الناقد قلولي بن ساعد في حوار صريح ” هناك في كل نص أبعاد متعددة وجوانب داجية على النقد أن يكشف عنها ويضئ مضمراتها ” …/ حاورته : خالدة مختار بوريجي *
بواسطة مسارب بتاريخ 17 ديسمبر, 2012 في 08:13 مساء | مصنفة في حوار مسارب | لا تعليقات عدد المشاهدات : 840.

 

 

” القاص والناقد الجزائري بن ساعد قلولي: لا أفرض شروطا على أحد.. فقط أنبه للخلط المفاهيمي على صعيد التمثل والكتابة بين القصة والرواية “
 تأسف الكاتب والناقد الجزائري قلولي بن ساعد لكون الكتابة النقدية في الجزائر مجرد مجهودات فردية لا مختلف المواقف والتوجهات الفكرية السابقة منها أو الراهنة، وما أنتجته في زمنها وبيئتها من منظومات فكرية ومعرفية متباينة، تبعا لتحولات تجربة الكتابة النقدية وإحالاتها التاريخية والإيديولوجية، مشيرا الى ان كتابه الأخير “استراتيجيات القراءة.. المتخيل والهوية والاختلاف في الإبداع والنقد” لا يتوقف فقط عند الأسئلة التي أثارتها ولازالت تثيرها الرواية الجزائرية، بل يطرح استراتيجيات متعددة للقراءة والتلقي النقدي، لامست في أنسجتها وخلاياها الإبداعية والنقدية مدارات متعددة لأسئلة المتخيل والهوية والاختلاف في مضامينها الأساسية. “الأنباء” حاورت مسيرته النقدية والسردية عبر هذه المقابلة:

خالدة مختار بوريجي :
أنت من الاوفياء للقصة القصيرة في زمن الرواية الكاسح.. لماذا هذا الخيار؟
قلولي بن ســاعـد :
“لا أخفي سرا إذ قلت لك أن الأمر ليس وفاء بالمعنى المطلق للقصة القصيرة، فأنا أيضا كتبت ثلاث محاولات في الرواية ولكن بنوع من النقد الذاتي الذي تحلو ممارسته، عن نفسي وجدت أنها مجرد قصص تتربع على حجم كبير من الصفحات ولا علاقة لها بالرواية، فللرواية بنية وهذه البنية تتشكل من خصائص للتشكيل الروائي، والرواية تمنحك الفارق الذي ينبثق فيه الناقص من المكتمل لشساعة فضائها وتباين أبنيته السردية في استدراج العشوائي إلى حضرة التماسك الإبداعي، بعيدا عن أحكام القيمة والتمييز الاعتباطي بين القصة والرواية في المخيال الثقافي لدينا، طالما أن للقصة قراءها وكتابها ومريديها، كما أن للرواية أيضا كتابها ومريديها ضمن حركة تسمح بالتعايش والحوار الإبداعي بينهما، مع التركيز أولا على محو هذه النظرة الدونية للقصة على الصعيد الإعلامي والنقدي في مشهدنا الثقافي الجزائري، الذي صار يكرس هذه الهجرة للرواية والوقوع في فخ سلطتها الرمزية لدى ممن يتعاملون مع الرواية كجنس أدبي من ناحية الكم والحجم وليس النوع..

