“تحتاج رواية الحالم في قراءتها إلى نوع من التركيز”..
تكاد جميع القراءات المتناولة رواية الحالم لصاحبها سمير قسيمي “منشورات الاختلاف- العربية للعلوم ناشرون 2012″ أن تشترك في هذه الجملة، وهي ملاحظة فرضها النص والروائي بأسلوبه الملتوي وسرده المربك، العنقودي على حد تعبير الدكتور ليامين بن تومي، أو العنكبوتي كما وصفته قراءة باسم سليمان ودراسة المفكر محمد شوقي الزين، فرغم أن القراءات المنشورة إلى حد الساعة عن “الحالم” خامس أعمال الروائي سمير قسيمي، حاولت إلقاء بعض الضوء على هذا النص المدهش في سبيل قراءة أكثر وضوح له، إلا أنها لم تلج إلى مرجعية الكتابة لدي قسيمي الذي بسبب تغييره من أساليبه من عمل إلى آخر، تبدو غير واضحة بجلاء، واعتقادي أن دخول العالم السردي للكاتب خاصة في هذا العمل يحتاج أولا إلى تفتيته، وهو العمل الموصوف بالضخامة ورقيا وأيضا من حيث الأثر الذي خلّفه ولا يزال يخلفه بعد كل قراءة، فالمدهش في هذه الرواية أنها تجعل القارئ يشعر بدور ما سمح له الكاتب بأدائه غير “التلقي”، فيشارك بطريقة غير واضحة الأساليب في لعب دور فيها، وهي الخاصية التي تميز بها أحد أعمال الكاتب السابقة “هلابيل” والتي أشار إليها الكاتب فارس بوحجيلة في قراءته لهذا العمل الذي حظي بظلم النقد على نحو غريب، فهلابيل سمير قسيمي كانت الرواية التي لو حظيت بالمتابعة لاعتُرف بها كرواية-منعرج، لا في مسيرة الرواية الجزائرية فحسب، بل في الرواية العربية.
أعتقد أن “غبن” هلابيل و”غضب” “في عشق امرأة عاقر”، وجرأة “يوم رائع للموت”، تقنية وموضوعا، فتحات الأبواب لـ”الحالم” لتكتب بطريقة لم تشهدها الرواية العربية بنحو أكيد، وإن شئنا الدقة، فقد حاكت التجربة الحداثية في الرواية الأمريكية، محاكاة تمكّن وخلق وليس تأثر وتقليد. وليس من المبالغة في شيء بعد الاطلاع على عما صدر عربيا لحد الآن أن نصرح من دون هامش للخطأ، أنها أقوى نص روائي في هذا الموسم، وليس من باب “مدح من لا يستحق” أن نؤكد على تميز العمل تميزا “ثوريا”، بمعنى أنه هدم المفهوم التقليدي للسارد وغيّر من مفهوم الراوي عبر ما ميز الرواية من سرابية جعلت جميع من يقرأها يطرح نفس السؤال “من يكتب من؟”، سؤال عنون به الكاتب باسم سليمان مقاربته للحالم وتضمنته جميع القراءات والدراسات الأخرى المتناولة لهذه الرواية، غالبا لأن الأخيرة اعتمدت “اللايقين” في مواجهة قارئ افترض فيه الكاتب القدرة على التنبؤ الذي لن يصيبه مهما اجتهد في القراءة لاعتماد الرواية على البناء والهدم في الوقت ذاته.
لأول مرة نقرأ رواية تكتب نفسها، وهي المرة الأولى التي لا نستطيع التمييز فيها بعد كذا قراءة بين الراوي والروائي، أو ما عبر عنه المفكر شوقي الزين بين السيرة الذاتية وسيرة الرواية.
المرآوية التي أجاد الخوض فيها هذا الأخير، لم تكن مرآوية فيزيائية، فالرواية لم تكن تعبيرا ورقيا لانعكاس الأشياء والشخصيات وحتى الأحداث فحسب، بل تمادى الكاتب في قلب كل شيء بما في ذلك المشاعر والأحلام. وما لبث قسيمي بفضل ذلك التحكم المرعب في السرد أن قلب وعكس في نصه جميع قراءاته مرة واحدة وفي دفعة واحدة. فهو لم يكتب في النهاية نصا روائيا ولكنه في المقابل لم يركّب روايات وأساليب وحملها على نصه.. لقد ترك الرواية تكتب نفسها. فقد تحولت في لحظة ما إلى “جنون”، وما البناء الذي تحدث عنه قسيمي في حواراته المختلفة إلا “العقل” الذي منطق به هذا الجنون.
