عبد القادر رابحي في حوارصريح : “مَنْ من المثقفين العرب يستطيع أن يلعب مثل دور برنار هنري ليفي في أوربا والعالم ؟” ../ حاورته : خالدة مختار بوريجي *
بواسطة مسارب بتاريخ 24 ديسمبر, 2012 في 12:41 مساء | مصنفة في حوار مسارب | لا تعليقات عدد المشاهدات : 788.

 

قال إن مثقفي الخمسينيات أكثر التصاقا بتاريخ الجزائر وتأثيرا فيه .. عبد القادر رابحي في حوار صريح : 

     ” مَنْ من المثقفين العرب يستطيع أن يلعب مثل دور برنار هنري ليفي في أوربا والعالم ؟ “

قال الشاعر الجزائري عبد القادر رابحي أن هدف المبدع هو “عدم الوصول”، وأن دخول موسوعة البابطين لا يعني بالضرورة دخول “موسوعة الشعر”، مشيرا الى ان الشعر الذي لا يسعى إلى تأسيس رؤية أطروحية عابرة للأجيال لا يمكن أن يكون أكثر من موضة عابرة، مهما كان مستواه الفني والجمالي، وأن النصوص لا تخضع بالضرورة للمعياريات الجمالية أو الموضوعاتية التي تريد أن تسلطها عليها دكتاتورية التصور النهائي للنظرية الجمالية أو النقدية في آنية حضورها.. ووصف نصوص هذه التسعينيات الشعرية أنها “مسكونة إلى درجة رهيبة بالخوف الذي طغى على صياغة الذات الشعرية في تلك المرحلة”، متأسفا لكون المدونة الشعرية الجزائرية ليست واحدة بخصوصياتها الإبداعية والجمالية في نظر النقاد والباحثين في أماكن مختلفة من الوطن الواحد…

 

—————————————————

البدايات أجمل ما تختزنه ذاكرة شاعر، فمتى تمردت على اعتيادية اللفظ أول مرة؟ وكيف كانت قصيدتك الأولى؟ :

ربما كانت أقدم من هذا بكثير، ولكني أتذكر أن ثمة اختلافا في مقاربة القول أحسست بها في مرحلة التعليم المتوسط، حينما أمدني إمام المسجد ومدرس الكتُّاب بحي بوهني الشعبي في أعالي تيهرت، حيث كنت أسكن، سي الطاهر بوعنان رحمه الله، بكتابين طبعتهما وزارة الشؤون الدينية في ذلك الوقت، أحدهما عبارة عن عدد من مجلة الأصالة وثانيهما هو ديوان ‘اللهب المقدس’ للشاعر مفدي زكريا. ومنذ ذلك الحين شعرت أن ثمة اختلافا جذريا بين الحديث والقول الشعري. لقد كان وقع هذا الديوان عليّ كبيرا على الرغم من عدم إدراكي وفهمي لكل أبعاده، غير أن مواضيع قصائده بقيت حاضرة في صيرورة فعل الدراسة والتكوين والتوجه للعلوم الإنسانية فيما بعد. والأكيد أن تأثيراته امتدت إلى مرحلة الثانوية حيث كنت أملأ الدفاتر المدرسية بالخربشات التي لا معنى لها سوى أنها كانت تلعب دور الممهد والممهّل لما كان يجيش في خاطر ذاتٍ مُستعجِلةٍ من قلقٍ كبيرٍ في فهم عالم الكتابة والشعر والنشر. وقد كانت أول قصيدة منشورة لي في جريدة الشعب سنة ثمانين من القرن الماضي وأنا أتأهب للالتحاق بمعهد الآداب بجامعة وهران حيث توسع أفق المعرفة من خلال البحث عن إجابات لما كان يعتري الذات من تساؤلات . وقد مكنتني فترة بداية الثمانينيات من توسيع مدارك معرفتي بالأشياء وبالعالم الصغير المحيط بي، ثم سرعان ما أصبح الواقع يطرحها كإشكاليات كبرى مع تجربة الحراك الثقافي والانفتاح على الكتاب والنهم المتزايد للقراءة الذي ميّز جيل الثمانينيات من الشعراء والكتاب والمثقفين عموما. واستمرت علاقتي بالكتابة فيما بعد على الرغم من شكّي الكبير في مواصلتها بالنظر إلى ما نكتشفه فيها من خيبات ومن تخبئه لنا من مفاجآت، ومن هنا فأنك لا يمكن أن تراهن على نفسك وعلى ما كتبته في مسألة يبدو وكأن مفاتيحها ليست بيدك دائما أو ليست بيدك تماما..

