التلازمات الدليلية التي تربط بعالم محتمل و غير محتمل ،تلك الكتابة العالمة التي تجرب الكتابة على محك جديد ،نشيد هنا بعبقرية الكتابة هنا في رواية الحالم ،تنفصل العلاقات الرمزية بين الكتابة ومرجعها حيث يسيطر المتخيل في الايهام و اللاتحديد نوعا من السيمولاكر و الأطياف ،حيث تمضي الرحلة في البحث عن طيف “ريماس ايمي ساك” ،عبقرية السارد هنا معضودة بأدلتها من خلال تعبيرها عن حالات العمران الجزائري المتسم بالضيق حيث الأزقة و الحواري ،حيث البحث عن مقهي “الثلاثين ” فليس من السهل في الجزائر ان تتخلص من شهوة التاريخ و الثورة .
يعد سمير قسيمي من الأسماء الناضجة فنيا و التي استطاعت أن تتخلص من هذه الحتمية و استطاع أن يشق طريقا صعبا في مسألتين :
- فهو في منظوري أكثر الكتاب الجزائريين كتب ما أسميه بالرواية السياحية حيث تمضي رواية في شوارع العاصمة و أزقتها و حواوري العتيقة .وتعتبر رواياته بمثابة الكتاب السياحي الذي يعرفك بالأماكن الداخلية و العميقة لمدينة الجزائر .
- هي تجربة استطاعت أن تتخلص من مركزية الثورة ليكتب رواية إنسانية بمعانيها الدقيقة حيث ركز على الهامش بشكل كبير ،تجاوز رمزية أدب المؤسسة في شكليها التاريخي و السياسي/الايديولوجي ،فرواية تعج بالجو العاصمي الآني .
- هي رواية تصحح مسار الكتابة داخل اللغة ليست رواية تعتمد السردية الكبري بقدر ما هي رواية تبني تيمة “الدنيوة” من خلال تقديس للأني و اللحظوي والهامشي /الضواحي رواية تعبر عن نقلة في التجريب حداثية بوجه أرضي ليس استيهامي إلا في شق بناء عالم احتمالي من جهة التسريد ,يؤسس لمشروعية الحلم داخل اللغة ذاتها ابحار في السير الذاتي للاسم و ليس للذات وهناك فرق بين أن تكتب سيرة ذاتية و أن تكتب سيرة للاسم من سمير قسيمي الخارج نصي إلى “ريماس ايمي ساك” النص المتدافع في الخطاب السردي فهو يؤسس لنوع من السرد المفتوح.
- النص زاخر بالعتبات التوجيهية حيث يبدأ بعتبة الوقوف عند الزمن الإضافي الذي رسمه مخطوط الدكتور “كمال رزوق” وهو مخطوط شكل نقطة الحدث الأولى لأنه شكل خروجا مزدوجا بالنسبة للسارد خروج عند الدكتور كمال رزوق الذي ترك مخطوطا يتقاسم المشهد مع رواية السارد و لكنه بحثه في المفقود حيث تندثر المعالم نوع من الاستيهام الذي تمارسه الكتابة وهو وقت إضافي فقط للبحث عن بداية خارج الزمن السلطوي ،خارج الزمن التاريخي ،إنه زمن مجنون مشتت حيث لازمن “وضع المخطوط ثم رحل” ليجد له حضورا في شخصيات أخرى في ذات السارد حيث حصل توافق بين السارد المريض و الوقوف يبدأ بتحذير ابتدائي شكل احترازا سرديا مثخنا بالدلالة حيث يقول الكاتب”من حق القاريء أن يعلم أني في هذا العالم لم أكن محررا للقصة وقعت بالفعل” لتبدا مساحة التخييل في العتبة التوجيهية ذاتها لنجد أن الدكتور كمال رزوق وضع في يديه المخطوط ثم غادر وهنا تضع الجملة التوجيهية مسافة لترتيب حدث غير متوقع حيث يجد السارد توافقا بين ما يكتبه و ما قرأه في المخطوط نوع من فتح أزرار اللعبة السوداء ،وهو أول كلافيكس أو مفتاح للولوج إلى عالم الرواية .وهنا حصل الإنحراف التخييلي الأول حيث بدل قراءة النص بدأ يشتغل الإطار الخارج النصي من خلال تيمة البحث عن الدكتور كمال رزوق الذي نكتشف انه في النهاية مجرد شخصية مفترضة في عالم يعج بالإفتراض .و البحث مزدوج حقيقي و متخيل و الثاني بحث سردي داخلي وليس خارجي حيث تكثر الأدلة التبريرية لرحلة البحث في المعنى من خلال العلامات التوجيهية للقاريء في تصور عالم معين يتماوج بين الحقيقة و الإحتمال لكنه في النهاية ينتهي إلى عالم في حالة البناء لا ينتهي .