خالدة مختار بوريجي :
تقول إن فوضى نجمت عنها صيغ كتابية حملت اسم القصة القصيرة، هل يمكن التفصيل في ذلك قليلا؟
قلولي بن ســاعـد :
نعم هناك خلط شنيع بين القصة والرواية على صعيد التمثل والكتابة لدى البعض، ليس فقط على صعيد الشكل وإنما أيضا على مستوى ممكنات الوجود التخييلي في هذا الجنس الأدبي أو ذاك، من سيرورة الأحداث والوقائع النصية وتعقدها وتشابكها والانتقال من مشهد إلى آخر ومن فترة زمنية إلى أخرى. بل إن هناك من يكتب الرواية بنفس قصصي يشعر معه القارئ أنه في مواجهة قصص تم الوصل بينها، وأعمال أخرى توقفت فيها الرواية ذاتها كبنية وكخطاب روائي له حدوده وأسئلته المضمونية والبنائية عند حد معين من صفحاتها، دون أن تنتهي من الناحية الشكلية في مخيال مؤلفها.. ومعنى هذا أن الرواية انتهت فعليا عند ذلك الحد، رغم أن كاتبها راح يعمل على تمطيطها بمزيد من الصفحات ومزيد من فائض الكلام لا فائض المعنى، فكانت النتيجة أن تحولت العملية الإبداعية برمتها إلى “صناعة ظرفية لمتخيل بسودو- روائي” بتعبير الدكتورة آمنة بالعلى، أو عمل هجين لا هو بالقصة ولا هو بالرواية، عمل أشبه بما يسميه الروائي الحبيب السائح “النفايات السردية”.
خالدة مختار بوريجي :
أصدرت “استراتيجيات القراءة”، هل نقول إنها حفر في الأسئلة التي اثارتها الرواية الجزائرية على جميع الأصعدة؟
قلولي بن ســاعـد :
كتابي “استراتيجيات القراءة المتخيل والهوية والاختلاف في الإبداع والنقد” لا يتوقف فقط في الأسئلة التي أثارتها ولازالت تثيرها الرواية الجزائرية، بل يشكل هذا الموضوع مقاربة واحدة من المقاربات الكثيرة التي تضمنها الكتاب، وهو يطرح استراتيجيات متعددة للقراءة والتلقي النقدي لامست في أنسجتها وخلاياها الإبداعية والنقدية مدارات متعددة لأسئلة المتخيل والهوية والاختلاف في مضامينها الأساسية. وعلى هذا الأساس، فإن كل مقاربة من هذه المقاربات تطرح خصوصيتها الأساسية ومنظورها الخاص حتى ولو كانت تشترك جميعها في تفكيك سنن الاختلاف والتعدد، ومساءلة المتخيل الإبداعي ونسق حضور أسئلة الهوية والاختلاف في تقاطعهما ضمن معطيات جديدة أعادت النظر في كيفية قراءة تلك العلاقة الملتبسة بالأنا والآخر، إبداعيا أو مفهوميا..
خالدة مختار بوريجي :
هل كان دافعك لتأليف “استراتيجيات القراءة” هو ايمانك بـ”مكر النص” و”عدم رسوه عند مرفأ دلالة قار”؟
قلولي بن ســاعـد :
بالطبع، لا وجود لنص يرسو عند مرفأ واحد أو دلالة ثابتة، هناك في كل نص أبعاد متعددة وجوانب داجية على النقد أن يكشف عنها ويضئ مضمراتها. لقد كان جاك دريدا يقول: “هناك في كل نص، حتى في النصوص الأكثر تقليدية، إمكانات للتفكيك”. النص حمال أوجه كما يقال، مثلما أنه لا وجود لـ”قراءة بريئة، فكل القراءات هي إساءة قراءة”، كما يعبر عن ذلك دريدا، ولم يكن هو الدافع الوحيد بالطبع.
خالدة مختار بوريجي :
الحياة الراهنة تتعقد بسرعة شديدة، هل تستطيع القصة القصيرة مواكبة كل ذلك بدون مزيد من السقوط في “التكثيف” أو “الإطالة”؟
قلولي بن ســاعـد :
الأمر متروك للكفاءة الإبداعية لهذا القاص أو ذاك. هناك مستويات متباينة للكتابة القصصية ولا تحمل صفة قارة للجميع، ولا يمكن إطلاق أحكام قيمية أو مطلقة. بهذا المعنى الجزم في هذا السياق أمر دونه مخاطر جمة بآفاق الكتابة القصصية، وهي تستشرف منظورات بعيدة المدى، تتبدى في فلوات مساحات التخييل القادمة المقيمة في صميم الزمن والوجود والتاريخ.
خالدة مختار بوريجي :
عبرت عن اسفك الشديد للفراغ النقدي الهائل في مقابل ما تسجله الحركة الابداعية السردية والشعرية من نشاط.. الا ترى ان مشكلة النقد في الجزائر انه ليس سوى مجهودات فردية غير متكاملة على مستوى الاشخاص والمؤسسات الثقافية؟

قلولي بن ســاعـد :
نعم الكتابة النقدية في الجزائر هي مجرد مجهودات فردية في حدود مختلف المواقف والتوجهات الفكرية السابقة منها أو الراهنة وما أنتجته في زمنها وبيئتها من منظومات فكرية ومعرفية متباينة تبعا لتحولات تجربة الكتابة النقدية وإحالاتها التاريخية والإيديولوجية
خالدة مختار بوريجي :
انت لا تنكر على القاص الانتقال الى الرواية، لكنك تفرض عليه شروطا ثقافية وابداعية، ما هي؟