في هذه الرواية أظهر الكاتب قدرة لا مثيل لها في استيعاب الرواية العالمية، وهو استيعاب واع لا علاقة له بالقراءة والإعجاب والانبهار، تماما كما وصف شخصيته “سمير قسيمي” نفسه على لسان سمير قسيمي الراوي في حديث عن سمير قسيمي الروائي في الجزء الأخير من العمل. قد يبدو الأمر عبثيا أن يعمد الكاتب على استنساخ نفسه وتشريحها تشريحا “فيزيائيا” كما جاء في حواراته أو كميا كما هي الحقيقة أو حتى بصريا كما رست عليه دراسة الزين، ما دام الكاتب قد عبر عن نزعته العبثية في أكثر من عمل، لعل أكثرها تجليا “يوم رائع للموت”، والحالم أيضا رواية وجودية بامتياز حتى وإن رفض الكاتب هذا الوصف، فلا يعنينا هنا ما يصرح به ولكن ما يكتب فيه، وظاهر من حيث أحاديثه عن الله والوجود وحتى الخلق أنه كذلك، ولا يعيب هذا الأمر فيه، ما دامت تلك الوجودية قد مكنتنا من نصوص قديرة على غرار الحالم.
رقمية
الولوج إلى عوالم سمير قسيمي في “الحالم” يحتاج في اعتقادي إلى التفرغ في قراءتها، بمعنى أنها رواية تفاصيل، كل تفصيلة مهمة مهما كانت، وهو ولع اشتركت فيه جميع أعماله السابقة ولكنه في “الحالم” يظهر بنحو أكثر شراسة ووحشية، فلا مجال منحه الروائي لقارئه للتمهل، فمنذ المقدمة يقحمه في عوالم رغم عجائبيتها قابلة للتصديق، عوالم لا هي من الواقع ولا هي من الخيال وهي من كليهما في نفس الوقت. هنا تفسيرا للتراكم العجائبي في هذه الرواية، نسوق الحديث إلى الأدب الأمريكو لاتيني، وبالتحديد روايات جورجي أمادو المذكور في النص، فالكرنفالية والسحرية والفانتستيك كلها مقبلات سردية منحت النص تألقا خاصا، يعبق بمحلية ترسو على شواطئ العالمية، كما كان لاستنطاق الموتى والانعكاس في الجزء الأخير “القسم الأول”، تأثيرا واضحا في عملية القراءة وبالأخص تمتين الحبكة إلى أقصاها. لقد جعل قسيمي “الحالم” مخبر تجارب سردية زاوجت الأساليب المعروفة باحترافية أكدتها في الواقع إصداراته المتتالية بواقع رواية كل 8 أشهر، وهي الروايات التي تصنع الحدث في كل مرة، والتي جعلت هذا الروائي الشاب في أربع سنوات فحسب منذ ظهوره ظاهرة روائية أصبح حتى أكبر الروائيين يحسبون لها وينتظرون جديدها الإبداعي. وكما أشرت فإن قراءة الكاتب للأدب العالمي ليست إسفنجية بقدر ما هي “تدويرية- تكريرية” منتجة، يستغل فيها الصدى مبقيا الصوت على جانب، ويمنح الانعكاس وجها لا يحمله الوجه الأصلي، لهذا يجد الناقد صعوبة في اقتفاء الأثر في هذا النص، ما دامت الروائع السردية تقتحمه جميعا من كل جهة وفي نفس الوقت.
هذا الأمر يحيلنا إلى شروحات قدمها الكاتب في حواراته لا سيما حواريه المنشورين، خاصة الأخير مع الشاعر خالد بن صالح الذي كان أول من بادر إلى نشر قراءة بخصوص الحالم في “أخبار الأدب”.
في هذا الحوار بالتحديد يتحدث الكاتب عن الرياضيات والحساب كأحد مفاتيح العمل، في محاولة للإيحاء بأنه كتب “الحالم” وفق منهجية صارمة. أجد أن في هذا التصريح مغالطة، فمنهجية الرواية وإن كانت رياضية في نتيجتها، لم تكن كذلك حين كان الروائي بصدد كتابتها. أجزم أنه كان فوضويا في البداية ولكنه “نظم” فوضاه تلك في النهاية.
أدرك أن لهذا المعنى مفهوما رياضيا أيضا وقد يفاجئنا قسيمي بمنحه تسمية علمية لاحقا ولكنها تبقى فوضى، أما عن سبب عدم حديثه عنها فلأنه قد يعد كشفا لأساليبه في الكتابة وفضحا لجانب من عبقريته التي أصفها بالابتكار الآني، إنه يكتب أحداثا متسلسلة بشخصيات لا يعرف في البداية إلى أين تقوده، ولاحقا يفكر في الأمر ليجد لها مخرجا ما وهكذا دواليك، وهذا ما يبرر استعانته بالسرد العنكبوتي، ولا أعتقد أنه المفضل لديه، بل هو مجرد ورطة يضطر للتعامل معها، فيجد فيها الكاتب نفسه في كل مرة، ولكن متاعه العقلي يجعله يخرج منها دائما بدهاء. دهاء صنعه من خلال قراءاته الكثيرة وأيضا تكوينه الأكاديمي ومن حياته وواقعه أيضا.
