الشاعر الجزائري عاشور فني في حوار صريح
بواسطة مسارب بتاريخ 11 يناير, 2012 في 10:12 مساء | مصنفة في حوار مسارب | لا تعليقات عدد المشاهدات : 3408.

 

عاشور فني / شاعر

(القيم الجمالية التي يؤسسها الشعر عابرة للحدود والثقافات واللغات)

(المعرفة ضرورية في الشعر، ولكنها لا تكفي لإنتاج نص جيد)

 

عاشور فني واحد من أبرز شعراء الجزائر الذين لهم باع طويل وجميل في الشعر والكتابة والترجمة أيضا، أصدر عدة مجموعات شعرية منها “زهرة الدنيا”العام 1994 تجربته البارزة التي قدمته بقوة و جمالية إلى المشهد الشعري ، و بعدها بحوالي عشر سنوات صدرت مجموعاته التالية : “رجل من غبار”العام 2003 .، “الربيع الذي جاء قبل الأوان”العام 2004 ، و”أعراس الماء” التي كتبها باللغة الفرنسية وصدرت عن دار نشر فرنسية بمدينة مرسيليا. وفي عام 2007 وعن دار القصبة للنشر وفي إطار منشورات الجزائر عاصمة الثقافة العربية صدرت له المجموعة الخامسة والتي حملت عنوان: “هنالك بين غيابين يحدث أن نلتقي”.وما ميز هذه المجموعة ،هي أنها تجربة أخرى مغايرة عن التجارب الشعرية السابقة التي كان يعتمد فيها الشاعر على الشعر العمودي فقط في حين جاءت نصوص هذه الأخيرة بنفس/طقس الهايكو القوي المركز الذي يعتمد على الومضة بأقل ما يمكن من كلمات و مفردات و بأكثف ما يمكن من معنى و إيحاءات. تجدر الإشارة أيضا إلى أنه قام بترجمة الكثير من المجموعات والكتب الأدبية إلى اللغة الفرنسية منها :“عراجين الحنين” للأخضر فلوس  ”معراج السنونو”لأحمد عبد الكريم،”اكتشاف العادي”، لعمار مرياش، “ما يراه القلب الحافي” لعياش يحياوي ، “سين” لمشري بن خليفة، “الأرواح الشاغرة” لعبد الحميد بن هدوقة. إلى جانب مشاركاته و تواجده في الكثير من المهرجانات الشعرية الوطنية و العربية والعالمية منها  مهرجان مدلين بكولومبيا،2004، مهرجان “تروا ريفيير” بكندا 2003، مهرجان “أصوات المتوسط” بمدينة لوديف الفرنسية ،2002، مهرجان الشعر العربي بمدينة الرباط، 1995 أمسية شعرية للجزائر، دار الشعر، بتونس 1994 وغيرها. في هذا الحوار يتحدث الشاعر عاشور فني عن الشعر والكتابة والحياة وعن مساره الشعري وعن التجارب الشعرية الجزائرية وعن قصيدة النثر و أمور أخرى كثيرة ذات صلة نكتشف ملامحها معا.    

حـاورته / نـوارة لحـرش

 

(الكتابة فعل حياة مستمر)

**: “زهرة الدنيا” علامة بارزة في تجربتك الشعرية، كيف تنظر إليها الآن..كيف تستحضر طقسها البكر وطقوسها الأولى؟

** عاشور فني: لكل نص من نصوص (زهرة الدنيا) حياة مستقلة بذاتها.هل كانت علامة بارزة في تجربتي الشعرية؟ بل كانت مسارا تضيئه علامات الحياة.كانت مطالع القصائد تنشأ في حياتي اليومية وتستمر في النص وتنتهي في التجربة. ما زلت أتعلم مما أكتب وأكتب مما أحيا وأموت وأبعث حيا في كل لحظة كتابة. ليست زهرة الدنيا نصا موازيا للحياة بل حيوات و كينونات وعوالم متقاطعة ومتفاعلة.