و يدخلنا السارد في تلك الاحتمالية التي تسلط طريقا بين اللعب الايهامي المتركز في النقابلات و اللعب على الشبيه الموجود بين السارد و الكاتب وهي علاقة معقدة ليدخل التسريد حالة البحث في السمة التصنيفية للطبيب من أنه طبيب في الأمراض العقلية مما يحقق تلازما بين الجنون و الحلم وهو تلازم مبدئي فالحالم لا يستقر على أرض الواقع فهو دائما محلق في سماء الدلالة الممكنة عالم يفقد سمات الطول و العرض و الحد ،عالم أقرب يعبر عن حالة الانفصال بين الكاتب و السارد تلك النقلة عن الأرض لتأسيس للهروب نحو عالم محتمل ،إعادة بناء النقص الموجودة في قصة “الثلاثون” و تأثيثها من خلال الحلم كحالة تستقر في اللامكان.
فالحالم تعبر عن استمرارية في بنية الفعل ذاته في تراكميته ضمن الأشكال القصصية التي تعتمد الغرائبية و العجائبية حول روايات “ريماس ايمي ساك ” المتخيلة ،فالحالم لامنظور فهو متعدد ومختلف لكنه مبني في الجنون حيث الانشطار عن الذات ،حيث العقل أكبر رقيب للذات و أكبر معتقل سجن فيه الإرادة و الرحلة نحو عالم أكثر تعانقا عالم مندثر لذلك تبحث الرواية عن عالم محتمل من خلال الزمن الضائع بين العقل و الجنون بين طبيب الأمراض العقلية و سمير قسيمي الذي تحول بقدر عجيب إلى فاعل في الرواية ،فالراوي هنا ليس سمير قسيمي بل هو مخطوط الطبيب كمال رزوق ونسب إليه على غلبة الشبيه نسب له على وجه الاحتمال وهو مريض في مستشفي الأمراض العقلية لرانز فانون لتعلب الدلالة طريق التشابه ،ليبدأ القتل المضاعف للأنا ،نوع من الإنفصال المجهد حين تنزع منك ذاتك لتصبح غيرك.تعبر عنك بالآخر أن تكون آخر بإرادتك لتبحث فيك بشكل آخر ليتحول “سمير قسيمي” إلى “ريماس ايمي ساك”وتبدا رحلة البحث تلك في شكل إبداعي متفرد للعلامة التي تنتقل عبر الذكريات و الأمكنة تصنع عالما من المخايلة ،حيث تصبح الحقيقة “ريماس ايمي ساك” و السارد الحقيقي مجرد تابع /طيف عابر مجرد وشم على جسد السرد.هو نفسه السؤال الذي طرحته على الطبيب حين أخبرني أن المريض يسمي ريماس قلت له كيف يمكن أن يحمل مثل هذا الاسم و سحنته جزائري وحين قال لي أن الأمر محتمل ” فالاسم هنا شكل قطيعة مضاعفة ليس مع الأصل في التمييز الدلالي بل مع المرجعية باعتبارها التاريخي حين فكر “ريماس ايمي ساك” وهو جالس على مكتبه الخشبي في أن يحاول هذا اليوم فعل شيء و لم يفعل من قبل .فاليوم هو الناتج من نوفمبر و إن بدا شاحبا بسبب الجو الثقيل خارجا ،يستحق أن يبتكر لأجله طقوسا جديدة غير تلك التي اعتاد عليها “
و لم يلج سرد تدويرا وصفيا /ميتالغوي عند شخصية المرسل الذي توفيت زوجته وغادرته ابنته الوحيدة ليبقى وحده في شقته في عزلة تامة ،غنه بداية التأسيس للجنون ليصل إلى النتيجة المدمرة أن “ريماس ايمي ساك” ماهي إلا تقليب لـ “سمير قسيمي” بحث في هوية الاسمية للمعنى حيث لا يتحدد المعنى إلا في حالة بحث مضنية في الخرائط و المساحة و المكان في دهاليز حارات العاصمة عند مقهى 33 “ذلك الرقم الملغز .
فالرواية تمضي في حالة تفكيك للبنة النووية “ريماس ايمي ساك” وما يدور في قضاءه نوع خلخلة الفضاء من خلال زعزعة الأثر و العلامة و المؤشر ،فالسرد العنقودي هنا مدمر للوحدة و التجانس حيث الاتساق علامة معلقة في حالة إرجاء .
_امبرطو ايكو ، القاريء في الحكاية ؛ التعاضد التأويلي في النصوص الحكائية . ترجمة انطوان أبو زيد ، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء بيروت ، الطبعة الأولي 1996. ص: 15.[1]
_ المرجع السابق . ص : 31. [2]
الأستاذ : اليامين بن تومي




