علاقة قديمة …/ عبد القادر برغوث *
بواسطة مسارب بتاريخ 30 نوفمبر, 2012 في 05:06 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1851.

كان العجوزان الجالسان منذ الصباح يتكلمان بلا انقطاع في عتاب مر ، فلقد تواعدا منذ أكثر من خمسين سنة أن يمارسا الجنس خفية عن الأهل و الناس ،لم يكن و لم تكن تحبه أو ترغب في الزواج به أو مهتمة في تكوين أسرة معه و لكنها رغبة عارمة عالقة منذ أكثر من نصف قرن ،حدث ذلك بالضبط  في قريتهم سنة  1959 لما اختبأ الناس في قبو عسى أن يحميهم  من قصف طائرات الاحتلال الفرنسي لقريتهم الواقعة بأعماق الجزائر السحيق في عملية انتقامية ضد المجاهدين و المقاومين ، لم يكن القبو فسيحا و مكيفا بل كان مجرد جحر مظلم  لتخزين الحبوب ،ومن قبيل الصدف أو تخطيط القدر -ربما- أن وقع وجهه على  جهها و  جسده يلتصق بجسدها التصاقا في البداية لم يعرفا بعضهما بعض و لكن لما سمع صوتها و هي تجيب على نداء أمها و تطمئنها بأنها هنا و بخير ساعتها عرفها من تكون بالضبط  عرفها إنها جميلة ابنة جارهم أما هي على ما يبدو عرفته من الوهلة الأولى رغم أنه لم يتكلم و لم تراه بل تعرفت عليه من خلال تضاريس جسمه القوي الملتصق بها وكانت ورغم هُزالها الشديد وافرة الأنوثة و الشباب لم تنفر منه كما يقتضي الحال في مثل هذه الظروف و لم يقدم هو على شيء جريء سوى مس فخضها البض الذي لم يروعها  و ضع يده العملاقة الخشنة رغم حداثة سنه عليها و ظلا إلى الصباح و هما على هذا الحال يستنشق أنفاسها و تستنشق أنفاسه يرغب فيها و ترغب فيه لم ترعبهما أصوات قنابل الطائرات و لا هديرها الذي يصم الأذان و لا حتى صوت المجنزرات و الاليات الجرار التي أتت بعد ذلك و الذي أسفر في الصباح على حرق قريتهم بالكامل و لكنهما كان الوحيدين في القرية  اللذان لا يبدو عليهما الحزن و هما ينتشلان ما بقيا من بيوتهما المحروقة و منذ ذلك اليوم لم يستطع لا هي و لا هو منع نفسه من التفكير فيها فلقد كان ذلك أول مرة يودعان مرحلة الصبا و المراهقة بضربة واحدة  و يكتشفان جسديهما و أحاسيسهما الشبقية الغريبة الجميلة ،لم يكن يعلم يوما أن ملمس جسد الأنثى في الظلام ورغم الخوف و القنابل و الطائرات له كل هذا التأثير و الفتنة  أما هي و لأول مرة تخضع لكتلة ضخمة ذكرية تفوح بالعرق و الرغبة الطافحة استسلمت له كقطة صغيرة تبحث عن الدفء و الرغبة التي اكتشفتها للتو حتى أنها أنكرت كيف تفاعل جسمها كله مع جسمه صدرها يطلب صدره و فمها يطلب فمه و بضعها يطلب مبضعه .

    أما ثاني مرة التقيا فيها كان بعد خمسة سنوات كاملة إنسحبت فيها فرنسا مذلولة مهزومة من طرف المجاهدين الذي كان أغلبهم إما مزارعين بسطاء أو يشتغلون بالرعي الأغنام لم يصدق يومها أن الفلاحين الفقراء الجاهلين يمكن أن يتغلبوا على فرنسا المثقفة المتمرسة بالحروب و السلاح ،  صار الفتى  فيها شاباً قوياً يشتغل بالزراعة كبقية أهله  و يزاول الصفوف الابتدائية و أن كان يتجاوز الثلاثين من عمره  بعد أن قررت الحكومة الانتقالية حين ذاك أن الجهل هو سبب التخلف .