**: هل تعتبر زهرة الدنيا هويتك الشعرية الأبدية ، أم أنها فاتحة لهويات أخرى ،ربما أعلى؟

** عاشور فني: كانت (زهرة الدنيا) مسارا خصبا متصاعدا استمر 14 سنة. كانت ظروف الكتابة مختلفة جدا وكذلك ظروف النشر وظروف الحياة. كان العالم مختلفا وكان التحول عنيفا و جارفا وانتهى بزهرة تقف عارية في زمن القبح.كان يكفينا فخرا أن نكون شعراء مختلفين وقد كانت(زهرة الدنيا)علامة اختلاف وتميز ويكفي ذلك مجدا للمجموعة. ولكن كل مجموعة من المجموعات الثلاث اللاحقة فتحت أفق تجربة مغايرة تماما.و تكاد كل مجموعة أن تتكشف عن شاعر مختلف. هل هو إختلاف الهويات؟ أم هو إختلاف التجارب؟ ما يعنيني هو أن أظل وفيا للكتابة الشعرية. تتحدد كل هوياتي ووظائفي الاجتماعية الأخرى في ضوء هوية الكتابة الشعرية.

**: قلت أنّ التجربة الشعرية كانت بالأساس تجربة في الحياة ، كيف ذلك ؟ فسر لنا أكثر؟

 

** عاشور فني: التجربة الشعرية أساسا مكابدة واندماج في مسار حياتي ملموس بوعي جمالي متميز، وتجربتي الشعرية مندغمة تماما في تجربتي الحياتية بكل تفاصليها. ليست الكتابة الشعرية ترفا زائدا بل نابعة من موقف في الحياة وعن رؤية للعالم ورؤيا فيه.

و نقطة الالتقاء بين التجربة، هي رحلة بحث دائمة تلتقي فيها لحظة الوعي بلحظة الكتابة في مسار متواصل يشكل خطا ضوئيا تنير فيه التجربة الكتابة والكتابة الحياة: حضور جمالي للعالم في النص وحضور جميل للنص في العالم.و أخيرا ، كل تجربة تفرض نصها.

**: هل يعني أن الكتابة فعل حياة ؟ هل أنت مؤمن بهذا الطرح ،أو هذا الاعتقاد؟

** عاشور فني: هل الكتابة فعل حياة ؟ وهي أيضا فعل مقاومة الموت والقبح والدمار والفراغ. ولكن الكتابة أيضا فعل حياة مستمر. ولا أرى أن الكتابة موازية لحياة شفوية بسيطة يحياها الناس والكاتب أو بديلا عنها  بل هما وجهان كلاهما باطن للظاهر الآخر ولا انفصام بينهما باعتبارهما تجسيدا لحقيقة واحدة: كينونة متفاعلة متحولة. قلت يوما إن القصائد هي رماد لحرائق التجربة ويمكنني أن أضيف أن التجربة هي وقود لحرائق الكتابة.

**: يقول هيدغر :” الشعر هو تأسيس للكينونة بالكلام “، فماذا تقول أنت ؟ وبأي درجة هو تأسيس للكينونة بالكلام؟

** عاشور فني: إن كان لي أن أقول شيئا ذا بال فسأقوله شعرا. أقرأ الفلسفة والكتب النقدية والفكرية من باب الاطلاع الضروري ولكنني لم أهتم يوما بالرد على النظريات أو مخالفتها أو تجسيدها شعرا. على النقد و الفكر والفلسفة أن يتابع الإبداع الشعري. تخصصي الأكاديمي العلمي يسمح لي بإدراك حدود أية نظرية. وليس في نيتي التحول إلى التنظير ولكنني أكتفي بالقول إن كانت لي نظرية في الكتابة فالأحرى أن أجسدها في نصوص ومساري ومسلكي وعلى النقد أن يكشفها ويضئ بها عالم الكتابة. المعرفة ضرورية في الشعر، كما أسلفت، ولكنها لا تكفي لإنتاج نص جيد.