مازلت بعد هذه السنوات من العطاء كما كنت صبيا، تقتفي رمزية الأشياء وكينونة المعاني على حساب الوقت، وتكتب عن اليومي للدلالة على الكوني، وعن الكوني بحثا عما هو يومي..

ربما كانت ثمة إجابة عن سؤالكِ الوجيه في محاولتكِ تركيبه من عناوين بعض دواويني. وهذه لفتة طيبة منك. والأكيد أن مرحلة الصبا مرحلة فاصلة في تكوين شخصية الفرد، ولذلك لا يمكن الاستغناء عنها حتى ولو ألححنا على ذلك. لا يمكن رفض منبع الصبا والطفولة والميلاد لأنه مصدر الكتابة الذي لا ينضب ومصب الفكرة التي لا ينقطع ولا ينتهي. ثمة عَوْدٌ أبديٌّ إلى المنبع لا استغناء عنه . ولعلكِ لاحظتِ العلائق العنوانية في مدونتي الشعرية المتواضعة ابتداء من (الصعود إلى قمة الونشريس) إلى (على حساب الوقت) إلى (حنين السنبلة) إلى (مثلما كنت صبيا) وفي دواوين أخرى كذلك. الطفولة حاضرة بإلحاح في ظاهر نصوص هذه الدواوين وفي بواطنها على الرغم من محاولتي ربطها بالموضوع الوجودي المهيمن الذي عادة ما لا يخرج عن واقع الذات الجمعية ولما ننتمي إليه وهو أمتنا العربية الإسلامية وما تكابده من جراح وما تحاول أن تحققه من طموحات. ولعله لذلك نجد اليومي الطاغي مطية للبحث عن الكوني والوصول إليه كما هو الحال في ديوان (حنين السنبلة)، ونجد الكوني الشمولي الحريص على استدراج اليومي واستذكاره كما في ديوان (على حساب الوقت). طبعا هناك محاولة إخضاع جدلية الكوني/ اليومي إلى ما تطرحه الأنساق الجمالية والسياقات التاريخية من توترات شكلية وفنية من جهة، ومن توجسات موضوعاتية تطرح فكرة الذات من منظور اللحظة التاريخية التي تعيشها في محاولةٍ لإبقاء هذه النصوص وفيةً لزمنيتها التاريخية والجمالية من دون الادعاء بنجاحها أو الاعتقاد بفشلها.ذلك أن النصوص لا تخضع بالضرورة للمعياريات الجمالية أو الموضوعاتية التي تريد أن تسلطها عليها دكتاتورية التصور النهائي للنظرية الجمالية أو النقدية في آنية حضورها.

