التقينا.. سألتني عن صحتي،عن أحوال الأصدقاء.. خفق القلب طربا للسؤال. تنهَدت عيناها، من فرط الزفرة الخارجة توًا، من أعماق شوقها..قرأتُ ما تيسر من احرج.. بدا قابعا على تفاصيل وجهها.. ولكنها أرْدفتْ بنظْرة حزينة.. أرَاكَ لمْ تتَغَير، نفسُ الحُزن في عينيك، نفس التحسُر والتصحُر في شفتيك..أنت أنت .. لم تغنى ولا تبدو متأنقا.. كمن هم في مركزك..دون أن أتركها تكمل ، قطعت عليها كل شكوكها بما أوحاه لها مظهري.. فقلت.. اشتقت إليك .. عفواً إلى كتاباتك.. لم نعد نرى رسم حروفك الشائقة.. تركض في تأنق لذيذ فوق صفحات جرائدنا.. وأنت أكثر من غيرك تعلمين كم أنا .. عفواً نحن ، نقدر خفة الروح لدى أبطال قصصك.. أنت مبدعة ناجحة.. عليك بالمثابرة.. لابد أن تستمري..؟
وغزتنا لحظات صمت ورهبة وخوف أبجدي.. وتسمرنا كمجسمين لشخصيات كرتونية، متحاشيا كلٌ منا النظر في عيني الآخر.. رغم ما يحمله من عاطفة.. كل منا للآخر وقد فاقت حاجة القلب..إلى أن كلينا كان يخشى الإفصاح للآخر أولا.. رغم كل شيء مرت اللحظات صامتة ومؤلمة.. مكنت كل منا من امتصاص صدمة المفاجئة على طريقته الخاصة..ولأن المرء ملزم بأن لا يقول شيئا عندما يقول الصمت أشيائه، ودون إرادة مني صدرت عن يدي حركة حَدقة.. فلم أنتبه إلا وأنا أنفثُ دخان سيجارتي في وجه صمت المكان.. ولا أدري حتى كيف أشعلتها.. حمدت الله أخيراً وبدءً لأن هذه الحركة الصغيرة جعلتني أنفلت من أحلى صمت إلى ألذ انتشاء.. فقلتُ مخاطباً {سجاح}.. هي اسمها هكذا ولست أدري لماذا ..سجاح..؟
تذكرت الاسم الأول ..قلتُ في نفسي ، لم يعد له معنى.. وقد ركع الذين حكموا رقابنا وحجوا فرادى وجماعات، إلى قِبلة أخرى.. وقبلوا كل من في البيت.. وحامي البيت .. وحتى سياج البيت.. ثم خرجوا وكل في شأن، فمنهم من مات جوعا ومنهم من أهلك شعبه .. ومنهم من رضي بالقعود تحتا.. طاعةً وسمعاً لإرادة الراعي الأكبر.. صاحب الجنون ولإرهاب كله.. السيد راعي البقر الحلوب..؟؟ ولكنني بعد برهة سألتها وقد تأجج قلبي بالرعب.. لماذا أنت سجاح.. ولستِ سارة مثلا.. لماذا أبوك هذا.. ورغم كل اللآمعنى، تشبث وظل يُصر حتى سماكِ.. هكذا بكل الصدق..سجاح.. تبسمت ضاحكة من قولي.. وقالت ادخل أيها العبثُ صميم القلب .. وقُل قَوْلك السجين.. فأنت المنقب والمستكشف الأول، لهذا الإرث من حضارة الأنثى الضائعة.. تستفزني بقولك ولم تقل، أنك بحديثك ، إنما تُطفئ لهباً في قلبٍ يصلى.. أيها العبثُ.. كم حياتك شقاء..ولم أشأ مقاطعتُهاَ مُكتفياً بالارتواء من عذب عروبة ضائعة.. أنا الهائم سرمداً عبر صحاري الحياة وقيعان المدن.. حيثُ يسكن العالمُ الحقيقي والناس الحقيقيون.. أبدا لم أجد ألذ من عذوبة صوتها.. ولا أروع من شاعرية نظرتها بكل ذلك الحور يغازل حواسي في استحياء.. ولا أنقى من صفائها المشتغل في زرعي برغبة امتلاكها، كدنيا أسيح فيها أعيش.. وأعبد الله.. إلى أن أُتْعِب الموت.. فيأخذني راضيا مرضيا..؟؟