**: كيف تقرأ التجارب الشعرية الجزائرية حتى الآن؟

** عاشور فني: تعجبني صيغة الجمع في سؤالك (التجارب الشعرية) في الحديث عن الشعر في الجزائر. قوة الحركة الشعرية في الجزائر تكمن في قوة التجارب الشعرية الفردية المتميزة الآن وفي تعدد الأصوات وتنوعها ولكن ضعف الحركة الشعرية يكمن في ضيق الفضاءات التي لم تتسع يوما للشعر والشعراء بقدر ما اتسعت للخطباء وحملة الخطاب الإيديولوجي المدجن. و منذ أن أفلت الشعر من الوظيفة الإيديولوجية كان عليه أن يتحمل تبعة الخروج من بيت الطاعة. لقد  امتلأت الساحة اليوم بكتاب الكرونولوجيا ومؤلفي السير ومصنفي المذكرات وأصبحت تجارة رائجة يطلبها الناشرون وتتهافت عليها وسائل الدعم الإعلامي والإشهاري وتأنس إليها الصالونات والمعارض.أما الشعر فقد مرت تلك المرحلة التي كان يعتبر فيها (الشعر تعبيرا عن روح الأمة ووجدانها)  خلال فترة الحركة الوطنية وثورة التحرير أو(حاملا لهموم الناس)أو (عاملا من عوامل البناء) خلال مرحلة البناء والتشييد حين كانت المهرجانات يفتتحها محافظ الحزب بحضور السلطات وقادة الرأي مع حشد من الإعلاميين. الشعر منبوذ اليوم: تخلت عنه المؤسسات العمومية والمؤسسة الإيديولوجية وظل الشعراء فرادى يصارعون الموت ويستنجدون ولا من مغيث.تخلت المؤسسات عن دعم الشعر ونشأ كثير من الشعراء خارج الأطر الرسمية وهذا أفضل للشعر،ولكنه مكلف للشاعر الذي يعاني في حياته وفي محيطه الشخصي وفي إبداعه. لقد ترعرعت كثير من التجارب الشعرية في أوساط المقاهي في المدن الداخلية وفي العاصمة وفي الأحياء الجامعية واللقاءات الحميمة والخاصة وهنا برزت الكثير من التجارب المتميزة والمتفردة والأصوات المختلفة. ولم يستطع(تقليد) المهرجانات والمنابر الجماعية أن يستوعب هذا التعدد والتنوع. بل تنكرت حتى بعض الأسماء المعروفة لتاريخها الشعري وشهدنا إنتحارات فردية وجماعية متعددة الأشكال في صفوف الشعراء: الموت أو الصمت أو الهجرة أو تغيير المسار. كما نشهد محاولات عودة لترميم ما انهار وإصلاح ما فات: تأسيس جمعيات بأسماء الشعراء الذين تمت محاربتهم سابقا وتم دفعهم إلى الصمت أو الانتحار.الشعر ما يزال منبعا للقيم الإبداعية والجمالية الكبرى في العالم ولكل الفنون وسيظل كذلك. والتجارب الشعرية في الجزائر قادرة على استيعاب هذا البعد الكوني في الشعر. القيم الجمالية التي يؤسسها الشعر عابرة للحدود والثقافات واللغات.

**: برأيك أي جيل في الجزائر قدم للشعر أكثر جماليا وفنيا؟ وتفرد في مستويات حساسياته ؟

** عاشور فني: فكرة الجيل غير مؤسسة. وفي الجزائر يفيدنا مسار الحركة الشعرية المعاصرة أنها تطورت عبر صراع زمر غير متجانسة استعملت مقولة الجيل كوعاء يجمع تناقضاتها ويحقق لأعضائها أهدافهم المرحلية والشخصية الضيقة إلى حين بعيدا عن أي تأسيس جمالي أو انتمائي واضح. فإذا ظهرت زمرة جديدة استخدمت نفس المصطلح (الجيل) لتحقيق أهداف أفرادها بالاستحواذ على الساحة. و أنظر الآن لمن اعتنقوا فكرة الجيل: أين هم وأين نصوصهم وتجاربهم ؟ و أنظر لمن رفضوا فكرة الجيل أصلا أين هم وأين نصوصهم وتجاربهم كذلك؟ ثم إن فكرة الجيل ارتبطت في الجزائر بمراحل سياسية ومظاهر خارجية ليس لها أي عمق ثقافي وامتدت على مدى عشريتين أو ثلاث، فهل سيستمر أنصارها في استخدام مسطرة ديكامترية يحشرون فيها شعراء كل عقد من السنوات باسم جيل جديد؟ وأين يضعون الباقين؟ ففكرة الجيل الأدبي إذن عقيمة في نظري وليست مقولة نقدية بل وسيلة إقصائية وتهميشية ضد التميز والفرادة والإبداع وضعت من قِبل الفاشلين للانتقام من التجارب المتميزة بحشرها مع حشد من الأسماء وقتل المبدع الفرد بالجماعة. وبالتالي فهي مضرة بالأدب نفسه وبالإبداع. و لكن بالمقابل هناك تطور في الرؤية الفنية لدى الشعراء فرادى عبر دواوين ومجموعات شعرية وعبر نصوص عالية وعبر مسارات فردية متميزة ومتفردة. هناك تجارب اخترقت كل الأجيال وهي ما تزال قادرة على الإضافة الإبداعية كما ظهرت أسماء في غير جيلها المزعوم بسبب مشكلات الطباعة والنشر ولا يضيرها ذلك عن مواصلة مسارها الإبداعي.و في المقابل هناك أسماء تظهر الآن أو في المستقبل ولكنها تنتمي إلى ماض ميت ولا يمكنها أن تضيف شيئا. وكان يمكن أن يكون الجيل مفهوما نقديا له تأسس على فكرة أو على جمالية معينة في الشعر أو الفلسفة أو الفنون الأخرى.والأهم من ذلك أن تظهر تجارب إبداعية جديدة تحمل رؤى وطموحات مختلفة عن كل من سبقها ، ومن الظلم حشرها في خانة  معينة لا لشيء إلا لتحقيق إستراتيجية مجموعات طامحة إلى احتلال الساحة وممارسة احتكار لم يعد ممكنا أساسا بسبب انفتاح الساحة الجزائرية على الفضاءات العربية والعالمية وبفضل ظهور قنوات اتصال جديدة أكثر فعالية من وسائل الاحتكار التقليدية التي كرست فكرة الأجيال في الساحة الجزائرية.