قلت إن الموهبة وحدها لا تصنع شاعرا جيدا.. كيف ذلك؟

لستُ الذي قال هذه الفكرة وإنما رددتها فقط، لأنها من بنات أفكار الفلاسفة القدامى وهي مشهورة. ومعروف عن الفيلسوف نيتشه أنه قال إن الموهبة هي واحد في المائة، أما الباقي فهو عمل واجتهاد وتجربة. وذلك مهما كانت الموهبة أصيلة وعظيمة عند المبدع. هذا أمر معروف ومفروغ منه. الآن..ما تثيره هذه المقولة هو أنك ترى العديد من الطاقات الإبداعية التي تتوقف عند الموهبة التي حباهم الله بها وتسقط في الادعاء باكتمال التجربة وتكريس الذات المُنَرْجَسَةِ بفعل سهولة الوصول إلى الأضواء والنشر والإعلام السهل السريع. المشكل أن الإحداثيات التي يقدمها عصرنا التكنولوجي ربما أوحت إلى العديد من المواهب بالاعتقاد بسهولة التكريس واكتمال التجربة. وربما انطبق هذا الكلام حتى على ذوي التجربة من الأدباء والشعراء الجزائريين فظهروا للناس وكأنهم قد وصلوا إلى المحطة النهاية، في حين أن هدف المبدع هو عدم الوصول. ومن هنا، فإن الدخول إلى (موسوعة البابطين) على سبيل المثال لا يعني بالضرورة الدخول إلى (موسوعة الشعر)، لا لِخَطإٍ في موسوعة البابطين أو غيرها، ولكن لسوء فهم من يعتقد أنه وصل لأنه دخل إلى (البابطين) أو غيرها . إنه تصور (غينيسيّ) – من موسوعة غينس للأرقام القياسية- مُخَطِّئ يستعجل إنهاء تجربة المبدع لاستبداله بمبدع آخر في أسرع وقت وفي أقصر مدّة، في حين أن غرض المبدع هو البقاء في (موسوعة الإبداع) أطول مدة ممكنة. غير أن هذا يبدو طبيعيا جدا لكثرة حدوثه في المشهد الثقافي والإبداعي في ظل تسارع آليات الوصول وتهالك المفاهيم واستهلاك المعنى وتعليب المعتقدات والمنظورات الفكرية والفلسفية في عصرنا الحالي، وفي ظل عدم استتباب الوعي بمكونات الذات المبدعة وبأهمية حضور مرجعياتها الفاعلة في صياغة وجهة نظر إبداعية تحقق شرط التجدد والديمومة على الساحة.

انتقدت هؤلاء النقاد الذين يصدرون أحكاما ذاتية على النص الشعري، معتقدين أن بأيديهم صكوك الغفران والشهرة لمن شاءوا من الشعراء، إلى أي حد تتفشى الظاهرة في الجزائر؟ وما الذي يجب حيال ذلك؟

في كل تجربة إبداعية هناك من يسارع إلى إصدار أحكام نقدية متسرعة، وهناك من يتمهل الوقت والتجربة من أجل استنباط المنظورات الجمالية التي صاغها النص في آنية اندراجه في لحظة القراءة، سواء كانوا نقادا أو نقادا أكاديميين أو دارسين للأدب مختصين فيه. لا تخلو ساحة من أحكام قيمية تنطبع عادة بطابع التسرع والجزافية وربما بالمحاباة والانطواء على أجزاء من التجربة تسكن الهامش أو هامش الهامش. وما لاحظته شخصيا في العديد من الملتقيات العلمية الجامعية أو في الملتقيات الثقافية المفتوحة هو حديث الباحثين في جامعات الشرق الجزائري مثلا عن مدونة شعرية جزائرية يكاد لا يسمع بها باحثون وأكاديميون من الغرب الجزائري. وكذلك الأمر بالنسبة لشعراء الجنوب. بمعنى أن المدونة الشعرية الجزائرية ليست واحدة بخصوصياتها الإبداعية والجمالية في نظر النقاد والباحثين في أماكن مختلفة من الوطن الواحد، وإنما هي مدونات مختلفة تقدم صورة متشظية للواقع النقدي، الذي يولد أحكاما نقدية لا تراعي شمولية المدونة. كيف يمكن ألا تكون الأحكام جزافية وجزئية ومحلية في هذه الحالة؟ وكيف يمكن الحديث عن تصور إبداعي موحد لمنظومة شعرية جزائرية معروفة. ناهيك عمّا يحدثه التطرق المتكرر إلى الأسماء المعروفة والمكرسة من قتلٍ لغيرها من الأسماء التي لم تنل حقها من الحضور حتى لا أقول الشهرة. إن ظاهرة كهذه تخلق نوعا من عدم الانسجام بين العرض الشعري الثريّ والمتنوع وغير المتوفر في واقع الناقد، بغض النظر عن مستواه الفني والجمالي، وبين الطلب النقدي الخاضع لتصورات لا تخلو من زبائنية ومن شوفينية، أو لتصورات أكاديمية جافة قاصرة عن مساءلة النص بطريقة موضوعية غير منحازة. وفي كلا الحالتين فإن النص الشعري سيتخلف عما يمكن أن يلحق به من تطور لو أن النقاد قد أحسنوا استغلال إمكاناته التي قد يستغلها دارسون ونقاد عرب تماما كما حدث للمدونة الشعرية السبعينية عندما انبرى لدراستها نقاد مشرقيون، كحسن فتح الباب المصري وعبود شلتاغ العراقي وحسين أبو النجا الفلسطيني الأصل وغيرهم، في غياب اشتغال نقدي جاد ومسئول من طرف النقاد الجزائريين . وإذا كان هذا الاهتمام المشرقي شرفا للمدونة الشعرية الجزائرية عموما، فإن ما كان يجب على الناقد الجزائري فعله هو الاهتمام بهذه المدونة في شمولية طرحها للذات الجزائرية المعاصرة من منظور التصور الشعري النافذ والمحقق . وهنا، يمكننا أن نقترح هيكلا واقعيا أو افتراضيا تكون مهمته إحصاء ما صدر ويصدر من دواوين شعرية لشعراء جزائريين في الجزائر وفي العالم من أجل تمكين الباحثين والنقاد من الوصول إلى النص ودراسته. وأنا هنا لا أتحدث عن استحداث جائزة وطنية للشعر تتوج أحد الدواوين المطبوعة من خلال إخضاع كل ما هو مطبوع خلال السنة الواحدة للتقييم المُحكّم من طرف مختصين على ضوء تجارب العديد من الدول ومن دون اللجوء إلى المهرجانية التي ينتهي تأثيرها بمجرد انتهاء فعالياتها.

