وجعٌ لا يقبلُ المُزايدة ../ منى حسن محمد*
بواسطة مسارب بتاريخ 1 ديسمبر, 2012 في 09:50 مساء | مصنفة في جدل ثقافي | لا تعليقات عدد المشاهدات : 2162.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كثيرا ما كنت أتجنب دخول “الفيسبوك” أيام انفصال الجنوب عن الشمال، ذلك أن أجوائه كانت ملبدة بغيوم اللوم والتساؤلات التي تسارع للانهمارِ مطراً كثيفاً من الأسئلة عليَّ – بصفتي من السودان، وبالتالي فأنا ممن فرطوا! – من كلِ من يراني “أونلاين” ويكلمني من الإخوةِ العرب، أوغير العربِ في “الشات”.

بداية كنت أرد على من يسألني باختصار ولطف محاولة شرح سبب موافقتي – التي يلمسونها على حد تعبيرهم من كلامي – على هذا الانفصال، لكن الكثير منهم لا يكتفي بهذا فيحتدُّ معي في النقاش وكأنني أحد كبار السياسيين في الدولة، أو كأن عليَّ أن أتكبد عناء الشرح لكل سائلٍ على حِدة، وكأنه وحده من يسألني يوميا، وليس العشرات..

يُسارع السائل منهم لاتهامي بأنني راضية عن انفصال الجنوب، أو أنني لا أهتم لهذا الانفصال، من باب رؤيته أن هذا حدث كبير، مُوجع، من المفترض أن أبُدي تألما وتحسرا أكثر تجاهه، وكأن عليَّ أن أفرش آلامي سجادةً لكل العابرين، لتدوسها أقدام شفقتهم!

وكأن خمسين عاما من الدم لا تكفي لكفِّ سهامهم عني..

وكأن مجازر الدم التي أثبتت استحالة التعايش بعدما حدث عقب موت جون قرنق، وثورة الجنوبيين بالخرطوم وذبحهم لمئات الأشخاص بالسكاكين ظنا منهم أن الشماليين هم من قتلوه، أيضا لا تكفي.

لقد نجحت القوى صاحبة المصلحة في تربية حقد رهيب من الجنوب تجاه الشمال، أسفر عن وضعٍ رهيب، عاشه شعب السودان شمالا وجنوبا وذاقوا وباله.

لا شئ أشد سيمر على السودانيين أكثر من فصل الشمال عن الجنوب، سوى ما ترتب عليه مما تعانيه البلاد الآن من أوضاع اقتصادية منهارة، وغلاء يتسع مداه ولا يضيق كل يوم وكل ساعة، فكم صبروا على الشدائد وكم حملوا رايات ” بنريدك يا وطن رغم الشدايد والمحن” .

وبالرُغم معرفتي بحرص الكثير من الإخوة السائلين على السودان كبلد عربي ، مسلم، وقلقهم تجاه ما يحدث، و رؤيتهم – التي أوافقهم فيها -  أن هذا الانفصال ضيع أرضا من أراضي الفتوحات الإسلامية، وتقديري لكل هذا ووضعه في اعتبار أجوبتي حين يسألني أحدهم عن الانفصال، إلا أن ما لا يستوعبه صبري هو الإصرار على نكءِ جرحٍ لم يبرأ بعدَ أن شطَرنا لنصفين، وألمه لا يقبل المواساة أو المزايدة، ولأنه لن يفهم مداخلات، وأحداث، ودواعي الانفصال الذي آلمنا شعبا، ونيلا، وتاريخا، سوى من عاش تفاصيله، لذا كنت دوما أتجنب الدخول في الحديث السياسي والخوض في أسباب وآثار الانفصال لكل من يسألني في “الشات”، وأتعلل بأنني لا أحب الحديث في السياسة ،  وأسارع لأنهي الحديث حول الأمر.

وصدف أيامها أنْ سلَّم عليَّ الأخ الشاعر الموريتاني محمد فاضل، والذي كان من المفجوعين – بطبيعة الحال – أيضا مما جرى للسودان من بتر وتقسيم، وكان متلهفا أيضا للسؤال، ولكنه كان يخصف على تساؤلاته ورقا من شعر، ذلك أنه بادر بدعوتي للمساجلة الشعرية طالبا أن يقترح موضوعا، وبالطبع اقترح الانفصال كخيار أول للمساجلة !

لاحظ أخي الشاعر محمد فاضل عدم رغبتي في قول الشعر بعد اقتراحه لعدة مواضيع كان الانفصال أولها ، فبادر قائلا:

جَفَّت الغدرانُ في أحلامِنا ،

وَجَثَا الصَّمْتُ عَلَى أَلْحَانِنَا

وَقَدْ أَصَابَ فيما ذهبَ إِليهِ، فَحِيِنَ يَعْمُقُ الجرحُ ، يَصْعبُ البكاء، لأنه حين يكون الألم أكبر من الصراخ، يغرق الجسد في غيبوبة صامتة أكثر رحمة، هكذا كان حال الشعر حيال ما يكبرُ من آلامنا، كان يصمت، إلى أن نستوعب الألم، ونستطيع الإحساس به، بعد أن يتدخل الطبيب المشهور بنجاحه في مهامه دائما، ذلك المدعو : الزمن!