**: في المشرق العربي وحتى في المغرب هناك تراجع واضح لقصيدة التفعيلة والشعر العمودي و اكتساح قصيدة النثر المساحات الشعرية ، لكن في الجزائر مساحة الشعر العمودي والتفعيلي هي الغالبة ، لماذا برأيك ؟

** عاشور فني: القصيدة العمودية عريقة في الشعر العربي وتجد لها جذورا في الثقافة الأدبية في الجزائر أيضا وقد تربت عليها الذائقة الشعرية ولها جمهور في كل الأوطان العربية ومن كل الفئات، وهنا يكمن مصدر قوتها. فالجمهور هو صانع الشعراء. أما قصيدة التفعيلة فكانت تطورا داخليا من رحم القصيدة العمودية وحافظت على الكثير من الوشائج مع جمهور العمودية. أما قصيدة النثر فقد واجهها موقف إيديولوجي من خارج الساحة الشعرية ما يزال مستوليا على ساحة الوعي الثقافي والفني. و يجدر التنبيه إلى أن قصيدة النثر التي أسس لها شعراء كبار مثل أدونيس وأنسي الحاج، تجد الآن لها نصيرا في الصفحات الثقافية في الصحف العربية الراقية والمواقع والمنتديات الإلكترونية وفي الفضاءات الثقافية ذات البعد العربي والدولي الداعم للحداثة، وهو ما لم يتهيأ لها في الجزائر. وتظل قصيدة النثر ذات حظوة لدى هذه الأوساط أكثر مما لها من قبول لدى جمهور الشعر. وضعف المنابر الإعلامية وضيق الفضاءات الأدبية وراء ضعف قصيدة النثر في الجزائر. لقد لاحظنا منذ عشريتين اكتساح الخطباء والإعلاميين السطحيين الساحة الأدبية في الجزائر على حساب المبدعين والشعراء والمثقفين، وها هي النتيجة الآن: كثرة الأسماء وجمود الساحة بسبب استيلاء الإيديولوجيا التي تتخفى وراء الفراغ المسمى ( نهاية الإيديولوجيا) على الساحة الإبداعية وغياب البعد المعرفي النقدي لكل ما هو ثقافي وإبداعي.