ماذا تقصد -تفصيلا- بالنسغ الأصيل في النص الشعري؟

النسغ هو ما يختص به نص دون غيره من النصوص من بصمة تنطبع بطابع الخصوصية التي لا نجدها في غيره، يجعل منه بؤرة للمساءلة نظرا لقوة حضورها في النص وعمق ما تقترحه على القارئ من فضاءات مفتوحة وآفاق شاسعة تفتح له الرغبة في البقاء وعدم التولي عن قراءته كما يحدث في غيره من النصوص غير ذات النسغ. إنه هوية النص التي تجرف القارئ وتكتسح عوالم الذات وتطرح في وجهه ما يعتقد عند قراءته أنه كان يعرفه. وربما كانت هذه الخصوصية ميزة الأدباء الكبار والمبدعين ذوي التجارب الحياتية الكبرى والعميقة. إنه هو الذي يحدد بصمة النص وهوية المبدع الشعرية إذا ما تعلق الأمر بالشعر. ولعله لهذا السبب تعلو نصوص على نصوص، وتطغى نصوص على نصوص، وتبقى نصوص بالنظر إلى نصوص أخرى. وربما كان الشعر الجزائري يملك أسماء قادرة على التأصيل للنسغ الشعري في المدونة الجزائري لولا تأخر المبدع بالوعي بأهمية البحث عن تأصيل النسغ من جهة، وعدم اهتمام الناقد بالمدونة الشعرية الجزائرية إلا قليلا نظرا لاعتقاد خاطئ تكرّست بموجبه الرواية ديوانا للعرب -في حين أنها ليست كذلك ولا يمكن أن تكون كذلك-، ومحط اهتمام النقاد من خلال تخليهم عن تناول الشعر. عديدةٌ هي الأسماء التي بإمكانها تسجيل حضورها الكبير في المدونة الشعرية العربية لو أنها أعطت للنص ما يستحقه من اهتمام واع بضرورة التأصيل للذات وهي تطرح تصورها للعالم المحيط بها.

