اليوم عيد ميلادي في عرف المتحضرين يا ساداتي، وإن كنت من البدويين القرويينن، غير أن صداقتي بالأدب تجعلني أمارس طقوس المتحضرين المتأنقين أقف أمام لوحة فنان تشكيلي أو تجريدي، وأبحر معه في تلك اللوحات مما يفتح أفق الانتظار عندي في فتح العديد من التأويلات والقراءات المشهدية للحياة، كما أن زواجي الشرعي بالأدب يجعلني مشدودا لنغمة عود، أو ترنيمات قيتار.
وإن كنت لا أصدّق كثيرا تواريخ ميلاد القرويين والبدويين من أمثالي، لعدة اعتبارات موضوعية، وهو أن قريتنا تبعد عن البلدية بعشر كيلومترات، ولم يكن بناحيتنا يومئذ خلال نهاية الستينيات من القرن الماضي سيارات، ولا طريق معبد، إنما كان الآباء في أحسن الأحوال يمتطون ظهور حميرهم، ويذهبون للبلدية لتسجيل أبنائهم، وقد يقومون بهذا العمل بعد أسبوع، أو شهر، بل حتى بضعة أشهر، المهم متى فرغوا من أعمال حرثهم وبذرهم، وترميم فقاراتهم، انتبهوا إلى ذلك.
ثمة أمر آخر يجعلني أشك في تواريخ ميلاد القرويين من أمثالي كذلك، وهو أن كل الذين ولدوا بسنة قبل ولادتي، مسجلون بسجلات الحالة المدنية للبلدية بصفة (خلال)، كل هذا والذي قبله يجعلني مترددا في حسم تاريخ ميلادي بالتحديد، وإن طٌبع في دفتر عائلتي بهذا التاريخ، فإنني أقربه تقريبا، مما يجعل هذا الأسبوع كاملا عيد ميلادي، وهو الأمر الذي شرّع لي الحديث عن هذا اليوم بالأمس، وما سوف أذكره في الغد، قلت قد يكون تحديده الدقيق قبل يوم تسجيلي بيوم، أو يومين، أو بعده بيوم أو يومين.
اليوم أطفئ شمعتي 45 حولا، فيها الربيع، والخريف، والشتاء، والصيف، الحلو والمرّ، أقف مشدودا عند منتصف الأربعين، أجمع شتات أيام خريف عمري، وزهور أحلامي، برد الشتاء لايهمني على أية حال…؛ لأنني ولدت فيه عاريا خاليا من الذنوب ذات دجنبر بارد، أقف وسط محطة الحياة ألتفت إلى خلفي، ملقيا نظرة على أيام طفولتي وحنينها بالقصبة والقصر، أبي – رحمه الله – الذي رحل عني، وأنا في العاشرة من عمري، لكنه ترك لي من السباخ، والنخيل، و ماء الفقاقير، ما جعلني أعيش رغدا، لا أحسّ فيه بالغبن، بين أندادي من فتيان القرية، أمي العزيزة – أطال الله عمرها – التي تعلمت في مدرستها صناعة الذوق الذي جلبته لي معها من تونس، وأخي الأكبر الذي تولى رعايتي وتعليمي، وقد كان من الرعيل الأول من المعلمين القرويين، وما أندرهم وقتئذ، حيث فتح أول قسم للتعليم بقريتنا بأحد غرف منزلنا، وضحينا بذلك، وتشرفنا هذه التضحية، كما أتذكر إلى جانب هذا كتّابنا الطيني الذي تعلمت فيه بخط قلم القصب والدواة على اللوح الخشبي: ليف ما ينقط شئ، با وحدة من تحت، تا تنتين من فوق، ثا ثلاثة من فوق……..، أتذكر يوم العرفة وتذويق لوحتها، أتذكر عصا الشيخ سيدي الحاج أحمد لحسيّن الدمراوي رحمه الله، هذا الشيخ الذي تفرض عليّ قداسة الحرف الذي علمني أياه، أن لا أتجاوزه في هذه المحطة، أتذكر بيتنا الطوبي الطيني بالقصبة، ولعبة الغميضة مع أندادي من الصبيان بساحة أولاد براهيم أمام القصبة، وعلى حجر مرمى من ضريح جدي الأكبر الشيخ المغيلي، الذي قال عنه أحمد بابا التمبكتي في كتابه نيل الابتهاج بتطريز الديباج ما نصه:” ممن يتصفون بالذكورة العلمية”، هناك محطات كثيرة تستوقفني في الطفولة، وربما ضيق معدة الحيز، وانشغال القراء الإلكترونيين بتفاعلاتهم، يجبرني على الاختزال والتجاوز عن العديد من المحطات، ولعلّ في السنوات القادمة إن شاء الله إن بقي من العمر بقية سوف نعرّج على بعضها.
أما شبابي فقد أغتاله مني طلب العلم، وياله من اغتيال جميل، أجد في اغتياله لذة ومتاع، كان ربيع العمر منه خلال دراستي بقسم اللغة والأدب العربي بالجامعة المركزية بالجزائر العاصمة، في الماجستير والدكتوراه، أذكر من شيوخي في هذه المرحلة، الأستاذ الدكتور الشريف مريبعي أطال الله عمره، والذي اختضنني بدفئه الأبوي الحنون، من برد المدينة، و صقل ذائقتي الأدبية، بما وهبه الله من علم وتواضع ووقار، وبالرغم من برودة صقيع المدن فيها، وقلة دفء العائلة في الصحراء بها، إلا أنني تعلمت في هذه المدينة الكثير مما يجب أن يتسلح به من تجارب كوميدية وتراجدية، تؤهله لأن يصارع الحياة، فقد تعلّمت فيها فقه (الزلط والتشومير)، وكيفية تدبير الأمور وقت الحاجة، والصبر على فراق الأهل والأحبة، وسعفة النخيل، ونعومة حبات الرمل، وبالمقابل وجدت فيها ضالتي في كتب مكتباتها العامرة، وجرائدها الصباحية، وهو أمر كنا نفتده في الصحراء .
ما يحضرني من شبابي زواجي؛ زوجتي الوفية، وأولادي الذين هم بصمتي في الحياة، أيوب، محمد، لقمان، الطيب.
شباب قضيت بعضه في الابتدائي؛ كأستاذ مجاز في اللغة العربية، وبعضه القليل في المتوسطة، وآخره إلى يوم الناس هذا بالجامعة.
شباب أراه وكأنه ينذرني بقرب الوداع….
القارئ يبقى مخيّرا في وضع هذه الخواطر حسب سياقاتها التأولية، وقد فتحت لنا نظريات النقد الحديث والمعاصر، حزمة كبيرة من نظريات القراءة والتأويل؛ لكنها على كل حال لا تخرج عن سياقين، الأول يمكن تصنيفها فيما يسمى بأدب السيرة الذاتية، والسياق الثاني يمكن تصنيفها كتأملات فلسفية.
وكل عام وأنتم بخير يا ساداتي…
إلى كل الأصدقاء والأوفياء لشرف الكلمة، وقداسة الحرف، وطهر الكتابة، أهدي هذه الكلمات………
موغادور(الصويرة) – المغرب – يوم:19 – 20 /12/2012
—————————————————————————
*الدكتور الصديق حاج أحمد الزيواني (كاتب وأكاديمي من الجزائر)