ولكن لا بأس هنا أن أشير إلى دهاء من نوع خاص، وهو دهاء حسابي في استعانته بالأرقام. أقصد: 30، 34، 4 وهي على خلاف ما يدعي لا تحمل دلالة بنفسها، بل دلالتها ببعضها البعض، إحالة وتعدي، وبالنص أيضا: لاحظ أن اسم المقهى “ثلاثون” وهو عمر جميلة بوراس بطلة الرواية، وهو نفسه عدد كتابات البطل “ريماس”. ولكن “ثلاثون” أيضا هو: عدد فصول الرواية بجمع فصول كل رواية من روايات الحالم ” ما عنونه أجزاء”، وهو عمر الفترة الزمنية التي غطتها روايته “في عشق امرأة عاقر”، وبقلب الرقم نجد 3 وهو عدد أجزاء العمل، وهي أيضا عدد استنساخات الكاتب لنفسه في نفس الرواية والأدهى وهي “العجائبية” أن عدد شخصيات الرواية بحذف “الاستنساخات” كانت 30 شخصية، لكن الذي يجعل العمل مجنونا بحق هو أن عمله في مجموع كلماته مضاعف لرقم 3 وأيضا لرقم ثلاثون. أعرف ذلك ما دمت ممن اسأمنني الكاتب على قراءة الرواية مخطوطة. والذي جعلني أفكر في الأمر هو أنني قرأت المخطوطة من دون استهلالات، ومن قرأ لسمير قسيمي يدرك أنه لا يستهل أقسام رواياته بمقولات لغيره، لهذا فكرت أن أنظر في عدد كلمات الرواية من غير تلك الاستهلالات فوقعت على هذه النتيجة..
أحدس أن لهذا الرقم “30″ بنفسه أو بمقلوبه “03″ دلالة في حياة سمير قسيمي الحقيقية، وأكاد أجزم أن الكاتب كان ينوي كتابة “الحالم” مباشرة بعد هلابيل أي بعد روايته الثالثة “03″، وما يدعم رأيي أنه ولأول مرة لا يؤرخ لعمل من أعماله بالمكان والتاريخ كما عودنا عليه في أعماله السابقة، كما أن “الحالم” عامت في أجواء “هلابيل” بشكل ما، وتميز جزؤها الأول “مسائل عالقة” بشخصيات هي في الأصل شخصيات “هلابيل”. كما يحدوني الاعتقاد أن ثمة حدثا في حياة سمير قسيمي الشخصية عرفه في سن الثلاثين جعله يقف عند هذا الرقم وقوف تقديس. كل ما أنا متأكد منه أنه توقف عن كتابة الشعر في الثلاثين من العمر، وأنه في الـ34 “رقم آخر” شرع في كتابة أولى رواياته “تصريح بضياع”.. باستثناء ما ذكرت، تبقى الحالم عالما يعج بالغرائبية ليس في سردها ولا موضوعها ولا حتى في أسلوبها فحسب، بل في كل أجوائها..
—————-
شوقي عرجون *أستاذ جامعي/ جامعة المسيلة ( الجزائر)





هاهي قراءة أخرى لرواية دوّخت القارئ المختص وغير المختص..فمن السرد العنكبوتي إلى القراءة الباروكية إلى العجائبية الرقمية,,ولا يزال القارئ يكتشف الكثير من أسرار هذه الرواية اللغز
حقا تستحق التركيز لأنها حقا محكمة الحبكة والأحداث..قراءات تستحق العناء لرواية بحجم الحالم
قراءة متميزة جداً، هنيئا لهذا الصوت النقدي من جامعة المسيلة
عموما معظم القراءات أثنت على الحالم .. و أجادت وصفه بأنّه التغغير الحاصل في الرواية العربية ككل و انّه المنعرج الخطير الذي كان لابد من المرور من خلاله حتى تتخلّص الرواية العربية من كل طقوس ولائها للتقليدي رغم أنّ الحالم فيه بعض الحياد و التجبر إن صحّ القول فيما يخص الثقافة العربية المحضة .. السرد الروائي المتمكّن و التعرجات و الانقطاعات عبر سلسلة من الاحداث خلقت جوا رائعا و مهيبا للنص ككل .. لذلك الحالم هي جزء من الحلم العربي لاكتساح الساحة العالمية أدبيا و حتى فكريا و علميا و فلسفيا ..
كلّ قراءة توحي بالمزيد من التدبرات و الحوارات الداخلية و حتى بعض التقمّص لأجزاء الحالم ..
لما لا … فلنحلم قليلا ..