**: هل هناك أسماء في المشهد الشعري الجزائري لفتت انتباهك أكثر ؟.

** عاشور فني: الأسماء كثيرة جدا وليست المشكلة في الأسماء ولكن في الحركة الكلية للساحة الأدبية في بلادنا. ولكن رغم كثرة الأسماء ما تزال الساحة الأدبية والثقافية تعاني من الركود رغم أن العديد من الأسماء الأدبية موجودة الآن في مراكز اتخاذ القرار الثقافي ، في المؤسسات الثقافية والإعلامية الوطنية وفي مديريات الثقافة بالولايات، ولكن المبادرات الثقافية الحرة ما تزال حلما بعيد المنال.هذا باستثناء بعض المبادرات التي تقودها الهيئات الوطنية أو بعض الجمعيات وحتى المؤسسات الخاصة، وهو ما لا ينكره إلا جاحد. لكن ما ينبغي التنبيه إليه هو انغلاق الساحة الشعرية عن قصيدة النثر في الجزائر يخفي وراءه مظاهر عديدة للانغلاق: الانغلاق على الأسماء الجديدة، واحتدام الصراع على تقلد المناصب في المؤسسات الثقافية، التي تفتح الباب للريع والإمعان في اختلاق مجالات احتكار جديدة واختلاق قضايا لا تخدم إلا مختلقيها والمنابر التي تدعمهم، بل وسعي بعض الأسماء الجديدة نفسها إلى تكرار تجارب الاحتكار الفاشلة ضد الوافدين الجدد. والأدهى والأمر أن بعض المؤسسات الثقافية التي تأسست لدعم المبدعين الجزائريين تحولت إلى البحث عن أسماء لامعة لتدعمها ثم تخلت عن كل ذلك وهي الآن تتكئ على أسماء عربية وأجنبية لامعة تستفيد معها من ريع العلاقة مع الخارج هاضمة  حتى حقوق الجزائريين الذين صنعت بريقها في الخراج بأسمائهم وإبداعاتهم. إن الإبداع العابر للحدود يرافقه أيضا مخاطر عديدة تفضي إلى نوع من الجريمة الأدبية العابرة للحدود، ونحن على أبواب عصرها وليست مسألة حقوق التأليف وقضايا السرقات الكبرى  والانتحال إلا أبسط مظاهرها.

**: المسافة في قصيدة التفعيلة أو العمودية غير ضرورية ربما، فهل هي ضرورية في قصيدة النثر ؟ أم أن المسافة ضرورية في كل الفنون؟

** عاشور فني: المسافة كمقولة ملموسة لمفهوم الفضاء ضرورية في الشعر كما الموسيقى والفنون التشكيلية والحركية. فالتعبير الدرامي يتطلب فضاء يتسع للنقيضين وينفتح للصراع وذلك هو مصدر التوتر ومنبع المتعة في كل الفنون. و إلى جانب المسافة هناك عنصر آخر هو عنصر الزمن الذي يتجلى باعتباره أثرا إبداعيا بفعل تطور الصراع ضمن حركة النص. فإذا انتفى الفضاء والزمن سقط الفن في السكونية. والقصيدة هي وحدة تنفتح لحركة داخلية عبر فضاء وخلال زمن داخليين يشكلان معا شرطا أساسيا لإبداعيتها.

**: إلى ماذا يحتاج الشعر، و إلى ماذا يحتاج الشاعر ؟

 

** عاشور فني: يحتاج الشعر إلى الحلم والشاعر إلى الحرية. ولا أزيد.

**: أعراس الماء التي صدرت بفرنسا كتبتها بلغتين مختلفتين في اللحظة ذاتها كيف حدث هذا ، هل كان هذا عن تخطيط مسبق ؟

** عاشور فني: كانت تلك تجربة خاصة فرضت نفسها وأنتجت نصها. لم يكن ذلك عن سابق تخطيط ولا أدري إن كانت، كتجربة، قابلة لأن تتكرر. كنت قضيت فترة في الكتابة والترجمة وصار كل نص يستهويني في لغة أترجمه فورا إلى اللغة الأخرى وصرت أشتغل في ما يشبه الورشة المفتوحة: القراءات المتزامنة والكتابة متعددة اللغات. وقد أمكنني أن أتجاوز حدود إمكانياتي في الكتابة نفسها: خرجت لأول مرة، في نص لي، عن التفعيلة وارتميت في جماليات الماء والاحتفاء بالآني، منهمكا في أعراس اللحظة الهاربة، مبتهجا بحضور جمالي بصري للكون تتراجع فيه اللغة إلى أدنى حدودها، وتمتزج فيه الكتابة بالقراءة بالترجمة.

**: ديوان “رجل من غبار” جاء كنص طويل ،فهل يمكن اعتباره بمثابة نشيد الداخل بامتياز؟

** عاشور فني: نص “رجل من غبار” رافقني مدة طويلة نسبيا. كان تجربة شعرية ضمن تجربة الحياة الواسعة. هو مرحلة في نضجي الشخصي و نضجي الشعري أيضا. فيه حوار الذات مع ذاتها ومع العالم أيضا، يغيب فيه الصوت الخارجي.ولعل بداية هذه التجربة كانت مع قصيدة ” اقترابات” المنشورة في زهرة الدنيا وأعتقد أنها تستمر في نصوص أخرى.