  مرت الأيام كاد الفتى يهلك من الحزن بعد أن تزوجت فتاته بابن عم لها كما تقتضي التقاليد دائما و لكن كل ذلك كاد يُنسى في فتنة التطهير و الانقلابات التي خاضها المجاهدين ضد بعضهم البعض بوحشية غير مبررة ،و بما أن القُرى كانت دائما من يدفع الثمن غالياً فلم يكن غريبا أن تدفع قريتهم كما دفعت القرى الأخرى و لهذا و جد الأهالي أنفسهم كما كان يفعلون إبان الاحتلال يختبئون بالملاجئ و بما أن الفتى كان قلبه لا يزال يتلهف على فتاته أو جسمها أين كان شعوره  فاقتنص الفرصة  و جلس بالقرب منها بحيث أمكنه أن يلامس جسدها الذي صار الآن بضا مكتنزا باللحم أما هي على ما يبدو  كانت أكثر اشتياقا و حسرة عليه  وما إن شعرت بيده الضخمة تجوب جغرافية جسمها  لم تشعر حتى قبلت يده وذراعه  بشوق و حرقة ثم وضعتها على صدرها ،أما أمها الجالسة غير بعيد و إن كان الظلام دامس إلا أنه لم يخف عليها تفاصيل القصة الصامتة التي بطلتها ابنتها و ذلك الشاب الضخم الذي بإمكانه أن يثير أي أنثى ولهذا هذه المرة كانت في حالة تسمح لها بتفهم أحاسيس أبنتها التي لم تعد بكرا الآن بل متزوجة بمغترب في فرنسا لا يأتي إلا كل صيف محملا بمئات الفرنكات و الهدايا و يقضى الشهور الثلاثة يعوضها فيها ما يمكن تعويضه طبعا الفتاة متفهمة ظروف عمل زوجها ولكنها انفجرت فيه كذا مرة تأنيباً

- يأخي أبحث عن عمل هنا أنا إمرأة و لي أحاسيس لا أستطيع أن أنتظر العام كله و أنا معلقة هكذا ، أشعر أنني عاهرة موسمية .

و لكنها في آخر مرة إحتجت فيها تلقت على جرأتها صفحة  أو عدة صفعات قوية شفيت و يئست فيها تماماً من زوجها  و هذا ما قوى في نظري أحاسيسها اتجاه صاحب اليدين الكبيرتين بل ربما كانت تتمثله و تتخيله معها في كل ليلة باردة.

و في الصباح و كالمرة السابقة خرج المختبيؤن ينقذون ما يمكن إنقاذه بينما العاشقان كانا الأقل حزنا هذا إن لم نقل أنهما فرحين و لهانين.

   أما المرة الثالثة فكانت بعد مرور سنين طويلة جدا أي في منتصف التسعينيات ربما بالضبط عام 1997 و كان عاما أسودا على الجزائر بكل المقاييس فهو عام للفتن و الموت المجاني و كان الناس يقتلون فيه على حسب نواياهم و عواطفهم و بالطبع كان المدنيين هم من يدفع الثمن دائماً، أما شاب الستينيات فلقد صار كهلاً تماما و بما أنه تلقى تعليمًا في زمن كان التعليم فيه شيء نادر جدا فلقد صار موظف سامي في إحدى قطاعات الحساسة في الدولة و سكن في العاصمة و تزوج بامرأتين إحداهما تصغره بنحو ثلاثين عاما و قطع صلته تماما بقريته الموبوءة و لكنه اليوم عاد إليها مُرغما لحضور جنازة عمه الكبير- كبير العائلة- و سبب إرغامه هو الخوف من الإرهابيين  لأنهم يستهدفون كل ما له صلة بالدولة فما بالكم إذا كان إطار مهماً و لهذا في المساء أستهدف الإرهابيون القرية التى تكاد تخلو من السكان  بقذائف الهاون تمهيدا لغزوها فلم يكن هناك من مفر إلا  الاختباء في جُحر الأمس الذي صار بالياً تماما و كما توقع الكهل تماما و جد نفسه قبالة عشيقته القديمة، هذه المرة و إن كان يملك من الجرأة و الخبرة الكثير إلا أن  الخوف كان مسيطرٌ عليه و لهذا جل ما استطاع فعله في ذلك الليل الطويل الذي لم ير مثله في حياته كلها سوى أن طبع قبلة على خدها و همس لبعض الوقت في أذنها و لكنها لم تدع الفرصة تمضي هكذا حتى أخذت عنوة عدة قبلات من فمه الذي يعلوه مستاش كث و بدت هي أكثر شبابا منه و إن كان الشائع أن المرأة تشيخ قبل الرجل أما طعم قبلاتها و إن كان متزوج من أكثر من زوجة و قبل الكثير من الشفاه الأثمة و غير الأثمة في السنين الماضية فلقد بدت له أنها أطيبهن مقبلا و نفساً بل رائحة أنفاسها عادت به إلى القديم السحيق لكن الخوف كان يكبله تماما ، وفي الصباح و كأنه وهبت له الحياة من جديد كانت هي تتأبط ذراعه وهما يمشيان  سعيدة في جرأة ووقاحة كبيرتين لأن قصتهما على ما يبدو كانت لا تخفى على أحد و هذا لم يمنع أن تقضي الليلة الموالية معه في بيتهم القديم و سامرته حتى الصباح تعاتبه على عدم التقدم لها و أن يخطفها و لو لليلة أو ليلتين أما هو فلم يستطع أن يرد إلا أنه كان خائف من الفضائح و خائف من القيل و القال و لما أبدت له أنها مستعدة لإتمام ما حلما به العمر كله تردد هو في ذلك مبررا أنه بسبب الخوف من الإرهابيين و هكذا يستطيعا فعل شيء سوى التكلم عن ذكرياتهما التى اختصرها الخوف في ذلك القبو القديم.

 

————————————

* عبد القادر برغوث ( قاص وروائي – الجزائر)

اترك تعليقا