صمت أخي محمد فاضل برهة ثم لمَّا لم يستطع مقاومة فضوله المعرفي النابع من ألم حقيقي، المتلهف على معرفة ما جرى للسودان، سألني قائلا:

حدثيني يا منى عن فيضان النيلِ : هل مازال حقا ممكنا؟!

عبثَ الصيفُ بحلقى لم أزل صادي الأجناب مُغبرّ الونى..
ضِفدعُ الحسرةِ في حلقي ينقُّ العطشَ القاتلَ نقّا مُحزنا
كل ما استسقيت مزنا غالني  خلَّبُ البرقِ وساق المُزنا

 خبريني عن ينابيع الجنوبِ الخضرِ والزُرقِ إذا ما أمكنا
والتقاء النيل مشتاقا إلى نيله الآخر ، صبّـًا مُوهنا
أبيضُ النيل إلى أزرقه  دائم الصبوة موصولُ الغُنا
وضع الساسة سدًا هائلا غير أن العاشقين افتتنا
لم يزد في الأمر إلا أنه ماج في النيلين ماء أسخنا!
خبريني عن ملوك درجتْ  مهبطَ الوادي وأعلت في البُنا

عن تماسيحٍ عظامٍ لَمْ تزلْ تقضمُ التاريخَ قضمًا لينا
لم أزل أُصْغِي فهلا تُخبري سوف أغدو عن قَريبٍ أذنا !
عَطَشُ الأذنِ عظيمٌ ، فاهطُلي فوقَ سَمْعِي ماءَ شعرٍ يا مُنى

هزني جدا هذا التساؤل من شاعر آتٍ على صهوة القوافي الشاردات، حاملا إرث بلد يتباهى برصيده المليوني من الشعراء، وإرثه الثقافي والإسلامي المهيب، بطريقة مختلفة عن تلك التي ترمي علي قذائف الاتهامات اليومية المشككة بوطنيتي، المنادية بعنصريتي، والمنادية بوحدة بلد المليون ميل مربع (سابقا)، جاءت على شكل طلب مساجلة شعرية أوصل بها هذا الشاعر الآلام التي انتابت حروفه تأثرا بهذا الانفصال الموجع..

بكى الحضارة والتاريخ والذكريات ما بين شمال القلب وجنوبه..

جاءت استفساراته مؤكدةً على دوام صلةٍ لن تنقطع بين من يجري في دمائهم ماءٌ واحد حتى ولو جارت الظروف وغيَّر الطامعونَ الأخ على أخيه..

وكما أسلفت، لا يخفى على أي عربي أو مسلم مدى ألم فصل الجنوب عن الشمال، ولا الآثار المترتبة عليه التي يدفع ضريبتها شعبا البلدين وينزفانها أغنيات يرددها النيل كل صباح..

لكن وحدهم أهل السودان من عايشوا هذا الألم، وتلك المعاناة، التي لا تقبل المزايدة على مصداقيتها أيا كان موقفها ..

وَطَنِي مَا كَانَ يَوْمًا خَرْطَةً،  أَوْ حُدُودًا تَحْتَفِي بِالأَمْكِنَةْ

وَطَنِي لَحْنٌ بَدِيِعٌ خَالدٌ ،  أَشْبَعَ التَّارِيخ طِيبًا وسنَا

أبْدَعَتْهُ شفةُ النيلِ الذي،  صَاغَهُ عَزفًا شَجِيًّا مُتْقَنَا

حَمَلَ الوحدَةَ عِشْقًا صَادِقَاً ،  تَخِذَ الأَرواحَ رُكناً آمِنَا

وَطَنِي لَحْنٌ بَدِيِعُ إِنَّمَا  نَخَرَ السُّوُسُ كَمَانَاً دَوْزَنَهْ

وَرِثَ الآهةَ مُذْ مَرَّتْ بِهِ غَيْمَةُ الأَحْزَانِ وَانْهَالَ العَنَا

عَبَثَ الأَوْغَادُ فِي أَحْلَامهِ،  وَأَحَالُوهُ انْقِسَامَاً مُحْزِنَا

غاظهم أن تحتويه وحدةٌ= هتْفُها “لا عاش من يفصلنا”

التحية لأخي العزيز الشاعر محمد فاضل،  ولكل مسلم، وكل عربي حر آلمه ما آلمنا، ونزف مداده حين فاضت دموع النيل.

—————————————-

* منى حسن محمد (السودان)

 

 

اترك تعليقا