لماذا انفصم الشعر الجزائري في العشرين سنة الأخيرة عن واقع الوطن وسيرورته التاريخية، متمحورا حول ذات قائله إلى حد النرجسية البحتة في أحيان كثيرة؟

من المؤكد أنك تقصدين بالعشرين سنة الماضية ما اصطلح على تسميته عند النقاد بفترة التسعينيات وفترة العشرية الأولى من الألفية الثالثة. والحقيقة أن هذه المرحلة على درجة كبيرة من الأهمية بالنظر إلى ما جرى خلالها من أحداث سياسية وتحولات اقتصادية واجتماعية مست بنيات المجتمع الجزائري العميقة. وبغض النظر عن التحفظ بخصوص تسمية شعراء هذه الفترة بجيل التسعينيات أو غيرهم بجيل الثمانينيات لأن مفهوم الجيل غير محدد بعشرية زمنية بعينها، فإن ما أنتجته هذه المرحلة التاريخية الحساسة في تاريخ الجزائر المعاصرة من مدونة شعرية يعكس بالضرورة ما اعتمل في ذات الشاعر، أي ما كانت تقترحه هذه المرحلة من أزمات على صعيد الذات وعلى صعيد المجتمع وعلى صعيد القيم التي بها تتأسس النظرة الواضحة إلى المستقبل أو لا تتأسس. ولو رجعنا إلى المتن الشعري الذي أنتجه شعراء هذه المرحلة لوجدنا كثيرا من هذه المواصفات التي حملها سؤالكم حاضرة في هذه النصوص، مما سرّع من بعض الأحكام النقدية التي أخذت بظاهر النص كما يقول الفقهاء ولم تسائل بواطنه بصورة جلية وعميقة. المؤكد أن النص مرآة عصره، وهو قبل ذلك مرآة قائله. وفترة التسعينيات كانت فعلا محكّا وجوديا بالنسبة للشعراء خاصة نظرا لما اعتراها من عنف رهيب لم يعشه الشاعر الجزائري الذي ولد عموما في السنوات الأولى للاستقلال أو قبلها بقليل. وهذا الشاعر وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع واقع عنيف أتى على الأخضر واليابس مما اعتقد الشاعر أنه سيعيشه حلما جميلا في كنف الدولة الوطنية المستقلة التي طالما سمع شعراء السبعينيات يتغنون بها وهم شباب يحملون طموح الذات وتحقيق حلمها من خلال الكتابة وبالكتابة. والحقيقة أن هذه الوضعية هي التي خلقت شعرا باحثا عن نفسه في ما اقترحته المرحلة من مساءلات جوهرية تداخل فيها السياسي بالاقتصادي بالمعرفي بالفلسفي. وهي مرحلة انفتاح على ما كانت تحمله التصورات الفلسفية الجديدة على شعراء هذه الفترة والتي مكنت المتن الشعري العربي من دخول مراحل متطورة من التجريب الشعري والخروج من الرؤية القديمة للكتابة التي كانت محصورة في ما كانت تحمله القصيدة (السيابية) من نبوّة شعرية والقصيدة (الدرويشية) من تمرّد ثوري. ولعل شعراء هذه الفترة قد تنبهوا إلى الفروق التي كانت تحكم نصوص الثمانينيات بالنظر إلى ما كان يفد إليهم من تجريب شعري من خلال البحث عن الذات وموازنة الأشكال ومطارحة الوجود، فحاول بعضهم تجريب هذا الرؤى بالنظر إلى الفراغ الرهيب الذي كانت تعانيه الذات الشعرية وهي ترى الواقع يتآكل بطريقة مرضية أمام أعينها. وربما فهم البعض من هذا (التوحد) بالمفهوم الطبي نرجسيةً حتى وإن كانت موجودة عند بعضهم إلى اليوم، غير أن النص هو دليل بقاء وجهة النظر عندما يغادر الجميع. والنص يشي بصاحبه. وما يميز نصوص هذه الفترة هو أنها نصوص مسكونة إلى درجة رهيبة بالخوف الذي طغى على صياغة الذات الشعرية في تلك المرحلة. ولو بحثنا ربما عن قصيدة غزل أو فرح صادقة فعلا كتبت في هذه الفترة لما وجدناها على الرغم من قلة هذين النوعين في المدونة الشعرية الجزائرية عموما.