**: في نصوصك تحضر ثلاثية شبه دائمة وهي تتناص فيما بينها “الصوفية ،الأسطورة ،والتراث” كيف تفسر هذا ؟

 

** عاشور فني: أشكركِ على هذه الملاحظة. فعلا هناك شيء من ذلك : فالشعر تجربة مكابدة في الحياة اليومية و لكنني لم أتكئ على المعجم الصوفي للتعبير عنها. فتلك إستراتيجية كتاب يفتقرون إلى التجربة أصلا أو توهموا أن المعجم الصوفي ينقذ تجاربهم الشخصية أو اعتمدوا المعجم الصوفي ممالأة لوسط نقدي يعتبر النزعة الصوفية في القصيدة مظهرا من مظاهر الحداثة. لم يكن ذلك مساري. الصوفية التي أتحدث عنها ليست صفة خارجية أو مظهرا لفظيا. إنها نزعة في الحياة: التحام تام بين أبعاد الوجود الروحية والفيزيقية بين الفكر والطبيعة، بين الإبداع في القصيدة وتجربة الوجود. أما الأسطورة فهي حاضرة في خلفية النصوص، وليست موضوعا لها، أما عن التراث فلا يمكن لشاعر أن يتطور خارج ميراث لغته وثقافته، وخاصة ميراث الشعر العربي، فهو غني وخصب ومازال حيا مؤثرا في  واقعنا الأدبي والثقافي. وفضلا عن ذلك اسمحي لي بأن أضيف إلى ملاحظتك عنصرا آخر أشارت إليه بعض الدراسات الأكاديمية وهو عنصر السرد، فهو أحد مكونات الشعرية في نصوصي. وأعتقد أن اللحظة الشعرية هي اللحظة التي تلتقي فيها هذه الأبعاد مجتمعة:الآني بالأبدي والروحي بالجسدي والسردي بالشعري والكوني بالشخصي، والكلي بالجزئي، فالقصيدة انفتاح على الآخر في مطلقه. هكذا أعيش عصري وأتواصل مع رموزه وأخوض صراعاته اليومية الفكرية والعملية بوعي وبفعالية.

**: في كل مجموعاتك مازلت وفيا للبحور الخليلية والتفعيلة والقافية، فقط في”هنالك بين غيابين يحدث أن نلتقي” وهي نصوص هايكو كان هناك حضور للنثر، ألا تستحق القصيدة النثرية بعض الحب والمغامرة ؟

** عاشور فني: قصيدة النثر ليست في حاجة إلى إشفاق أو إلى حب، إنها تجربة في الكتابة، تفرض نفسها حين تكتمل شروطها ويخوضها من يمتلك أدواتها. فهي تتطلب، في رأي، ما هو أقوى من الوزن والقافية، هي أيضا اشتغال على البصري والرؤيوي والحركي والتسجيلي، وتتطلب إدراج أبعاد جديدة ضمن أفق الشعرية وتلك ليست مجرد مسألة تقنية بل هي مسألة معرفية ثقافية بالأساس. وليست مسألة إرادة شخصية. وقد عشت شيئا من ذلك في تجربتي  “أعراس الماء” و”هنالك بين غيابين يحدث أن نلتقي” ضمن رؤية مخالفة تماما.

**: ما قصتك مع “خمسين ألف سنة” ؟ ما رمزيتها /دلالاتها، إنها تتكرر بوضوح في  كتبك ونصوصك.

** عاشور فني: هي عبارة وردت في القرآن الكريم: “في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة”، تلخص في نظري فكرة نسبية الزمن : فاللحظة الآنية العابرة خالدة أيضا، تلك هي لحظة الشعر بامتياز.