وبعد.. سألتني متهالكة.. أتعبني صفاؤك.. عفواً.. رغبتك ودعوتُكَ الطارئة للقاء..؟ ودون سابق تخمين.. وجدتني أسألها بدوري.. بل لم التقينا..؟ فتناثرت حمرة بلون الورد فوق خدين جميلين.. وقالت بعفوية من يقوده قلبه.. لا أدري..؟
وتدفق غيم الشوق وتلهف التحنان داخلي .. فقُلتُ لأسألها المزيد.. وقد جمعتنا الصدفة والمكان.. ولرغبةٍ ما في عينيها الرؤوفتين.. تستفْسِر عن لحظات بعادنا.. وعن وقتي كيف انقضى.. وهل من ساكنة غيرها، بثور قلبي الدامية..قلتُ.. لاشيء مما يضايق ملامح الاعتذار على وجهك الجميل…لم أتقدم في شيء.. وقد أخرتني المأساة.. مثلما أخَرتْ إعلان تلهُفنا المشترك.. لم أفهم قالت ممازحة..؟ وهل تحتاج المفاجأة إلى فهمٍ.. عقبتُ عليها بمزحة أدق.. وتفادياً لإشعال الشفاه.. أحرقتُ حرجي بإشعالي لسيجارة، كانت ضحيتي ومنفى المحرم من الأوجاع..؟ وتناثرتا في الصمت .. وجمع كل منا ذراتهُ في لحظات قلقٍ وانتظار.. ورغما عن إرادتي استعمرتني قوة هائلة،برغبة مميتة دفعتني ، إلى ضمها والهمس في أذنها..{{ انه لمن المرارة والظلم، أن ينتظر المرء اعترافاً ، ضمن مساحة ودٍ لا تتعدى حروفاً أربعة..؟}}
{{ أيها الفلك السابح في الحنايا والرجافات.. الموعود بهذا الأسيل السلسبيل، قل أنكَ تَتِمَة الأنفاس المفعمة ، تَخْرُجُ شِفاءً لصدْركَ العليل.. قلْهاَ أيها المنقبْ في كمياء الحياة عن فزياء توصلك ببلور الجسد المتلهف .. تحْضُنَه ويَسْكُنك سرمداً.. قل ولا تخف تمنحكَ روعة الأبجدية.. وتُعيدكَ طفلُكَ الأول، يجلس مُشْرع المسام لولوجِهاَ بؤبؤ الروح..في يومٍ كان عاصفا .. في مساءٍ كان دفئاً رغم قسوة البرد.. قل ولا تخف إنك إنسان..؟}}هذا الهتاف ظل بداخلي طيلة احتضاني لها .. ولكنني لم أقدر على القول ، كذلك لم تفْعلْ غير أنها ظلت تتنفس .. ولا شيء عدا التنفس الودود..؟
وهكذا دواليكَ وَلِجَتْ نص المكان.. وقرأتْ بلغة غريبة ، ما كانت تهمسُ به ملامحي .. وتهفو روحُها في تجسيده نصا يخلد لذاكرة المكان..؟ قالت سأريكَ آخر نصٍ كتبتُه.. ولم تقتُل المفاجأة.. متعمدةً تركي في خلاء الليل وحيداً ، مع نصها أقرأه.. وأُسْهِب في فهم آلاف الصرخات، تنبعثُ متوجعةً ، في تأوه طفولي ، من جسدٍ بدا أنه ينضحُ بالنضجِ والامتلاء الكامل..؟ سلمتني نصُها وأردفتْ.. صرتُ امرأة كاملة.. وأرجو أن يُكتبِ لنصي، ذلك الثراء الذي يميزك.. وأنت تتناول كبرياء هذا القوام.. بكل الامتلاك والقدرة على التشكيل..؟ ولم تقُلْ أُحبك ، مثلما لم أقُلهاَ.. وافترقنا.. مُختَليةً بصورة عن شخصي.. وهائماً بنصِهاَ في خلاء ليل.. لافجرَ لهُ أبداً..؟ا
جيجل .. أبريل 2005
——————————————————————————————————-
* محمود عيشونة ( كاتب من الجزائر )





الله يبارك
ولجت النص الثري بتأثيث و لغة قصصية متمكنة ،
أوفى النص عنوانه ، مثلما أوفاه التأزم
أحييك أخي محمود عيشونة.
شكرا أخي الفاضل عيسى بن محمود على الإثراء والتعقيب.. هذا من ذوقك الرفيع.. تحية تليق
الكريم .. أسامة كريم شكرا على الحضور البهي..مودتي وتقديري.