تقول إن قلائل من المثقفين الجزائريين تحملوا مسؤولياتهم التاريخية أمام أزمات الإنسان والوطن الجزائريين، من تقصد؟ وكيف فعلوا ذلك؟

لو بحثنا في المكونات الثقافية للجيل الأول من المثقفين الجزائريين الذين عاشوا فترة الاستعمار وفترة الثورة التحريرية وعاشوا واقعها المرير ومروا بمرحلة الكولونيالية أو كان للاوعيهم نصيب منها في طفولتهم المتقاطعة مع فترة ما قبل الاستقلال، لوجدنا أن مواقفهم الفكرية والسياسية والاجتماعية أكثر رسوخا في الوعي بالمسألة الوطنية والوعي بأبعاد الفعل السياسي والاجتماعي، وأكثر وضوحا في صياغة مواقفهم على الرغم من اختلاف منطلقاتهم الفكرية والإيديولوجية. ومن هنا كانوا أكثر التصاقا بتاريخ الجزائر التي كانوا يعيشونه وأكثر تأثيرا في مجرياته من الأجيال الجديدة من المثقفين الذين لا يحملون هذا التصور نفسه عن المقاربة الفاعلة لتاريخ الجزائر المعاصرة ولما يحمله من مرجعيات تساعد على توضيح الصورة وبلورة المواقف وترتيب البيت الداخلي بالمواقف الأكثر وعيا بالذات وبالآخر، وليس الأكثر نفيا للآخر والأكثر تماهيا مع اللحظة، والأكثر ادعاء بالوطنية. الشعراء ليسوا شعرا فقط ، الشعراء مثقفون بالدرجة الأولى ومواقف قبل كل شيء، وما يعيشه الشعر من ميوعة يندرج ضمن ما يمكن أن يصيب جيلا بكامله من لامبالاة وتسيّب تخفيهما التّمترسات المرحلية التي لا تخلو من تصوّر ريعي دون سلطوي لا يريد أن يسمو بالشعر والشاعر إلى درجة فرض الاحترام الذي تمليه الممارسة الشعرية بوصفها إبداعا، ومن ثمة، فهو- الشعر- يبدو خاضعا لمحددات اللحظة السياسية وغائبا عن طرح المساءلات الجوهرية التي تفرضها التحولات الجذرية التي يشهدها المجتمع الجزائري، ومستقيلا من صلب النسق الحركي الذي يفرضه الإبداع والكتابة في أولية جوهرهما وفي أسبقية اندراجهما ضمن حركية صناعة التاريخ الثقافي للمجتمع. وربما كان الدليلُ هذا الانصياع الصامت الذي يرسخ الكتابة المتشابهة الشبيهة بالكورال الجماعي الذي لا يتيح لأي صوت الخروج عن السرب. إنه عصر المديح الجماعي المعاصر والهجاء الفردي المتزمت الحاضرين بقوة في راهن الممارسة الشعرية، واللذين يعودان بالمدونة الشعرية الجزائرية إلى الوراء على الرغم مما حققته خلال مشوارها التجديدي. ومن هنا فإننا لا يمكن أن نتصور الشاعر تابعا للراهن السياسي المرحلي لأنه من المفروض أن يكون سابقا له أو موازيا له أو في اتجاه معاكس له..

ونحن نشهد ما يحل بغزة، أيعقل أن يأتي النصر من أمة كلها تكتب الشعر على حركات البحور الخفيفة؟