قلولي بن ســاعـد :
لا أفرض شروطا على أحد، كل ما في الأمر أني أريد أن أنبه للخلط المفاهيمي على صعيد التمثل والكتابة بين القصة والرواية، في ظل هذا النزوح المتعدد الأوجه للرواية كسلطة رمزية أصبحت تشكل إغراء كبيرا لبعض كتابنا، دون تمثل عميق لخصائص التشكيل الروائي أو ما يسمى إجمالا ” البنية الروائية”، لدرجة أن مفهوم الرواية تحول إلى مفهوم كمي لا نوعي، تحدد لدى البعض بعدد الصفحات والتمطيط الكلامي والحشو والترادف اللفظي، فكانت النتيجة أن حملت لنا بعض المنشورات نصوصا لا هي حافظت على خصوصية النص القصصي ولا هي بلغت مستوى الرواية كجنس أدبي مخصوص له حدوده وأسئلته، وتم التعامل وفقا لهذا مع القصة كفن طريد مهمش، للزج به إلى التخوم النائية، كالبنت اليتيمة تماما كما يقول الصديق الخير شوار على صعيد التداول الإعلامي والنقدي والكف عن هذه النظرة الدونية للقصة وضرورة التخلص منها والكف عن تعامل القاص أو الروائي مع شخوصه كبشر يعرفهم حق المعرفة، لأن ذالك يجر إلى نوع من التطابق الآلي الفوتوغرافي مع الواقع المشوه الشعاري الذي أساء كثيرا إلى النص القصصي الجزائري خلال فترة السبعينيات، وبالتالي تحول الفن إلى نوع من التوظيف الدعائي المباشر، كي لا نسقط نحن أيضا في نفس المطب رغم اختلاف الظروف والمعطيات
خالدة مختار بوريجي :
في احد مقالاتك تقترح ان يخلي السياسي مكانه للمثقف، لأنه لا يحمل زادا معرفيا كافيا في الغالب، ألا تخشى على المثقف ورطة اخرى في ظل عثراته الثقافية المشهودة؟

قلولي بن ســاعـد :
بالفعل هناك من سقط من المثقفين في المطب السياسي في صورته النفعية، والأمثلة كثيرة ولا داعي للتوصيف. وأعتقد أن الروائي المرحوم الطاهر وطار قد لامس هذا الجرح النازف في روايته الأخيرة “قصيد في التذلل”. لقد طالبت بالفعل في أحد مقالاتي من السياسي أن يترك مكانه للمثقف، وكنت أتوجه بهذا للمثقف الحر غير المدجن والذي لا يكرس للقيم النفعية كل جهوده، باعتبار أن التاريخ الثقافي والسياسي يقدم لنا أروع الأمثلة عن تلك الفتوحات السياسية المفصلية في تاريخ الأمة العربية، التي كانت كلها تعبر عن فتوحات وخيارات إيديولوجية وسياسية، وقودها مثقفون قبل أن يكونوا رجال سياسة، كما هو الشأن مثلا لرواد النهضة والإصلاح في الأربعينيات، على غرار شكيب أرسلان وطه حسين وسلامة موسى وقاسم أمين وشبلي أميل وفرح أنطوان، وبعض التنويريين من التيار الإسلامي كرفاعة الطهطاوي والكواكبي ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني والطاهر الحداد وكوادر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والأمير عبد القادر، والعناصر الأساسية للحركة الوطنية الجزائرية مثل يوسف بن خدة وأمحمد يزيد ومصطفى الأشرف وعبان رمضان وعبد الحميد مهري، ومثقفين آخرين على غرار بشير حاج علي ومفدي زكرياء ومالك حداد والطاهر وطار… هؤلاء كلهم كانوا يرون أن السياسة ليست مجرد جسر مرور إلى السلطة أو تحصيل المزيد من القيم النفعية السائدة بل هي رافد سياسي للتغيير السياسي الجذري والنهضة الاقتصادية والفكرية، وأنها المعادلة الغائبة أو المغيبة في المشهد السياسي العربي من المحيط إلى الخليج.
خالدة مختار بوريجي :
فيم تفكر كابداع قادم؟

قلولي بن ســاعـد :
لا مشروع واضح المعالم في الافق.. أقرأ قليلا وأتأمل في بعض أشكال القول الإبداعي والفكري.

 

حوار : خالدة مختار بوريجي * (الجزائر)

 

 

 

 

——————————————————————————

 بن ساعد قلولي ( قاص وناقد جزائري ) *

صـدر لـه :

* ” مقالات في حداثة النص الادبي الجزائري” (عن منشورات إتحاد الكتاب الجزائريين 2005)

* “سلطانة والعاصفة” (قصص  .. منشورات أرتيستيك 2009)

* “إستراتيجيات القراءة.. المتخيل والهوية والاختلاف في الإبداع والنقد” (دار الهدى 2012)

* عضو مؤسس لمجلة مسارات الثقافية

* عضو مؤسس لمجلة مسارب الثقافية الالكترونية.

اترك تعليقا