**: في الربيع الذي جاء قبل الأوان هناك نص “الكروان السعيد” وفي هنالك بين غيابين يحدث أن نلتقي هناك نص “كروان بعيد” وفيه نفس المقطع الأول من الكروان السعيد ،لماذا حدث هذا ،هل تعمدت أن تقلص النص الأول لتضمه إلى نصوص الهايكو ؟

 

** عاشور فني: وقبل ذلك كان هناك نص بعنوان “الكروان” نشر في كتاب “زهرة الدنيا” ولكل ذلك حكاية، فقد كان المقطع الذي نشر في آخر مجموعة هو أول ما كتبت سنة 1986، وقد كتبته ليلا على هامش كتاب كنت أقرؤه عند النوم، ثم أضفت له المقطع الذي نشر في مجموعة”الربيع الذي جاء قبل الأوان”ثم ضاع مني كل ذلك،وكتب نص”الكروان” الذي نشر في “زهرة الدنيا” سنة 1994 بحثا عن النص الأول . وعثرت بعدها على المقطعين اللذين كتبتهما سنة 1986 ونشرتهما في “الربيع الذي..” سنة 2004. ولكنني ارتأيت إعادة نشر المقطع الأول في مجموعتي الأخيرة “هنالك بين غيابين يحدث أن نلتقي” باعتباره مقطع “هايكو” مكتملا بذاته، ولا يحتاج إلى بقية ما كتب بعده، في إعادة قراءة نقدية لتجربتي. واستطرادا أقول إنه كانت هناك نزعة في القصيدة العربية تنحو نحو التطويل والتمطيط باعتبار أن طول النفس دليل قوة الشاعر، ولم يكن بالإمكان الفكاك منها بسهولة وهي ما تزال سائدة حتى الآن. وقد كنت أحاول مقاومتها في نصوصي بالفصل بين المقاطع في القصيدة الواحدة بعلامات أضعها بين المقاطع وعيا مني بأنها منفصلة بعضها عن بعض، وفي “رجل من غبار” كانت الأمور أوضح عندي بحيث كان المقطع الواحد أشبه بنص مستقل تماما رغم أنه يندرج ضمن إطار النص العام ولا يخرج عنه رغم أنه يمكن أن يقرأ بمعزل عن المقاطع الأخرى. فالنص ينمو عبر مقاطع مستقلة ولكنها تشكل وحدته. أما بقية الاكتشاف فقد أشرت إليها باقتضاب في مقدمة المجموعة الأخيرة “هنالك بين غيابين يحدث أن نلتقي” ومختصرها أن جوهر الحداثة يقوم فعلا على مبدأ اقتصاد النص كما أشار إليه إدجار ألن بو في تحليله الشهير “مبدأ الشعرية” الذي أسسه على فكرة أن النص الشعري الطويل مستحيل أصلا، ولكن أهم تجسيد لذلك لم يكن قصيدة “الغراب” الشهيرة بل  قصيدة تقنية الهايكو التي كانت مخرجا للشعر الأمريكي والإنجليزي عموما من الشكل الفيكتوري. غير أن الحداثة الشعرية العربية توقفت عند حدود النقل عن المرجع الغربي متجاهلة المصدر الشرقي للحداثة الشعرية مما يعطي شرعية لفكرة أن الحداثة عالمية لا غربية. وهذا نقاش لم تتسع له الساحة الشعرية في الجزائر وغرقت في تفاصيل ويوميات أغرقت القضية الكلية في التفصيل والتجزئة، والقضايا السطحية التي تملأ الفراغ بالفراغ.

 **: ماذا في أفقك الشعري الآن أو بعد حين ؟

** عاشور فني: أشتغل منذ مدة على نص عن سنوات اللازورد ، نشرت بعضا منه تحت عنوان “أخيرا أحدثكم عن سماواته” وهناك نصوص أخرى تعبر حين تشاء في أفقه الرحب.

**: هل من كلمة أخرى /أخيرة ؟

** عاشور فني: كلمة أخيرة: أشكركِ على صبرك معي حتى اكتمل هذا الحديث الذي ذهب إلى عمق الأشياء وراهن الساحة الشعرية وأهنئك على حواراتك الشيقة التي تديرينها مع رموز الساحة الثقافية العربية بكل براعة.

كلمة أخرى؟: مقطع من ” أخيرا أحدثكم عن سماواته”:

عادة، تحمل الأرض أشياءها وتدور

وأعبر تلك المسافة

بين يومي

وبين الخرافة

عادة ما تكون السماوات صامتة

والنشيد يفيض من القلب

إذ يسقط القلب في غيم الحلم

أمضي إلى هدف واضح فيضيع

و تعلو السماء

وتزداد ضحكتها زرقة

وكثافة

  عن جريدة النصر الجزائرية بتصرف

التعليقات مغلقة.