ربما كان في بعضِ إجابات السؤال السابق بعضُ إجابات عن هذا السؤال، وسؤالك الوجيه يستعير جزءا من قصيدة لي من ديوان (مثلما كنت صبيا) الصادر بدمشق في جانفي 2011، والذي جاءت جلّ قصائده عبارة عن مساءلات حول دور الشعر في صياغة اللحظة التاريخية. أحيانا يبدو الإحساس بالضياع وعدم القدرة على التأثير سببا للامبالاة والتسيب اللذين تحدثت عنهما في الجواب السابق واللذين يؤديان بالشاعر إلى السؤال عن جدوى الشعر وجدوى كتابته في عصر تصلّب المركزيات وتوسّع دائرة نشاطاتها المهيمنة لا على الأطراف والهوامش فحسب، ولكن يؤديان كذلك إلى محو الهامش وإبادته من الوجود الفعلي بدعوى عدم ملاءمته لوجهة نظر هذه المركزيات وطموحاتها المبدئية في السيطرة والهيمنة. المشكل أن الشعر في هذه الحالة يفقد دور المحرض كما كان عليه الحال في فترات سابقة من تاريخ الشعر العربي (أبو تمام وفتح عمورية مثلا..أو الجواهري وثورة العراق)، ويتحول عندها إلى دور المُسجِّل لوقع الهزيمة المدوية والمصوّر لآثارها الرهيبة على الذات المتشظية. في هذا الديوان، وكذلك في ديوان (السفينة والجدار)، حاولت أن أطرح بعض المساءلات التي أنتجها الاعتداء السافر للكيان الصهيوني اليهودي على فلسطين في ما يسمى خطأ بحرب غزة الأولى بمستواي ومستوى تجربتي المتواضعة في آنية وقوعه وبعد وقوعه. لم يعد الشعر يلعب دور إيقاظ الضمائر كما كان في السابق، ومهمته من هذا الجانب انتهت بالنظر إلى التسارع الرهيب الذي تلعبه الصورة في تبليغ الرسائل والرسائل المضادة التي كانت حكرا عليه ، وكذلك في إيقاظ الوعي وفي تزييفه. ما يبقى للشعر الآن، وأعتبر أن هذا في حد ذاته شيء هام وخطير، هو طرح المساءلات الجوهرية التي ينتجها حدث كحرب غزة ومحاولة اقتراح تصور متأصل للإجابة عنها من خلال تمريرها أو تهريبها إلى مستقبل الوجود في حالة ما إذا استطاع هذا الشعر أن ينقذف في مستقبل المساءلة. ربما انتهى دور الشاعر في التأثير على الأحداث بصورة مباشرة، ولكن دور المثقف الذي يسكنه لم ينته، على العكس من ذلك. لقد بدأ الآن، وهذا هو عصره. فمَنْ من المثقفين العرب يستطيع أن يلعب دورا كالذي يلعبه برنار هنري ليفي في أوربا والعالم من خلال تعتيمه المنهجي والمدروس على المحرقة المستديمة التي يرتكبها الكيان الصهيوني في حق الشعب الفلسطيني؟

هل صحيح ان لحظة كتابة الشعر هي ما لا يحتسب من عمر شاعر؟

ثمة اعتقاد يقول ذلك نظرا لتصوره أن الشعر يبقى حتى لا أقول يخلد بعد ذهاب الشاعر. الشاعر فعلا يطمح إلى البقاء ويطمح إلى ضمان صيرورة زمنية تحتفي به من خلال بقاء نصوصه بعد رحيله. لكن هذه مسألة فيها نوع من المكابرة على الزمن، ولا يمكن لأي كان الادعاء والمراهنة بخصوص هذه المسألة. ربما بقيت الأفكار الكبرى الواعية بشمولية الطرح الفكري الذي يشمل بعضا من مستقبل الشعر. والشعر الذي لا يسعى إلى تأسيس رؤية أطروحية عابرة للأجيال لا يمكن أن يكون أكثر من موضة عابرة مهما كان مستواه الفني والجمالي. ولذلك لا يستطيع أحد أن يعرف سرّ بقاء النصوص وسرّ ديمومة حضورها في مستقبل الأزمنة؟

ما الذي لم تقله بعد لمن يقرأ شعرك؟

أقول له مرحبا حللت أهلا ونزلت سهلا..و أقول لك في الختام شكرا لـ”الأنباء” على هذه الاستضافة الكريمة..

 

 

 

 

 

————————————————————————————-

- * حاورته : خالدة مختار بوريجي (الجزائر) 

 

اترك تعليقا